الخروج من
غزة.. قراءة في الدلالات - (2-2)
بقلم
:د. أحمد نوفل
2- دراما الموسم.. هذا الخروج
شغل العالم كله بالخروج الاسرائيلي من غزة.. ثلاثة آلاف صحفي يغطون خروج ثمانية آلاف
مغتصب للارض، مستوطن في وطن الغير، سارق محتل مجرم.. هذا
هو وضعهم الحقيقي بمعدل صحفي لكل مستوطنين، ما حدث هذا في التاريخ وأظنه لن يحدث.
والكاميرا تنقل في بث حي ومباشر اخلاء المستوطنات، وكل مستوطن يحمله عشرة جنود في مسرحية
متقنة. خمسون الف جندي يخلون ثلاثة آلاف معتصم بـ«كنيس» او بتجمع سكني، بمعدل عشرين جندياً لكل مستوطن.. وبعض الجنود
يلقي سلاحه ويعتصم مع المعتصمين، والكاميرا تركز
على عيني جندي وقد طفرت منهما دمعتان، فقام الجندي يمسح دموعه، «دموع
التماسيح»، ونسي العالم المغسول المخ الفاقد الذاكرة، نسي الناس ان هذه ارض
شعب آخر، انحشر منهم مليون ونصف في 60% من اراضي غزة،
وثمانية آلاف مستوطن في 40% من اراضي غزة، يشرب هؤلاء 90% من مياه غزة والمليون ونصف
لهم الباقي.
نسي العالم التدمير
المنهجي والمنظم للقطاع، من تلويث للمياه الجوفية فقد ضخ المستوطنون المغتصبون
المجرمون (30) الف مترمكعب
من مياه المجاري في مياه الآبار
الجوفية،وسرقوا التراب الغزي قبل ان
يرحلوا، فقد شحنوا عشرات آلاف الامتار المكعبة من
التربة الغزية
الزراعية الخصبة في آلاف الشاحنات ليستخدموها في مزارعهم في باقي المغتصبات
من ارض فلسطين.
نسي العالم كل هذا، ونسي
آلاف الشهداء الذين اغتالهم رصاص الاحتلال، ونسي ان اهل غزة حرموا بحر غزة طيلة قرابة اربعة
عقود من الزمن، ليصبح البحر للغزاة
المحتلين.. بدل ان يكون لاهل
غزة ولكن الصمود الاسطوري البطل اعاد
بحر غزة لاهل غزة واندحر الغزاة من غزة.
والاعلام العربي ليس مغفلاً الى هذا الحد حتى يسهم في الزفة دون حساب انه جزء من الترويج
للدعاية الصهيونية، وكل ذلك بدعوى نقل الاخبار ساخنة مباشرة.
نسي العالم والاعلام العالمي والعربي من ان
غزة حوّلها الغزاة الى سجن لاهلها
محشورون في معسكر او معتقل كبير ليستمتع حفنة
المستوطنين بالأمن وحرية التنقل والنهب
المنظم لثرواتها، والخنق المنظم لاهلها.
لم يكن الخروج من غزة
مفاجأة اخذتنا على غرة. كنا نعلم بموعد الانسحاب من
غزة، فلماذا لم نحضّر المادة الاعلامية المخططة
والمبرمجة والمدروسة؟ لماذا انتظرنا حتى
دهمنا الحدث، فقمنا نعزف لحن الخروج مع العازفين، ونروج للصهاينة مع المروجين،
ونشارك في الزفة مع
المشاركين؟
لماذا لم تظهر في يوم
الانسحاب مآسي الشعب الفلسطيني بعامة، واهل غزة بخاصة
على يد هؤلاء المغتصبين المستوطنين؟ لماذا لم تخرج علينا احصائيات بكم نهبوا
من المياه؟ وكم نهبوا من الارض؟وكم قتلوا من اهالي غزة الآمنين؟ وكيف تنغصت
حياتهم بطائرات الاستطلاع التي لا تفارق
سماء غزة وتعكر أمن مليون ونصف من اجل راحة ثمانية آلاف متعصب أعمى؟
كم من البيوت نسفوا
وهدموا؟ كم من الشخصيات القيادية اغتالوا وقتلوا؟ انه التقصير. امام مثل هذا الحدث الكبير. التقصير عنوان مرحلة، بل سمة واقع عربي نكد ممتد من المحيط الى الخليج والتقصير هو الوجه الآخر للتخلف.