شهادة المستشارة نهى.. وتجليات تحرير المرأة

 

 

بقلم :أمير سعيد

 

ما الحرية؟ ما حرية المرأة؟ أهي حرية التصفيق وانطماس الهوية أم حرية الإرادة وصدق اليقين وحرية شوقي الحمراء التي لها "باب بكل يد مضرجة يدق"؟ كم عدد المنظمات والهيئات المعنية بشؤون المرأة في مصر وفي عالمنا العربي؟ تحديداً لست أدري, لكن الذي أدريه أنني أسمع طنينها كل حين.. إلا ذاك الحين الذي يرتجى فيه الطنين.

 

 في الحقيقة لست منزعجاً من تجاهل منظمات الدفاع عن حقوق المرأة وهيئات تحريرها, ولا مستبطئاً خطواتها في تبني قضية المستشارة المصرية الشجاعة نهى الزيني سواء بنشر شهادتها النارية والإشادة بسلوكها الحضاري اللافت في اندفاعته الحماسية أو على الأقل في الدفاع عنها ضد ما بدا تلوح سحابته السوداء فوق رأسها.

 

لن أكون منزعجاً ولا مستبطئاً ـ وغيري ـ أن نجد شنشة نعرفها من أخزم, وحيث أخزم له عين واحدة كليلة يرى بها الحرية, ورئة واحدة ضامرة ينتفس بها هواءً ملوثاً, فحرية أخزم هي تلك التي تمكن المرأة من فعل أي شيء إلا أن تكون حرة الإرادة, حرة الضمير, حرة الواجب.. هذه الحرية التي لا تجيدها منتوجات الجوقة التحررية الزائفة.

 

القصة النضالية للمستشارة نهى الزيني تتلخص في تحرر ذاتها من ربقة السكوت على باطل قد رأته, متمثلاً في نتائج أعلنت في دائرة دمنهور التي شهدت تجييراً لنتيجة مقعد الفئات لصالح مرشح الحزب الوطني د.مصطفى الفقي على حساب الفائز الحقيقي ـ وفقاً لشهادة الدكتورة نهى ـ وهو المرشح الإخواني د.جمال حشمت, قائلة في معرض شهادتها المثيرة :"لقد كنت هناك وشاركت في هذا الأمر. وهذه شهادة حق، إن لم أقلها فسوف أُسأل عنها يوم القيامة. ولا أقصد مما أقول مساندة أحد أو الإساءة إلى أحد. ولكنه الحق الذي وهبْنا له حياتنا، والعدالة التي أقسمنا على الحفاظ عليها. وقبل كل هذا وبعده خشية الله الذي أمرنا ألا نكتم شهادة الحق، وأن نقولها مهما كانت التضحيات. والله إنه لا خير فينا إن لم نقلها، ولا خير فيكم إن لم تسمعوها." .." كانت الرحلة ميسرة؛ فقد وفرت لنا اللجنة العليا كل شيء (..) كل هذا من (أموال الناخبين) الذين دفعوا لنا كل هذا طواعية، مقابل أن نؤدي واجبنا، ونحمي إرادتهم من أي تزييف ".."كانت المؤشرات قرب النهائية القادمة من اللجان الفرعية تدل على أن المرشح جمال حشمت حصل على 25 ألف صوت على أقل تقدير، بينما حصل مصطفى الفقي على 7 آلاف صوت على أعلى تقدير".

 

 وهكذا فجرت الدكتورة نهى مفاجأتها الكبيرة التي ما زال صداها يتردد بقوة على صفحات الجرائد المصرية وشاشات التلفزة المحلية والعربية وفي أروقة السلطة الثالثة في مصر/سلطة القضاء التي عادت من جديد حية تزداد كل يوم تثبيتاً لواقعها الجديد وامتداداً لمكتسباتها, أطلقت المستشارة الزيني قذيفتها مردفة لها بقذيفة لا تقل عنها صدى ولا تأثيراً, إذ تضرب على وتر يخشى الجميع مجرد تحريكه, قائلة: " هذه شهادتي أدلي بها أمام الرأي العام وأنا أعلم تماما ما سوف تسببه لي من متاعب. ولكن ماذا لو كسب الإنسان العالم وخسر نفسه؟".."وأنتم يا رجال القضاء.. لقد صدَّعتم رؤوسنا بالحديث عن القضاء الجالس والقضاء الواقف بالتشكيك في ذمم الناس على أساس الجلوس والوقوف. ولكنكم نسيتم نوعا ثالثا أخشى أن يزداد انتشارا وأن يسود؛ وهو القضاء المنبطح!!.ولن أعتذر للكلمة ولن أسحبها؛ فأنتم تعلمون أنها كلمة حق.".." مع الأسف من لم يرهبهم سيف المعز تراخت إرادتهم أمام ذهبه وبدلاته ومكافآته وانتداباته في السلطة التنفيذية."

 

ذهب المعز إذن لم يغر الزيني وسيفه لم يرهبها, وحذوها قد سار 137 من القضاة الرجال, كان من الممكن أن تكون صورتهم خير حافز لأن يقول من يقول انظروا لريادة المرأة, انظروا إلى تقدمها على الرجل, دونكم المساواة ـ بل السبق ـ والحرية وقوة المرأة وشجاعتها, لكن شيئاً من هذا لم يحدث. لم يحدث لأن شجاعة هذه المرأة وفدائيتها صبت في خانة خصوم الحزب الحاكم ولم تتماه مع ما إليه يرنو إليه هؤلاء من دعوتهم التحررية العرجاء.

 

ربما القوم بحاجة إلى من يذكرهم بهذا المأزق الذي أوقعتهم فيه الزيني مع قيام هذه المستشارة الراسخة في منصبها كنائبة لرئيس النيابة الإدارية في مصر بالإدلاء بشهادتها النارية التي قذفت شهبها في وجه التزوير والتدليس, فالزيني امرأة في سلك القضاء لطالما علت أصوات تؤيد تولي بنات جنسها مناصب قضائية, ولطالما احتدم الجدل بين مختلف الفعاليات النافذة في المجتمع المصري بين مؤيد ومعارض لتولى المرأة القضاء حتى استقر الرأي في مصر للمؤيدين دعماً من قوى رسمية دينية وغير دينية, يقف في مقدمها شيخ الأزهر إلى جانب ناشطات في مجال الدفاع عن حقوق المرأة ودعم انخراطها في العمل العام.. ولست أدري حقيقة إلى أي جانب سينحاز هؤلاء بعدما قالت المسشارة الفاضلة ما قالت, جانب التأييد أم جانب المعارضة على خلفية الطبيعة التكوينية للمرأة, واندفاعتها العاطفية التي لا تحول دون حاجاتها إلى قول كل ما تريد دونما اكتراث بلغة المجاملات حينما يحتاج الأمر إلى قدر من المكاشفة والوضوح لا يبتاع الحسابات المهنية بالضمائر والمبادئ؟ أهي الرائدة النسوية أم الناشز عن أعراف القضاء؟ أتستدعي مساندة من شجع المرأة على الانخراط في سلك القضاء أم تنديدهم؟ أهي ترنيمة نصر أم زفرة اندحار؟! شجاعة أم تهور؟! وبين أي إجابة ومقابلها يبدو المأزق متجسداً في أن تحية صاحبة الموقف يعني الوقوف وبقوة مع مطالبها ومع شهادتها التي لا تساير رغبات الملتصقين "سيامياً" بدوائر التأثير الرسمية, وأن إدانة موقفها هو أكبر داعم للجهود الداعية لاستقرار المرأة في بيتها بعيداً عن سلك القضاء؛ إذ تظل حالة الدكتورة الزيني هي الحالة الأبرز بين المستشارات الآن ظهوراً وشهرةً على وجه الإطلاق في مصر, ووقوعها في خطأ كهذا ـ برأيهم ـ داعٍ لتأييد توجههم.

 

ومن المضحك أن الذين ملئوا الحي ضجيجاً ممن ساندوا تعيين المرأة في سلك القضاء على خلفية دينية تبيح ذلك, لا يقوون الآن على رفض شهادة ـ مجرد شهادة لا قضاء ـ على ذات الخلفية.. والأنكى أنهم لو فعلوا لصدمهم نحو 140 قاضياً وافقوا الدكتورة نهى الزيني على شهادتها!!

 

ولاشك أن هذه الشهادة كانت علامة فارقة في الانتخابات البرلمانية المصرية من الناحيتين القانونية والأخلاقية, وحين تنسب هذه العلامة ذات يوم لامرأة حرة لا تبالي بتداعياتها ولا انعكاساتها عليها شخصياً, فإنها ستمثل أنموذجاً جيداً يشي بأن هذه المبادئ أبداً لا تعرف الجنس, بل بوصلتها الحق تدور معه حيث دار, فإذا كان الفعل من امرأة كان أولى بأن تثمن فيه قوتها التي لم يحدها ضعفها التكويني, وشجاعتها التي لم تثقلها فيه رابطة تجمع المستشارة بأسرتها.. وعلى ذلك كانت شهادتها كـ"شهادة", وشهادة تستوجب الإشادة.