ميليس يتراجع امام سورية

 

 

 

بقلم :منير شفيق

 

جاء خطاب الرئيس السوري بشار الاسد في رفض الانصياع لطلب ديتليف ميليس رئيس لجنة التحقيق الدولية بجريمة اغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري، مفاجئاً للكثيرين. فهنالك من يعتبر انه لا مجال امام سورية للتهرب من «التعاون الكامل» مع ميليس ووفقاً لشروطه بالكامل. وثمة من اسقطوا من حسابهم أي مكان لممانعة ضد الرغبة الامريكية فكيف حين تتجسد هذه الرغبة عبر «مجلس الأمن» هذا المجلس الذي اصبح يشدد البعض على تسميته «الشرعية الدولية» و«المجتمع الدولي» و«الأسرة الدولية». وهذه اسماء سموها ما انزل الواقع ولا القانون الدولي ولا ميثاق هيئة الأمم بها من صدقية.

 

جون بولتن مندوب الولايات المتحدة الامريكية في هيئة الأمم المتحدة علق بعد خطاب الأسد، قائلاً ان سورية اخطأت قراءة القرار 1636 اذ «لا مجال لوساطات بهذا الشأن» ونقل عن مصدر فرنسي قوله «ان النظام في سورية هو بصدد الانتحار الجماعي عن طريق محاولة التشاطر على ميليس».

 

اما ميليس فقال انه «لن «انتبه الى عبارة (لن)» يساوم على طلبة استجواب الضباط السوريين الخمسة في مقره في مونتغردي في بيروت».

 

وبناء عليه انهالت تحليلات العشرات من الكتاب في بلادنا العربية يقطعون بأن قرار سوريا برفض المثول في المونتغردي وفقاً لطلب ميليس والذي يعبر عن الموقف الامريكي بالخصوص، هو بمثابة الخطأ المميت الخارج عن كل حساب لمتغيرات العالم والاستحقاقات المطلوب من جميع العرب تقديمها لامريكا والدولة العبرية.

 

لكن كل هؤلاء اثبتوا وبالبرهان القاطع، انهم كانوا على خطأ في تقدير الموقف وموازين القوى الدولية والاقليمية، والا ما الذي اجبر ميليس ان يلحس تلك الـ(لن) المقاطعة المانعة، وهو بالطبع ما كان ليفعل لولا ان الادارة الامريكية لحستها قبله، فوافق على ان يحقق مع الضباط الخمسة في فيينا وتحت قبة هيئة الأمم ومع اعطاء عدة ضمانات طلبها المستشار القانوني في الخارجية السورية، ومن بينها، حضور محامين لجلسات الاستجواب؟

 

وبكلمة ان ما اعتبر خرقاً للمحال وعملاً غير محسوب العواقب وليس بمستند الى قراءة دقيقة، تبين انه لم يكن خرقاً لمحال وليس بمغامرة ولا بسوء قراءة للوضعين العربي والدولي.

 

باختصار امريكا تواجه ازمة داخلية متفاقمة يوماً بعد يوم، وتتعرض لانتقادات قاسية بسبب عدوانها على العراق واحتلاله ومواصلتها لحرب ميئوس من كسبها واما الدول الكبرى فقد راحت تبتزها لتنال موافقتها على قرار 1636 ومن ثم عليها ان تدفع اثماناً جديدة لقرار جديد واما الدول العربية وخاصة السعودية ومصر وقد عبر العاهل السعودي الملك عبدالله عن ذلك بالتدخل لدى فرنسا لايجاد مخرج فيينا، ورأى ان التحقيق مع المسؤولين السوريين لو تم في لبنان لكان اهانة لسورية ولكل بلد عربي. ولخص ما يستبطنه الموقف العربي عموماً بالقول «ان أي مصاب لأي بلد عربي يؤلمنا ونحن لا نريد هزات لاحد..» (الحياة 27/11/2005).

 

ثم يجب ان تضاف أهمية الممانعة التي اظهرتها سورية اذ لولاها لما تفاعلت العوامل الاخرى المختلفة لأنه ما من احد يستطيع ان يفعل شيئاً لو قبلت ولم تواجه.

 

وخلاصة: اثبتت الوقائع ان الممانعة ممكنة والمقاومة ممكنة وان امريكا هي المرشحة للتراجع سورياً ولبنانياً وعراقياً وايرانياً وكورياً. وهو ما يؤكده تصريح كونداليزا رايس حول التفكير بخطوات انسحاب من العراق، وباعطاء دور للروس في الملف النووي الايراني، وآخر للصينيين في الملف الكوري الشمالي، وحتى اعطاء دور للاوروبيين في معبر رفح «على سوء الاتفاق» يشكل برهاناً على ظاهرة التراجعات الامريكية والاسرائيلية «شارون ليس على حال افضل من حال بوش».

 

واخيراً هل يراجع مواقفهم اولئك الذين هبطوا الحيطان على الأمة تهويلاً بقوة امريكا ودعوة للانصياع والاستسلام لها، وبلا وجه تقدير صحيح لميزان القوى ودعك من «ولا وجه حق».