إرهاب أم مقاومة؟

 

 

 

 بقلم : د. عبد الوهاب المسيري

 

نجحت الولايات المتحدة في أن تفرض رؤيتها على العالم بحيث أصبح الكثيرون (بما في ذلك بعض أعضاء النخب السياسية والثقافية العربية) يتصورون أن المقاومة الفلسطينية هي شكل من أشكال الإرهاب، مع أن القانون الدولي والأعراف الإنسانية أكدت حق الشعوب المحتلة (بل وواجبها) في مقاومة المحتلين· ومن واجب الإعلام العربي ألا يكف عن تذكير العالم بهذه الحقيقة، وأن الدولة الصهيونية دولة محتلة. ويمكن أن نستخدم بعض الكتابات الإسرائيلية والصهيونية لتأييد وجهة نظرنا وتوثيقها.

 

وقد نشرت جريدة يديعوت أحرونوت (في عددها الصادر 20 أكتوبر 2005) مقالا بقلم الكاتب الإسرائيلي اليساري يهودا ليطاني أشار فيه إلى محاضرة ألقاها إسحاق إبشتاين، أحد كبار المسؤولين عن الاستيطان الصهيوني في فلسطين، عام 1905 (أي منذ مئة عام) أمام المؤتمر الصهيوني السابع في بازل بسويسرا.· ثم نُشرت المحاضرة في مجلة ''هاشيلواح'' بعد عامين تحت عنوان ''سؤال غائب'' (وهي نفس العبارة التي اختارها ليطاني عنوانا لمقاله)· بين إبشتاين أن رؤية المستوطنين الصهاينة للواقع في فلسطين تتسم بالسطحية، إذ أنهم يدعون أن فلسطين غير مفلوحة بسبب ''نقص الأيدي العاملة أو كسل السكان'' مع أنه لا توجد حقول مقفرة، بل على العكس، يحاول كل فلاح فلسطيني أن يضيف إلى أرضه من الأرض البور المجاورة لها· وإذا كان المستوطنون الصهاينة قد نجحوا في شراء بعض الأراضي من بعض الملاك الغائبين، فإن هذا قد يعطيهم ''الحق'' من الناحية القانونية السطحية الشكلية، ولكن المسألة أكثر تعقيدا، ولها أبعاد أخلاقية وإنسانية· فالصهاينة حينما يشترون قطعة أرض فإنهم يقومون بطرد سكانها وحرمانهم من ممتلكاتهم الضئيلة، وسلب لقمة عيشهم· ثم رسم إبشتاين صورة متعينة لإحدى عمليات الطرد: ''لا يزال حتى اليوم يرن في أذني نحيب النساء العربيات عندما تركت عائلاتهن الأراضي التي كانوا يزرعونها· فقد ركب الرجال على الحمير ومشت النساء وراءهم باكيات، يملأ السهل نحيبهن· وللحظات وقفوا وقبلوا الحجارة والتراب··· إن شراء (أراضيهم) على هذا الشكل يترك في قلوبهم جرحا لا يندمل· وسيذكرون دائما ذلك اليوم الملعون الذي انتقلت فيه أملاكهم إلى أيدي الغرباء·· لأنه إذا كان هناك فلاحون يروون حقولهم بعرقهم وحليبهم، فهم العرب·· وفي النهاية سيعملون على استرجاع ما سلبته منهم قوة الذهب··''· ثم يحذر إبشتاين المستوطنين الصهاينة ''من هذا الشعب، الذي لم تستنفد المدنية حتى الآن قواه وتضعفه، وهو ليس إلا جزءا صغيراً من الشعب الكبير الذي يسيطر على كل المناطق المجاورة. لا تتحرشوا بأسد نائم! ولا تأمنوا جانب الرماد الذي يغطي الجمر، فقد تنطلق شرارة تسبب حريقا لا يطفأ''، (والتي نسميها نحن الآن المقاومة)· ويلاحظ أن إدراك إبشتاين للموقف كان إدراكا ولاشك شجاعا فهو لم يحاول تهميش العربي أو تغييبه ولم يختبئ وراء أية مقولات ضبابية كاذبة، إذ اعترف بحقيقة القومية العربية والطابع السياسي القومي للنضال الفلسطيني، وبيّن غباء مقولة ''شراء فلسطين''· ولذا فقد رفض المفهوم الصهيوني الذي يرى فلسطين باعتبارها أرضا عقارية معروضة للبيع لمن يدفع أعلى سعر، وأشار إلى أن ما يفعله الصهاينة هو عملية نزع الصبغة القومية عن أرض فلسطين·

 

وحتى بن جوريون ذاته أدرك حقيقة الموقف، ففي عام 1938 كتب يقول: ''ابتداء أحب أن أبدد كل الأوهام التي سادت بين الرفاق أن الإرهاب (العربي) هو مسألة مجموعة من العصابات ممولة من الخارج·· نحن هنا لا نجابه إرهابا وإنما نجابه حربا، وهي حرب قومية أعلنها العرب علينا (أي مقاومة في مصطلحنا)· وما الإرهاب سوى إحدى وسائل الحرب· هذه مقاومة فعالة من جانب الفلسطينيين لما يعتبرونه اغتصابا لوطنهم من قبل اليهود - ولهذا يحاربون· ووراء الإرهابيين توجد حركة قد تكون بدائية ولكنها ليست خالية من المثالية والتضحية بالذات''·

 

''نحن اليوم لا نواجه المئات بل الآلاف ووراءهم كل الشعب العربي· نحن نقلل من أهمية المعارضة العربية في أحاديثنا السياسية في الخارج، ولكن ينبغي علينا ألا نتجاهل الحقيقة فيما بيننا· ويجب ألا نبني الآمال على أن العصابات الإرهابية سينال منها التعب، إذ أنه إذا ما نال أحدهم التعب، سيحل آخرون محله· فالشعب الذي يحارب ضد اغتصاب أرضه لن ينال منه التعب سريعا·· والعرب الفلسطينيون ليسوا بمفردهم، فالسوريون سيمدون لهم يد المساعدة· فمن وجهة نظرنا هم غرباء، ولكن بالنسبة للعرب هم ليسوا أجانب على الإطلاق·· إن مركز الحرب هو فلسطين، ولكن أبعادها أوسع من ذلك بكثير· وحينما نقول إن العرب هم البادئون بالعدوان وندافع عن أنفسنا - فإننا نذكر نصف الحقيقة وحسب، فبالنسبة لأمتنا وحياتنا، نحن نقوم بالدفاع عن أنفسنا، ولكن من الناحية السياسية نحن البادئون بالعدوان وهم المدافعون عن أنفسهم· إن الأرض أرضهم لأنهم قاطنون فيها بينما نحن نريد أن نأتي ونستوطن، ونأخذها منهم، حسب تصورهم''·

 

وقد عبر موشيه شاريت هو الآخر في أحاديثه ويومياته وخطبه عن إدراك الأبعاد الحقيقية للموقف. ففي خطاب له في 9 يوليو 1936 أمام اللجنة السياسية لحزب ''الماباي'' عرّف الثورة العربية بأنها ليست ثورة الأفندية (صغار ملاك الأراضي، وأعضاء الطبقة المتوسطة) الذين يدافعون عن مصالحهم الشخصية إنما هي ثورة الجماهير التي تمليها المصالح القومية الحقة. وأضاف أن الفلسطينيين يشعرون أنهم جزء من الأمة العربية التي تضم دولا عديدة، ففلسطين بالنسبة لهم هي وحدة مستقلة لها وجه عربي، وهذا الوجه آخذ في التغير، فحيفا من وجهة نظرهم كانت بلدة عربية، وها هي ذي قد أضحت يهودية· ورد الفعل لا يمكن أن يكون سوى المقاومة. وفي 28 سبتمبر من نفس العام، كان شاريت قاطعا في تشخيصه للحركة العربية على أنها ثورة ومقاومة قومية، وأن القيادة الجديدة تختلف عن القيادات القديمة، كما لاحظ وجود عناصر جديدة في حركة المقاومة: اشتراك المسيحيين العرب بل والنساء المسيحيات في حركة المقاومة، كما لاحظ تعاطف المثقفين العرب مع هذه الحركة، وبيّن أن من أهم دوافع الثورة هو الرغبة في إنقاذ الطابع العربي الفلسطيني وليس مجرد معارضة اليهود·

 

وقد ذكر يهودا ليطاني في مقاله الذي أشرنا إليه أنه حينما نشر مقال إبشتاين عام 1907 في ''هاشيلواح'' أثار ردود فعل غاضبة إذ يبدو أن العقل الصهيوني قرر أن ينكر وضعه كجسم استيطاني غريب فيسمي المقاومة إرهابا· ثم أضاف كاتب المقال قائلا: ''بعد مئة عام لم يغب السؤال الغائب، على العكس، الآن بالذات يحسن أن نقرأ السؤال الغائب، وأن نستيقن من مبلغ صحة تشخيصات إسحق إبشتاين في أيامنا هذه''· وأنا أرى أنه يجب على الإعلام العربي والدبلوماسية العربية أن تستفيد من هذه الوثائق وتنشرها على العالم، حتى تعرف كل الشعوب حقيقة ما يجري في فلسطين، وأن جانبا من الحرب ضد ما سموه هم ''الإرهاب'' هو في واقع الأمر حرب ضد الحقوق المشروعة لشعب احتلت أرضه في أن يدافع عنها وعن نفسه ضد محتل مغتصب.