أمريكا وتقسيم العراق

 

 

 

بقلم : عاطف الجولاني

 

دوما سعت القوى الاستعمارية إلى تغذية النزعات الانفصالية، وإلى تقسيم الشعوب التي تحتلها إلى طوائف متناحرة، تمهيدا لتمزيق البلد الواحد  إلى كانتونات وكيانات ضعيفة تسهل السيطرة عليها وتضمن استمرار الهيمنة على قرارها السياسي وعلى مقدراتها وثرواتها حتى بعد خروج  القوات المحتلة شكليا.

 

والولايات المتحدة الأمريكية، كقوة استعمارية، تؤمن إيمانا مطلقا بسياسة «فرق تسد»، وليس ثمة وازع أخلاقي يردعها عن تقسيم العراق  إلى ثلاثة كيانات هزيلة، على أسس طائفية وعرقية وجغرافية. الأمر الوحيد الذي يمكن أن يردعها عن ذلك هو قناعتها بأن مثل هذا الأمر  لن يخدم مصالحها، بل قد يلحق بها الضرر.

 

لذلك يغدو منطقياً مخاطبة الولايات المتحدة بلغة المصالح، التي لا تؤمن إدارة بوش والإدارات التي سبقتها إلا بها، وإن كانت الإدارة الحالية  أضافت إلى المصالح السياسية والاقتصادية، المصالح الدينية وفق تصورات التيار اليميني المحافظ أو المتصهين.

 

بلغة المصالح نقول: إن تقسيم العراق لن يكون في صالح الولايات المتحدة، بل قد يلحق بها ضررا كبيرا.

 

فقيام دويلة عِرقية في الشمال سيثير، دون شك، حفيظة الدول المجاورة خوفا من تحرك المشاعر القومية لأكراد تلك الدول ومن التعبير عن تلك  المشاعر بطريقة تؤدي إلى خلخلة حالة الاستقرار في الإقليم. ولا شك أن تلك الدول، بخاصة تركيا، لن تكون راضية عن مثل هذا الوضع،  وقد لا تقف مكتوفة الأيدي إزاء محاولات فرضه كأمر واقع.

 

وقيام كيان أو دويلة طائفية في الجنوب، من شأنه هو الآخر أن يثير مشاكل ومخاوف مشابهة، وأن يثير حساسيات الكثير من دول الجوار  العربية الخليجية، التي لن تكون مرتاحة على الإطلاق لمثل هذا الأمر.

 

قيام هذين الكيانين في الشمال والجنوب، من شأنه أن يترك في الوسط كيانا فقيرا محروما من الخيرات والمصادر النفطية، وهو ما قد يحوّل  كثيرا من سكانه إلى أفراد غاضبين وناقمين على أمريكا التي سيحمّلونها كامل المسؤولية عما يصيبهم، وهذا بدوره سيفتح المجال لكل القوى  والحركات المعادية لأمريكا لأن تجد لها أرضية خصبة في ذاك الكيان الناقم المحروم. وإذا ما أخذ بالحسبان مشاعر الخوف لدى دول  الجوار المتضررة شمالا وجنوبا، فإن القوى والحركات المعادية لأمريكا قد تجد لها سندا كذلك من بعض تلك الدول الخائفة والغاضبة.

 

صحيح أن العراق سيكون المتضرر الأول من مؤامرة التقسيم والتمزيق، لكن أمريكا ومصالحها لن تكون بمنأى عن الخطر. وإذا كانت تعاني  الأمرّين هذه الأيام بفعل حماقتها في احتلال العراق، فإنها ربما ترتكب حماقة أكبر إن هي دفعت باتجاه تمزيقه إلى كانتونات ودويلات  صغيرة.

 

وليس غريبا أن تحذر أوساط أمريكية إدارة بوش من أنها ستقدّم العراق على طبق من ذهب للدول والقوى المعادية في حال قامت بتقسيمه.