هل انتهى مولد الديمقراطية بلا حمص فى مصر ( 2من 2  )

الأخوان المسلمون .. و مواقف النص نص

 

 

 

بقلم :د.طارق عبد اللطيف

tarek_abd_ellatif@yahoo.com

 

الأخوان المسلمون .. جماعة عريقة تمثل فى وجدان الشعب المصرى و الأمة العربية و الإسلامية  قيمة كبرى بما تحمله من أمانة الدعوة إلى تعاليم الإسلام الفاضلة و مبادئه السامية  و التى تحمل كل الخير للبشرية جمعاء و ذلك منذ نشأتها عام 1928 فى حقبة شهد العالم الإسلامي  فيها هجمة شرسة عليه فى ظل استضعاف أنظمته السياسية الحاكمة متمثلة فى الدولة العثمانية ( حاضرة الخلافة الإسلامية ) منذ أواخر القرن التاسع عشر و حتى الآن . فكانت حركة الأخوان دوماً ملاذا لكل من أراد استعادة النهضة من جديد فى ظل التمسك بالهوية و كانت معقد الأمل فى الوثوب من الكبوة الراهنة . 

 

و لا تحمل الجماعة هذا العبء بما تبشر به من مبادئ فقط و لكن بما أنتظم تحت رايتها من أفراد رجالاً و نساء ، شيوخاً و شباب امتازوا بالإيمان المجرد من كل هوى بمبادئها و ما أنعكس من صدى هذا الإيمان على  حركة و عمل لهذا الحشد من الطاقات الفعالة من أجل  الفكرة و نشرها و التمكين لها .

 

ومن هنا .. كان النصح لحركة بهذه المنزلة فريضة شرعية  و ضرورة وطنية و خاصة فى شأن موقفها من انتخابات الرئاسة المزمع عقدها فى السابع من سبتمبر الحالى و هو الحدث الطاغى على الساحة السياسية فى الوقت الراهن بما سيشكله من تحديد مسار لمصر فى سنواتها القادمة..   فإما ركود و تقهقر أو تقدم و نهوض نحو التغيير للأفضل .

 

لا شك أن الجميع فى الداخل و الخارج كان فى انتظار لإعلان الجماعة لموقفها و قد أحسنت صنعاً إذ لم تستدرج إلى فخ المقاطعة السلبى للانتخابات و الذى كان غير مجدى فى ظل العزوف الشعبى  المعروف أصلاً عن التصويت و الانتخاب ،  ناهيك عن امتلاك نظام الحكم الحالى ـ بشكل مباشر و غير مباشر ـ  للكم الأغلب من وسائل الإعلام  التى تستطيع أن تجعل فرادى المصوتين آلاف بحشد الكومبارس و البلطجية و المقهورين من  موظفى الدولة أمام الكاميرات و عدسات المصورين .  بالإضافة إلى إيماني التام بأن المقاطعة عمل مدمر لعملية التعبئة الجماهيرية المتراكمة و التى تؤكد على  أهمية الصوت الانتخابي كأداة للتغيير و أنه أمانة و شهادة حق . لذلك فهى ردة عن المفاهيم الإيجابية التى تغرس فى الجماهير يحصد أثرها سلباً فى الاستحقاقات الانتخابية اللاحقة من مجلس شعب أو محليات.

 

أفهم أن  البيان الصادر بشأن الموقف من الانتخابات قد  حمل صيغ فضفاضة تقول الحقيقة على استحياء مثل ( عدم ترشيح ظالم أو فاسد أو مستبد ) و كلها تسميات تنطبق على من مارس حكم فعلى و بالتالى يفهم ضمناً بأنه عدم ترشيح للرئيس مبارك و هو ما يؤيده تصريحات سابقة و متتالية صادرة عن الأستاذ / عاكف المرشد العام للجماعة بعدم رضاء  الجماعة عن فترات حكم الرئيس مبارك وتقييمها  الإجمالي السلبى لحصاد ال 24 عاماً من سنوات ولايته للرئاسة فى كافة المجالات ،  الأمر الذى يعنى عدم توقع الرئيس لأى صوت من هذه الجماعة و بما يحمله من توقعات استمرار حالة التدافع السياسى و الضغط الأمنى    .

 

و لأن الأخوان المسلمين  فى المجموع من أصحاب النيات الحسنة الذين يطربون لأى موقف إيجابى يصدر من منافسيهم و خصومهم السياسيين   فقد أدمن النظام السياسى اللعب معهم  بحيله السياسية فى التسخين و التبريد للمواقف  لتضليلهم عن التقييم و الموقف الصحيح  و لأعطاء صورة على غير الحقيقة ومن ذلك ما يجرى الآن :

 

§   الإفراج عن د. محمود عزت  سكرتير عام الجماعة  و آخرين فى ذات الوقت الذى يستمر فيه احتجاز باقى الرهائن من أعضاء الجماعة وعلى رأسهم د. عصام العريان و قرابة المائة و العشرين من أعضاء الجماعة على ذمة تظاهرات الدعوة للإصلاح السياسى .

 

§   نشر حديث صحفى مطول و رزين و غير محرف  مع الأستاذ / محمد مهدى عاكف المرشد العام للجماعة بجريدة الأخبار يوم الأحد 28/8  يخلوا من النعوت المشهورة من الجماعة المحظورة و المنحلة و خلافه  و بما يوحى بأن فصل جديد من التوافق و السمن و العسل بين الجماعة و نظام الحكم قد بدأ.

 

 و كل هذه التحركات رسائل تضليلية للصف الأخوانى و رموز و قوى المعارضة المصرية الأخرى بأن هناك صفقة ـ  و هو الأمر الذى ينفيه المنطق فى ظل رؤية النظام الحالى للأخوان كبديل منافس له أقرب للحكم ـ  بغرض تخذيل حركة أفراد الجماعة فى هذا التوقيت عن التحرك الإيجابي لنصرة مرشح أخر للرئاسة غير الرئيس مبارك تحت خدر التحسن النسبى فى العلاقة ، و كذلك  لفض رموز و قوى المعارضة الوطنية من حول موقف الأخوان المشارك فى الإنتخابات الذى قلب موازين معركة انتخابات الرئاسة خاصة إذا   أستكمل خطاه بخطوة تالية بالانحياز لمرشح محدد . بل تدفع ألاعيب النظام هذه بالبعض من المتحمسين لمنطق المقاطعة كأمثال قيادات حركة كفاية   لافتعال  معارك جانبية مع الأخوان  و الترويج لأكذوبة  الصفقة و اتهامهم بالبحث عن المصلحة الذاتية للأخوان دون المصلحة الوطنية  و غيرها من تهم التخوين السياسى  شاغلين الأخوان بالدفاع عن موقفهم و منشغلين هم عن تبنى السيناريو البديل فى ظل مستجد المشاركة خاصة و الوقت قصير تقاس فيه المكاسب القادمة للفائز بمن يستثمر   كل ساعة متاحة حتى يوم السابع من سبتمبر .

 

أعود إلى موقف النص نص  أو  المشاركة غير الموجهة .. و التى أرى أنه من الواجب أن ينحازالأخوان فيه بإيجابية  لمرشح محدد الأن أو فى أقرب وقت و ذلك للأسباب التالية :

 

§   من البديهى  لمن أحترف الانتخابات ـ و هم فى صفوف الأخوان كثير ـ  أن التصويت غير الموجه  أو كما يسمى(  حرق الأصوات ) هو هدر لمئات الآلاف من أصوات الأخوان المسلمين و التى ستتوزع على المرشحين الإحدى عشر ( على اعتبار إبطال الصوت مرشح إضافي ) ينتج عنه فوز المرشح الأخر الذى تقف خلفه كتلة تصويتية كبيرة وهم شبكة أصحاب المصالح و المنتفعين و سماسرة الانتخابات ممن نرى أسمائهم على لافتات المبايعة بكل شارع و زقاق فى مصر و يعرف الشعب حقيقتهم ، فهم يرون فى استمرار الحكم القائم تأمين لمكاسبهم الذاتية و أمتيازاتهم الشخصية القائمة.

 

§   ومن المؤكد أن الاكتفاء فقط بالتصويت الشخصى  ـ فى ظل السلبية الشعبية و العزوف عن التصويت و ترويج أكذوبة حتمية نجاح الرئيس مبارك تحت دعوى المصلحة الوطنية العليا  أو لعدم وجود منافس مناسب من المرشحين أو لأنه   (  ما فيش فايدة ) لحتمية التزوير ـ   لن يحقق بأية حال إضافة تذكر فى أعداد المصوتين أكثر من نصف مليون صوت هم على أقصى تقدير شخصى هم  أفراد الأخوان الذين يمكن أن يتحركوا بناءاً على موقف الجماعة وهو لا يمثل أكثر من 5 % من إجمالى المقيدين و هذا لن يحقق ما نادى به بيان الأخوان من دعوة  الشعب المصرى للايجابية و المشاركة فى الانتخابات ما لم تكن هنالك حملات جماعية منظمة لحشد الجماهير للتصويت و لصالح مرشح تراه محفز  يدعوها للمشاركة  .

 

§   ومن المعلوم أن التأثير الأكبر لقوة الأخوان فى أى انتخابات  هو بالتحرك الميدانى تجاه حشد الرأى العام المحلى و المصوتين بالقرى و المراكز و المدن و الأحياء خلف   مرشح محدد و هو الأمر الذى يرى أثره بوضوح فى أنتخابات مجلس الشعب فكم من الأعضاء من غير الأخوان الذين فازوا لمجرد أن أفراد الحركة قد تحركوا بشكل إيجابي لتأييدهم و تشهد بذلك تجربة الأستاذ منير فخرى عبد النور ـ زعيم كتلة الوفد البرلمانية ـ  فى دائرة الوايلى بانتخابات مجلس شعب عام 2000 ..

 

§   بل و أكثر من التحرك الإيجابي لصالح مرشح هو  ما يمكن أن تقدمه الحركة  من دعم بشرى للمرشح  فى صورة مندوبين داخل و خارج اللجان الانتخابية  من أفراد أجادوا العمل الانتخابي و أتقنوا كشف ألاعيبه لطول خبرة و تجربة و هو الأمر الذى يؤمن العملية الانتخابية ـ خاصة إذا أضيف إلى  الأشراف القضائى على الانتخابات و لجانها و الاهتمام الإعلامي الداخلى و العربى و العالمى و كذلك الرقابة الدولية على الانتخابات و التى يبدو فى حكم المؤكد قبول النظام بوجودها  ـ ويحتاجه أى مرشح من المرشحين التسع و لندرته يكتفون  بخوض معارك إعلامية أكثر منها معارك  انتخابية حقيقية .

 

فلينتقل الأخوان إلى خطوتهم التالية و الفاعلة  بتأييد علنى كامل لمرشح وحيد كموقف للتاريخ ، تفعيلاً للمشاركة الشعبية و إضفاءاً  للجدية على أول  انتخابات رئاسية تشهدها مصر .

خلاصة القول :

 

 إذا غامرت فى شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم .. فطعم الموت فى أمر حقير كطعم الموت فى أمرعظيم