صراع الإرادات وحساب المصالح

 

 

 

بقلم :فضل شرورو 

 

قبل مغيب شمس يوم الثلاثاء 23/8/2005 انتهت عملية إجلاء المستوطنين عن 25 مستوطنة: 21 مستوطنة في قطاع غزة و4 مستوطنات شمال الضفة الغربية، في محيط مدينة جنين.

في يوم الاثنين 22/8/2005 قال أرييل شارون: "ثمة أمر سيمكنكم أن تشهدوه، في وقت قريب، وهو أنه لن يكون هناك خطة فك ارتباط ثانية.. كتلة أرييل ستبقى جزءاً من "إسرائيل" إلى الأبد ومتصلة عبر الأراضي بـ"إسرائيل".. معاليةأ ستواصل التوسع وستكون متصلة بالقدس..".

في اليوم نفسه، سمع أرييل شارون أثناء حضوره اجتماعاً للجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست شتائم، لم يسمعها رئيس حكومة سابق، حيث سمع شتائم من العيار الثقيل، وكان أخفها: ".. أنت كذاب ومحتال وفاسد، وقد باتت أيامك معدودة في المنصب. لقد أوصلت "إسرائيل" إلى ذروة الفساد، وأنت لا تستحق أن تكون زعيماً. إن كل شيء عندك ليس سوى سلسلة أكاذيب اعتدت عليها، إنك تحرّض وتكذب..".

 

الكلام أعلاه. نشرته معظم الصحف ووسائل الإعلام الأخرى. وهو حديث أصرّ أعضاء الكنيست من الليكود تثبيته في المحاضر الرسمية، بعد أن طلب شطبه لأنه "شتائم" لا يجوز تدوينها. ولكن المحاضر لم تُشطَب، وبقي الكلام. الشتائم وثيقة رسمية لدى الكنيست. وهو كلام، يدخل بعضه ضمن اللعبة السياسية التنافسية على زعامة الليكود. ويبقى معظمه. يدلل على حقيقة "النكسة" التي أصابت "المشروع الصهيوني" الذي يهدف إلى إنشاء "إسرائيل" الكبرى" و"النكسة" التي أصابت "ضرورات" توسعه في "الاستيطان" كقواعد عسكرية مدنية، أو مدنية ذات أغراض متعددة. كما كانت بدايات نتساريم، في القطاع.

 

إن الإجلاء عن "المستوطنات".. من القطاع مرآته، هذا الحديث للحزب الحاكم، ضد زعيمه شارون، ليس من أولئك الذين يعارضونه في حزبه فقط، بل معظم اليمين الذي أتى به زعيماً، بحيث باتت المفارقة واضحة، بأن شارون يحكم وفق "نهج" المعارضة.. أحزاب المعارضة التي لا تملك الأكثرية لتحكم وتسعى لتحقيق منهجها.. جاء "الحاكم" ليقترب من نهجها.. بل ويتخطّاه، نحو ضرب المشروع الصهيوني الكبير، وضرب جوهره، في "الاستيطان" مقدّمة للانحسار القادم، والأوسع، في التراجع إلى حدود 1949، طال الزمن أم قصُر.. إلا أن الصورة تتبلور أكثر فأكثر، لدى الحاكمين، والحزب الحاكم، والمعارضين سواء بسواء..

 

"التمثيل" عبر النقل الفضائي المباشر، كان محاولة لإعادة التوازن في المعادلة اليهودية فحسب نتنياهو في مخاطبته لشارون، في اجتماع لجنة الخارجية والأمن: ".. إننا خلقنا سابقة مثيرة وهي: إن اليهود يعطون ولا يحصلون على مقابل.. اليهود يعطون، ويحصلون في المقابل على الإرهاب".

 

البكاء، والنحيب، والدموع، وحمل الأطفال أثناء إجلاء مستوطنات القطاع، كان، رغم حساسية الوضع الحزبي الليكودي، للتسويق الخارجي، أولاً وقبل كل شيء للحصول على "المقابل" وقد حصل، فقد قررت الولايات المتحدة، صرف مساعدة عاجلة بمقدار 2.2 بليون دولار أميركي، وثانياً للحصول على "مقابل" لتلميع وتحسين صورة شارون وحكومته، كسفاح وقاتل، وحكومته، كعنصرية وقاتلة أطفال.

 

التمثيل كان "متقناً" كما وصفه أبو علاء قريع، في جلساته الخاصة، بدمشق، إلى درجة، جعلت الرئيس جورج بوش يقول: "إننا نتعاطف معهم". والتمثيل كان "مؤثراً" إلى درجة أن برقيات وهواتف رؤوساء الوزراء في الغرب إلى شارون، حملت كلاماً متعاطفاً. وأصرّت على وصف "الشجاعة" التي يتحلى بها شارون كتعويض شخصي، بحيث رشحه البعض لجائزة نوبل للسلام متجاوزين أنه السفاح الأكبر في التاريخ المعاصر، فما من مجزرة في فلسطين أو لبنان إلا كان شارون "بطلاً" فيها .

 

إن "الإجلاء" عن مستوطنات قطاع غزة والإجلاء عن مستوطنات شمال الضفة وفي هذا الوقت، له أكثر من دلالة، كما إنه يؤشر لاتجاهات سياسية،أ، بالدرجة الأولى، وأوروبية ملحقة، بالدرجة الثانية، وفي كل الدلالات والمؤشرات تكمن حالة من "صراع الإرادات وحساب المصالح"، وهو الأمر الأهم في كل ما يجري، عبر الأواني المستطرقة لسياسات عصر العولمة، حيث أحداث العراق لها رجع الصدى في فلسطين، كما أن دوي صوت التفجيرات في مدريد له ارتطامات مسموعة في أودية وجبال أفغانستان، واستتباعاً أو استطالة له مؤشراته وأرقامه وخطوطه البيانية على اللوحات الرقمية في أسواق المال والبورصات العالمية، وشاشاته الدائمة ودليله الرقم البترولي..

 

? حساب المصالح:

 

لا يشكّ أحد بالأصول الصهيونية لأسحق رابين، ولا بأيهود باراك ولا بأرييل شارون. إلا عندما يقوم الواحد منهم على قول أو "فعل" الحقيقة.

 

كل منهم. كان "الأمل" وجاء ب"الصدمة" وقد جاءت "الصدمة" لأكثر من ثلاث مرات. علها تفيد في إحداث "صحوة" يحتاجها جداً المجتمع الذي نشأ على "الحقد" والشعور بالتفوق "العنصري" والنظر إلى الآخر من علياء. ليصحو على واقع جديد، لم يعهده سابقاً.

 

عندما توجّه اسحق رابين لمفاوضات أوسلو السرية، وبعدها عندما توجّه للتوقيع في واشنطن، في حديقة الورود 1993، ظهر على الشاشات كالمذهول. لأن حساباته كانت تحت عنوان "ضمان مصالح "إسرائيل""؛ ولأن كل حساباته، لم يكن فيها أي بند "أخلاقي" ينظر فيه إلى مصالح الفلسطينيين. فهو الذي كسر عظم فتية الانتفاضة الأولى، وهو الذي كان وزير الحرب الذي أُنيطت به، مهمة القضاء على الانتفاضة. لكنه كان مذهولاً. لا لمصافحة المرحوم ياسر عرفات، بل لأنه، وفي اعتقاده، أنه استطاع، ببعض التحرّكات السياسية، أن يضمن "مصالح إسرائيل" في الاستمرار.

 

قبله، في مؤتمر مدريد 1991 كان شامير. وتحت الضغط المكثّف نتيجة غزو العراق للكويت، وزخم المشاركة العربية، والتغطية العربية. كان شامير ينظر للمصلحة العليا "لإسرائيل". كان شامير يريد "المماطلة والتسويف" لتمرير ظروف الضغط السياسي. من جهة، وضغط الواقع على الأرض من جهة ثانية، لكن دائماً كانت تحركه المصلحة وحساباتها.

 

رابين، في حديقة الورود في البيت الأبيض. كان ينطلق من حسابات المصلحة؛ لأن الاستمرار في سياسات تحطيم العظام للفتية، للأطفال وقتل من يرفع العلم الفلسطيني، ستولد ما هو أكثر عنفاً، أي الأكثر تهديداً "لمصلحة إسرائيل". خاصة وأن العالم، صار في قلب الحدث، مع بدايات انتشار الفضائيات والتوسّع في متابعة الأحداث. ولم يعد بالإمكان إخفاء وإنكار المسؤولية عن المجازر والمخازي التي كان يرتكبها وجيشه وحكومته، وكل ما يمثل.

 

شريكه في جائزة نوبل، شمعون بيريز. الراعي الأول، لمحادثات أوسلو. لم يتحمّل مسؤوليتها، إلا انطلاقاً من حساباته. بأن هذه القناة السرية للمفاوضات يمكن لها أن تحقّق "مصالح" أكثر، وأفضل من المفاوضات العلنية التي كانت تجري، في التزامن، مع وفد فلسطيني، آخر في واشنطن.

 

شمعون بيريز، لم يركب ظهر هذه "المخاطرة" إلا بعد أن أمعن النظر بحسابات المصلحة. وحين لمسها لمس اليد. جعل شريكه رابين، يشجّعها ويتبنى النتائج التي أسفرت عنها، رامياً عرض الحائط كل ما كانت مفاوضات واشنطن العلنية قد توصلت إليه. لأنه، وببساطة، بمفاضلة سريعة. فإن أوسلو، قد جاءته بما يضمن "مصالح" أكثر اتساعاً، وأكثر ضمانة. أيهود باراك، تلميذ نجيب لأسحق رابين، وقيل إن الأخير، قد أوصى به، وقد كان معه، في أكثر من موقع، يدرسون الخرائط والمصورات والخطط والعمليات والنتائج.

 

وقيل إن باراك، كان بيت سر رابين، كما عبّرت عن ذلك، زوجة رابين في أكثر من مناسبة. ولذلك رأى، وهو تحت الضغط المثابر والكفاحي للمقاومة في لبنان، أن "الهزيمة" لجيشه، و"التضحية" بالعملاء. ومن منظار حسابات المصالح. تبقى "أفضل" من البقاء بين كماشة المقاومة في لبنان، والمقاومة، الانتفاضة في فلسطين. ولذلك، أيضاً، أي لأجل حسابات المصالح، ذهب إلى كامب ديفيد. حاملاً، أقصى، ما يمكن أن يقدّمه ابن المشروع الصهيوني.

 

حاول نتنياهو، مكابراً، أن يجعل من "بروتوكول" الخليل "طريقاً آخر في الحسابات معادلة حسابية جديدة أراد نتنياهو أن يفرضها على أرض الواقع. فبدلاً من المعادلة "الأرض مقابل السلام" التي انطلق منها مؤتمر مدريد، وتالياً اتفاق أوسلو، ولو شكلياً، جاء نتنياهو، بالفظاظة، مصحوبة بمعادلة: "الأمن مقابل السلام". وترجمته: أمن "إسرائيل" "مقابل" ضمان مصالح "إسرائيل" أما "الآخر" الفلسطيني فعليه أن يستوعب، فيما لو أراد أن يكون شريكاً بالعملية "السلمية" إنه سيكون "وكيلاً لتحقيق" الأمن لإسرائيل" لضمان مصالحها. فشل نتنياهو، في الخارج والداخل في فرض هذه المعادلة على ساحة "صراع الإرادات" فيما اجتاح حزبه نوعا من المناداة، بشراسة أكثر، حيث برز أرييل شارون.

 

كل الظروف، كما أسلفنا، قدمت شارون، اعتبر الشريك الأول للرئيس جورج بوش في "الحرب العالمية" على "الإرهاب". وقدّمت له كل المساعدات الأميركية، والدولية. ولم يحتمل هذا "المجد" فصار يعامل زعماء العالم بتكبُّر وتجبُّر. وهي السياسة العسكرية نفسها الذي ظن أنه سيرغم الانتفاضة على التوقف، فزادت بعهده عمليات المقاومة الانتفاضة، كماً ونوعاً، وشهد عهده، المزيد من الدم، وتوغّل المقاوم الفلسطيني. إلى وزارة الحرب، كما إلى "الوزراء" ومروراً بتطوير الأداء للمقاومة الانتفاضة. فجاءت "الصواريخ" المصنعة يدوياً ومحلياً والتي حملت أسماء رمزية لها دلالتها، رغم أن خصومها كانوا يطلقون عليها اسم "مواسير" وكشفت الأرقام التي أُميط عنها اللثام مؤخراً. مقدار تأثيرها على المستوطنات.

 

بعيداً، عن التنافس السياسي، حيناً، وفي خضمه أحياناً، كان شارون، يلجأ إلى مزرعة الخراف في النقب، وإلى صديقه جورج بوش. لإعادة النظر في كشف حساب المصالح. جورج بوش، وجد أن كشف حسابات مصالح أميركا اعتراه الخطر والتهديد في مضيه بنهج يعادي العرب، يعادي المسلمين، ويكيل بمكاييل عديدة، ليس فيها واحد، ينصف العرب، رغم تسمية أميركا لنفسها في "رعايتها" للأزمة الفلسطينية، بأنها "الراعي النزيه". والنزاهة، هنا، زائفة، وقد اكتشف العالم زيفها. وبخاصة أولئك الذين يتحدون أميركا وجهاً لوجه على غير صعيد، وفي أكثر من موقع.

 

صديق شارون، جورج بوش، صار كشف حساب مصالحه مهدداً. وهو يهدد في عقر داره، احتجاجات، ومذكرات تحليلية. وعلى مستوى الشعبية واستطلاعات الرأي، كما في المؤشرات الرقمية في ردهات البورصة والأسواق المالية، فضلاً عما تسبّبه، مناظر فاعليات الانتفاضة، وأعمال البطش الشاروني، سيئة الصيت والسمعة.

 

حسابات شارون، بالانكفاء. هي عملية مفاضلة، ونظرة متفحصة في جداول "الدائن" و"المدين" صراع الإرادات. و"انتصار" ارادة التحرير. في وجه المشروع الصهيوني لبناء "إسرائيل الكبرى" والنهج الإحلالي، الاستيطاني، كل ذلك جعله مضطراً للقيام بخطوة انهزامية. في مداها المدروس والغامض تضمن بقاء 170 مستوطنة في الضفة. وتساعد بعطف الصور على توجّهات استيطانية نحو جغرافيا، لها حساباتها المستقبلية.

 

الإجلاء من مستوطنات غزة والقطاع وبعض الضفة. هو "انتصار" لمصلحة إرادة التحرير، في حلبة صراع الإرادات.

 

والإجلاء من مستوطنات غزة والقطاع، وبعض الضفة. هو عملية مفاضلة في كشف حسابات المصالح.

 

ويبقى الصراع مستمراً. والتدقيق في كشف المصالح أكثر إلحاحا. وبخاصة أن الغموض، هو السيد، بما يتعلّق بمستقبل غزة والقطاع. هل ستكون غزة، نواة دولة، أم ستكون غزة "ملهاة" من صنع جورج بوش رايس، وبتوقيع شارون؟

 

وحده، استمرار صراع الإرادات. والتمسّك بإرادة التحرير يحسم الجواب. ليس فقط في الأيام والشهور التي ستكشف الغموض. بل على مدى استثمار ما تحقق، والمراكمة. ودائماً، اعتماداً على التبصّر. بأن التماسك داخل الساحة الفلسطينية، هو ما يمدّ "إرادة التحرير" ليس بالعزم وحده. بل بطول النفس، والقدرة على الإنهاك. والضغط الدائم للعودة لكشف المصالح.

 

وليس عن عبث، يجري التركيز، الآن، على أن الخطوة التالية، هي في "تفكيك" المنظمات الفلسطينية.