حرب تفكيك الاستيطان ومأزق الدولة اليهودية
بقلم : السيد
ولد اباه
كتب إبراهام بورغ، الرئيس السابق
للوكالة اليهودية وللبرلمان الإسرائيلي، معلقاً على الانسحاب الإسرائيلي من غزة
الذي تم مؤخراً، أن هذا الحدث على محدوديته وعدم أهميته، (باعتباره حسب عبارته
مجرد عملية نصب كبرى باستبداله منطقة استيطانية لا قيمة لها بتكثيف الاستيطان في
الضفة الغربية الذي سيشكل كارثة أمنية ورمزية على "إسرائيل")، يعتبر على
الرغم من ذلك امتحاناً عسيراً لهوية "إسرائيل" وللمشروع الصهيوني الذي
قامت عليه.
ويذهب بورغ إلى القول في مقالته الهامة التي نشرتها صحيفة لموند الفرنسية (18/8/2005) إن المعين الصهيوني الذي تغذت منه
"إسرائيل" في نصف القرن الأخير، ارتكز على ثلاث دعائم تتأرجح بين
الأسطورة والواقع والرواية، وهي الأيديولوجيا الأمنية
وتقديس الاستيطان وتفوق الديانة اليهودية.
فباسم مقتضيات الأمن، تحولت "إسرائيل" إلى
دولة عدوانية ترفض الحوار والسلم، وتمارس التقتيل والقمع والتمييز والغصب، وبذا
فقدت روحها، وتحولت إلى سلطة استعمارية مستبدة.
أما الاستيطان فقد
ارتبط عضوياً بالأمن، على الرغم من أن حقائق الواقع تبين وهن هذا الارتباط. والنتيجة
هي أن "إسرائيل" تحولت إلى حواجز متراصة وغيتوهات
مغلقة، وبذا فقدت الأمن من جراء الاستيطان.
أما الديانة اليهودية
التي قامت على عقيدة الاصطفاء، فتحولت إلى ديانة عنصرية تستند لاستعمار عنيف وتقوم
على أيديولوجيا أمنية زائفة.
ويخلص بورغ من هذا التشخيص المعمق إلى أن نهاية السرديات
الصهيونية، تؤذن بقيام عقيدة أصولية بديلة تتشكل نواتها الصلبة من عناصر الحقل
الديني (اليهود الأرثذوكس المتطرفين، والصهاينة
الأصوليين، والنزعات المتأثرة بالطوائف الدينية الأمريكية الجديدة).
ومن المفارقات
المثيرة أن يتحول شارون، الذي هو أحد عتاة التيار اليميني المتطرف، وأكثرهم
عدوانية وشراسة في أدبيات وشعارات المستوطنين الرافضين الانسحاب من مستعمرات غزة،
إلى «نازي خائن»، يتوعد بالقتل، مما يعكس حالة الوضع المتردي الذي وصل إليه الحقل
السياسي الإسرائيلي، الذي تعايشت فيه تقليديا ثلاث قوى قام بينها توازن هش طيلة
العقود الخمسة الماضية، وهذه القوى هي:
* الاتجاه القومي
العلماني الذي بلور الفكرة الصهيونية ونجح في تأمين الدعم الخارجي لها، وجسّدها في
الواقع العملي من خلال تأسيس الدولة العبرية، التي إن استندت إلى ميثولوجيا دينية لغايات تعبوية وأيديولوجية، فإنها في الحقيقة
كيان تقمص واستبطن آليات الدولة القومية الأوروبية الحديثة في حدودها القصوى (التي
تفضي إلى الانغلاق العنصري والعدوانية إزاء الآخر).
* الاتجاه الصهيوني
الديني: الذي ارتبط بابراهام إسحاق كوك وابنه زئفي، وتمثله اليوم «كتلة الإيمان» (غوش
ايمونيم). والمعروف أن ابراهام
كوك هو أول من أعطى «شرعية دينية» لمشروع الحركة الصهيونية في إقامة «دولة قومية
لليهود»، في مواجهة المؤسسة الحاخامية التي اعتبرت هذا
الطموح مناقضاً لتعاليم اليهودية وعقيدتها، (إذ إن ابتعاث
الدولة اليهودية أمر رباني لا دخل للبشر فيه بالنسبة للتقليد اليهودي).
* الاتجاه
المناوئ للصهيونية الذي يتمحور حول رافدين: ديني حاخامي، ويساري أممي، لئن كان
يتشبث بالدولة، إلا أنه يرفض طابعها الديني والقومي، إما لأنها غير مشروعة دينيا،
أو لأنها تمارس التمييز الديني والقومي. ويتحدر أغلب «دعاة
السلام» لإسرائيل من هذا الاتجاه، الذي خفت صوته في السنوات الأخيرة.
فالمأزق العصي الذي تواجهه "إسرائيل" راهنا
يتمثل في انهيار التوازن الهش الذي كان قائما بين هذه الأطياف الثلاثة.
ففضلاً عن أن الاتجاه
العلماني المتمحور حول حزب العمل الذي أسس الدولة وقاد
لها حروبها قد انهار، ولم يعد يمثل القوة السياسية الكبرى في الحقل السياسي والمعترك
الانتخابي، فإن الاتجاه القومي المتطرف الذي انشق عنه (الليكود والأحزاب القريبة
منه) تحول تدريجياً إلى قبضة التيارات الدينية الأصولية المتشددة، التي لا تتردد
في نبذ القاعدة المرجعية للمعادلة الصهيونية التي قامت عليها "إسرائيل"،
أي استثمار الميثولوجيا الرمزية اليهودية في إنشاء دولة
قومية علمانية حديثة.
ومن هنا جاء هاجس الصراع الديني - العلماني الذي
يسيطر حالياً على الشارع الإسرائيلي، وقد برز جلياً في الأيام الماضية خلال عملية
إخلاء المستوطنات اليهودية في غزة. و هكذا ذهب كاتب سياسي إسرائيلي بارز هو عاموس أوز إلى القول إن معركة غزة
لم تكن مجرد مواجهة بين الجيش والمستوطنين أو بين الصقور والحمائم، وإنما هي معركة
بين الكنيس اليهودي والدولة.
ولقد مرت بعض الأمم بهذا الصراع لتحديد مكانة
الدين والسياسة في تسيير شؤون البلد، ويبدو أنه بدأ في "إسرائيل" بمعركة
غزة الأخيرة، التي طرحت على الدولة الصهيونية سؤالاً جوهرياً حاداً حول طبيعة
الدولة أي: هل "إسرائيل" ديانة أو أمة؟
ولئن كانت المواجهة
التي اندلعت في غزة لم تكن دامية، إلا أن كل المؤشرات تبين على أن المؤسسة الدينية
التي رعت الاستيطان ومنحته «المشروعية الدينية»، مصممة على حمايته بالقوة والعنف،
إذا تعلق الأمر بتفكيك جانب من المستعمرات اليهودية في الضفة الغربية والقدس
الشرقية.
وكما بينت الكاتبة
والمؤرخة اليهودية الفرنسية أثير بنباسا في مقالة هامة
منشورة بصحيفة لوفيغارو (29/8/2005)، فإن التلاعب
برمزية الهولوكوست التي تشكل دعامة الرابطة اليهودية
المعاصرة، قد أدى إلى تحويل الصهاينة العلمانيين أنفسهم إلى «أغيار» و«أعداء
للسامية». فحتى شارون الجنرال اليميني المتطرف يتحول من هذا المنظور إلى «هتلر» جديد،
مما يكشف في آن واحد عن درجة الابتذال التي وصلت إليها المأساة اليهودية، وعن درجة
التشدد والعدوانية التي وصل إليها التيار الأصولي الاستيطاني.
فالدرس الذي أثبتته
معادلة الاستيطان اليهودي في فلسطين هو أن الاستعمار يتحول ضرورة من ممارسة
عدوانية تمييزية إزاء الآخر، إلى عملية إقصاء وتمييز داخلية، وذلك هو الدرس الذي
أكدته كل التجارب الاستعمارية السابقة. ولعل هذه المعادلة هي التي حدت بالزعيم
الفرنسي الكبير شارل ديغول إلى القول إنه لم يحرر الجزائر من فرنسا، وإنما حرر فرنسا
من الجزائر. فما تعيشه "إسرائيل" اليوم هو
انهيار التوازن الهشّ الذي سمح لها أن تبدو في شكل الدولة الجامعة بين المشروعية
الدينية والانتماء القومي والحداثة الديمقراطية.
وما معارك الاستيطان إلا مظهر لهذه الأزمة
العميقة، التي يجب أن لا يحجبها عنا مظهر الاحتلال ومخاض التسوية المتعثرة.