منظمة التحرير بين الإحياء والإقصاء
بقلم :د يوسف
موسى رزقة
يعدّ إحياء (منظمة
التحرير الفلسطينية) وإصلاحها أحد العناوين المهمة فيها يعرف فلسطينياً (بترتيب
البيت الفلسطيني)، ويبدو أن الانسحاب الإسرائيلي القسري
من غزة، قد وضع منظمة التحرير على مفترق طرق، يتجه بعضها نحو الإصلاح والإحياء،
ويتجه الآخر نحو التسويف والتهميش.
لقد وقعت قيادة منظمة التحرير اتفاقية أوسلو،
فنتج عن ذلك تحولات كبيرة في السياسة الفلسطينية، وفي النظام السياسي الفلسطيني،
ولعل من أهم هذه التحولات قيام (السلطة)، وتعزيز دورها على حساب دور منظمة التحرير
التقليدي، ويبدو أن هذا قد أراح أطرافاً، وأقلق آخرين.
إن منظمة التحرير هي
الهيئة الفلسطينية (الأعلى، والأشمل) في النظام السياسي
الفلسطيني المعترف به عربياً ودولياً، ويأتي (العلو) من
كونها (مرجعية السلطة) السياسية والإدارية، بشكل عام، وفي قضايا الحل النهائي بشكل
خاص. ويأتي الشمول من كونها ( مرجعية تمثيلية) للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج.
بعد تراجع دور السلطة
في انتفاضة الأقصى، ثم بعد رحيل الرئيس عرفات تكاثرت الأحاديث التي تنادي بإحياء
منظمة التحرير وتوسيعها وإصلاحها، ويبدو أن اتفاق القاهرة عزز هذه الأحاديث،
والمتوقع أن يدفع اتفاق القاهرة والانسحاب من غزة باتجاه الاختبار العملي لهذه
الأحاديث التي ملأت فضاء الإعلام الفلسطيني، وخلقت حالة من التفاؤل في الأوساط
الفلسطينية.
ليس غريباً وفق
تركيبة النظام السياسي الفلسطيني أن يلجأ الفلسطينيون إلى المنظمة كلما حزبهم حازب، فحين اشتكوا من فساد السلطة طالبوا بتدخل المنظمة، وحين
جددوا رئاسة السلطة عادوا إلى المنظمة، وحين توافقوا على التهدئة في القاهرة
ربطوها بإصلاح المنظمة، وحين طالبت حماس بمرجعية وطنية لإدارة الانتفاضة والانسحاب
قالوا هذه هي منظمة التحرير البيت الفلسطيني فمرحبا بكم فيها.
لقد قبلت حماس
المشاركة في أطر منظمة التحرير بحسب تفاهمات القاهرة، وأخذ الفرقاء
يتحدثون في تفاصيل المشاركة وآلياتها والتحفظات الصاحبة، والتفاصيل في السياسة
الفلسطينية تمثلّ ـ عادة وكما تذكر لجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية ـ
رصاصة الرحمة التي تمزق العناوين الكبيرة، وتحرمنا من التقدم.
إن إحياء منظمة
التحرير وإصلاحها بحسب تفاهمات القاهرة تعد من القضايا الوطنية ذات الحجم الكبير،
غير أن النظرية في هذا الموضوع شيء، والتطبيق شيء آخر، في الوقت الذي ينفد فيه
الزمن الفلسطيني، ويتجدد العداون بأشكال مختلفة باتجاه
شطب منظمة التحرير، والشعب الفلسطيني خارج الأراضي المحتلة؛ وفك الارتباط أحادي
الجانب هو أحد مظاهر العدوان الجديدة.
إن الخطاب السياسي
الفلسطيني يقدم لنا موقفين، بينهما قدر من التباين، الأول يطالب بتسريع وتيرة
الإصلاح والتوسيع والإحياء، ويستشعر أصحابه الخطر الذي يهدد كينونة المنظمة
ووجودها، والآخر يماطل ويسوّف ولا يرى له مصلحة في إشراك الحركات الإسلامية،
ومنحها جزءاً من شرعية منظمة التحرير الإقليمية والدولية.
إنه بغض النظر عن
الموقفين وما بينهما من تباين، أقول إن القضايا القومية هي فوق المصالح الذاتية
والآنية، والأجدر بنا جميعاً أن نحسن قراءة فك الارتباط وتوجهات (سلفان شالوم) نحو مجلس الأمن
لاستصدار قرار يقرّ بانتهاء احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية في غزة، ويمهد
لإعلان قيام دولة فلسطينية في غزة تكون بداية النهاية لمنظمة التحرير.
نعم، إن إقامة الدولة
هو أحد المطالب الفلسطينية، لكن دون التفريط بالقدس وأجزاء من الضفة، أو الإجحاف
بدور منظمة التحرير وإحداث فراغ سياسي، ولعل هذا ما دفع رئيس الوزراء أحمد قريع إلى القول: (أنا لا أنصح بالإعلان عن قيام الدولة
الفلسطينية الآن)؟!
يعني إثر الانسحاب من
غزة، ولعل في هذا السياق يأتي تصريح (فاروق القدومي) الداعي
إلى تعزيز منظمة التحرير في إدارة المناطق التي يجلو عنها الاحتلال.
لقد استجابت الحركة
الإسلامية لدعوة المشاركة في هيئات منظمة التحرير انطلاقاً من قراءة عميقة للرؤية
الصهيونية (الهجومية)، والتحولات الداخلية والإقليمية والدولية، ومن ثمّ قررت قطع
الطريق على الراغبين بإحداث فراغ مدمر في الساحة الفلسطينية على شاكلة حالة الفراغ
السياسي الذي أحدثه (بريمر) في العراق.
إن الإحساس بالخطر
ينبغي أن يزيد الصف لحمة، وأن يرفع درجة الإحساس بالمسئولية القومية، وأن يسرع
عملية الإصلاح والإحياء، وعلى الأحزاب والفصائل أن تتنازل عن بعض من مصالحها
الذاتية في مواجهة الأخطار الكبيرة التي تهدد المستقبل الفلسطيني، وتجزئ القضية،
وتزيد الفرقة.
إن مشاركة الحركات
الإسلامية في هيئات منظمة التحرير يزيدها ـ ولا شك ـ قوة وتأثيراً ومن ثمّ رحب
الشعب الفلسطيني بفطرته بهذا التوجه الجديد، وإن الاستجابة للضغوط الخارجي أو
المصالح الذاتية لاستبقاء التفرد والهيمنة يضعف منظمة التحرير ويغري الباحثين عن
البديل على الاستمرار في جهودهم لإحداث الفراغ السياسي المدمر في الأوقات الحرجة
التي تناسب الاحتلال ولا تناسبنا.
إن الدعوة إلى (إحياء
المنظمة وإصلاحها) انتقلت من مستوى (المطالبة) الحزبية والشعبية، إلى مستوى (الاتفاق)
في القاهرة، وقد طالت فترة الانتظار التي ترقب مرحلة (التنفيذ)، وكأن تعقيدات
القضية الفلسطينية فرضت علينا أن نبقى أسرى التردد الدائم، والتسويف المتجدد،
والهروب من مواجهة مشاكلنا وجهاً لوجه، مع أن قواعد النجاح تدعو إلى مواجهة (الذات
والقضية والآخر) بحكمة ومرونة وحزم معاً.
إن منظمة التحرير تقف
اليوم على مفترق طرق، إما (الإحياء)، وإما (الإقصاء) وفي الإقصاء أخطار عديدة تشمل
الشعب الفلسطيني في داخل الأراضي المحتلة وخارجها، وأحسب أن محاولات الإقصاء
والإلغاء جادة وقوية، وأن التحولات الجارية في المنطقة تدفع باتجاه هذا الهدف،
الذي يمثل جزءاً من الرؤية الصهيونية التي تريد أن تتعامل مع فلسطيني الداخل
بوصفهم أقلية قومية تسكن على الأرض الإسرائيلية المحررة؟!، لذا
من البديهي أن يتعجل الفلسطينيون مواجهة هذا التحدي وهم صف واحد، لأن التسويف
والهروب لا يحل المشكلة.