أمريكا الضعيفة.. اللهم لا شماتة..

 

 

 

بقلم : حسن السرات

lakhlafa@maktoob.com

 

اكتشفت الولايات المتحدة عدة حقائق قاهرة باهرة وهي تجمع قتلاها وجرحاها وتنقذ منكوبيها وتحسب خسائرها الفظيعة، ليس بسبب عمل "إرهابي" تعرضت له قبيل ذكرى 11 سبتمبر 2001، ولا بسبب حربها المفتوحة البعيدة عن حدودها في أفغانستان والعراق، ولا بسبب انفجار طائراتها فوق سمائها، أو بوارجها فوق بحارها أو قنابلها فوق ترابها، ولكن "الإرهاب" جاء هذه المرة من الطبيعة بمائها وسمائها، وبحرها ونهرها، وريحها العاصف الناسف، فالطبيعة إذن "إرهابية". ولكن هل تستحق الحرب أم الحب؟

"غضبت" الطبيعة على الولايات المتحدة الأمريكية يوم التاسع والعشرين ويوم الثلاثين من شهر غشت 2005، وأرسلت على مدن نيوأورليانز ولويزيانا وميسيسيبي والمدن الصغرى المجاورة للمحيط الأطلنطي ريحا عقيما وموجا عاتيا ومطرا طوفانيا في يومين متتابعين. ومع أن الأمريكيين توقعوا إعصار كاترينا القادم وأعدوا له العدة بفضل تقنيات علمية متقدمة ما سبقهم إليها أحد من العالمين، إلا أن كل توقعاتهم وكل إعداداتهم لم تكن سوى ظنون وأوهام، واكتشفوا بعد يومين من انجلاء الإعصار و"سكوت الغضب عن الطبيعة" عدة أمور منها:

-إن الأمر ليس أمر الطبيعة، ولكن الأمر أمر الله الذي له ما سكن في الليل والنهار وما تحرك في البحار والأنهار، وما يصعد إلى السماء وما يعرج فيها، وما ينزل إلى الأرض وما يسلك فيها. ولم يجد الأمريكيون حكاما ومحكومين بدا من الالتجاء إلى الله والتضرع إليه، حتى دعا حاكم ولاية نيوأورليانز مواطنيه إلى الصلاة والدعاء "لأن ذلك أحسن شيء لتهدئة النفوس وشكر الرب على النجاة".  

-إن أمريكا، على قوتها ضعيفة جدا ، مثلها مثل سائر الدول، وعلى علمها وتقنيتها، جاهلة جدا مثلها مثل باقي سكان المعمور، وأنها على تقدمها، متخلفة جدا، مثلها مثل بلدان العالم الثالث، وعلى غناها محتاجة إلى المساعدة، وأن فوق كل ذي علم عليم وفوق كل ذي سلطان سلطان. قالت سلمى إنجلش – إحدى الأمريكيات التي كانت تسكن في قلب مدينة أورليانز- للصحافة الكندية، وهي تنظر بكل أسف وأسى إلى مدينتها الغارقة في المياه: "المشاهد التي أرى رهيبة كأنها أخذت من فيلم... كانت مدينتي السياحية جميلة بمأكولاتها وحيها الفرنسي ومهرجاناتها. ما أراه رهيب جدا. هذه ليست مدينتي، كأنها العراق أو بلد من بلدان العالم الثالث..." وقال الأخرى، ماري إيف (مدرسة للرياضيات): "هذا مشهد سوريالي، ننظر إلى هذا ونقول إننا لسنا شيئا على هذه الأرض، وإننا في الحقيقة ضعاف..." (صحيفة لودوفوار الكندية. أوتاوا. عدد يوم الخميس فاتح شتنبر 2005. مقال أليك كاستونغي)

- إن أمريكا على غناها فقيرة جدا، وإن الفقر فيها يتحول في ساعات الشدة إلى فوضى وكفر وحرب أهلية، إذ خرج في وسط المصيبة من ينهب ويسرق نهارا جهارا، بل حمل اللصوص الناهبون السلاح بعد أن سرقوه من متاجره ومصانعه بالمنطقة وهجموا على المحلات والمنازل وأخذوا يطلقون النار على كل متحرك. وهنا تذكر المواطنون الأمريكيون ما جرى في العراق يوم سقوط طاغيته ودخول الأمريكيين إلى بغداد، وصور النهب  والسرقات التي نقلها الإعلام الأمريكي نفسه للعالم كله. لصوص أمريكا في المناطق المنكوبة كان أغلبهم من السود الفقراء، وهذا جانب مخفي من حقيقة أمريكا وجرح مندمل لكنه يطفو اليوم مع الجثث التي تطفو على سطح المياه والتي تجاوزت عشرة آلاف قتيل، وهي مرشحة للمزيد.

- وفي غمرة هذه السكرات التي أصابت القوة العظمى الأولى في العالم، قام الجدل والنقاش حول كثير من القضايا بين الأمريكيين أنفسهم، وعلى رأسها السياسة الخارجية لبلادهم وانعاكاساتها على حياتهم اليومية، مكتشفين أنه لم يعد هناك من فرق بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية، وتصاعد اللوم والمحاسبة والنقد الشديد، وتذكر الأمريكيون أيضا أن تقريرا علميا، صادره البنتاغون، سبق أن وجه تحذيرا للبيت الأبيض سنة 2004 بخصوص الكوارث الطبيعية المحتملة التي قد تغرق مدنا وبلدانا بأكملها نتيجة الإفساد البشري عامة والأمريكي خاصة في مجال البيئة، ومما قاله التقرير للرئيس الأمريكي الحالي إن الكوارث الطبيعية القادمة بسرعة وتتابع سوف تدمرنا وإنها أخطر بكثير من خطر الإرهاب، ولكن سياسة الأطماع تعمي (نشر التقرير أول الأمر في الصحافة البريطانية خاصة الأوبسرفر اللندنية ثم في الصحافة الأمريكية خاصة سان فرانسيسكو كرونيكل). واليوم قال الموقع العلمي المتخصص في الطبيعة والكوكب الأرضي "بلانيت-أنفو" إن لتغير المناخ يدا فيما حل بالولايات المتحدة الأمريكية، خاصة ارتفاع درجة الحرارة وذوبان الجليد في الشمال، ولذلك ارتفعت درجة حرارة المحيط الأطلسي إلى 1 و2س أكثر من المعتاد، وهذا ما يعجل من التكون المبكر للأعاصير، وفي العادة تظهر الأعاصير بين شهري أغسطس و سبتمبر، لكنها اليوم بدأت تظهر في شهر يوليو، وحسب خبراء المناخ، والقول للموقع المذكور، فإن من سبعة إلى ثمانية أعاصير يمكن أن تضرب إلى غاية فصل الخريف، كلا من الكاراييب والجنوب الشرقي للولايات المتحدة... اللهم لا شماتة..

في كاترينا، شعر الأمريكيون من رئيسهم إلى أطفالهم، أن أحداثا تاريخية تفرض نفسها على كل سكان الكوكب المعمور،  وأن الإنسان مقهور، والبحر مسجور، وسقف الأوزون منخور، وأن الكارثة كبيرة جدا، مثلها مثل كارثة تسونامي التي لم يمض عليها عام كامل، بل إن خسائرها المادية والمالية أكثر من خسائر المد البحري الشهير. قالت ديانا فاسار (تلميذة ذات 16 عاما) بثانوية بنيوجرسي وهي تروي قصة الهروب الطويل من الأهوال رفقة أبويها على مدى ثماني ساعات متتالية نحو هوستن بالتيكساس: "هذه تجربة لن أنساها ما حييت. لقد ذقت خوف حياتي، ولكني عشت حدثا تاريخيا. وأظن أني سأحكي هذه الواقعة طول حياتي"، (صحيفة لوموند. إيريك ليزر.3/9/2005)

ومع كل هذا يمضي بعضنا في عتو ونفور: ترى، كم عدد الآيات والنذر التي يحتاجها الإنسان في هذا الزمان ليرجع ويبصر، ويتواضع وينقهر؟ ومتى يتخلى المنكرون منا عن "ألوهيتهم" الكاذبة الخاطئة وعن برامجهم الإفسادية السيئة؟

 قال الله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق. أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد. ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم. ألا إنه بكل شيء محيط) فصلت 53-54

اللهم لا شماتة... اللهم لا شماتة...