من يحاكم من؟

 

 

بقلم :السفير محمد والي

 Abouzahraa@maktoob.com

 

  السلطة القائمة في العراق الآن هي سلطة احتلال، والحكومة العراقية ليست إلا ظلا لها، وهي تجاهد لكي تبقى قوات الاحتلال التي تحميها، ولو غادرت تلك القوات العراق؛ فلن تبقى هذه الحكومة لحظة واحدة. وصدام حسين أسير حرب، وليس من حق الآسر أن يحاكم المأسور، والمحكمة الخاصة التي شُكِلَت لمحاكمته، جاء قرار تشكيلها بأمر الحاكم الأمريكي الذي جاء به الاحتلال – وهو السفير بول بريمر، وما بني على باطل فهو باطل. وأكثر من ذلك؛ فإن مجرد وجود محكمة خاصة – من الناحية الحقوقية – لمحاكمة شخص معين أو أشخاص معينين هو في حد ذاته إهدار واضح لمبدأ للعدالة.

    نحن لا ندافع عن صدام حسين؛ فجرائمه طالت شعبا بل شعوبا بأكملها؛ لكننا ندافع عن العدالة، وكنا نتمنى أن يحاكم بيد العراقيين أنفسهم وأمام القضاء العراقي، وبالقانون العراقي لا بقانون المحتل. لقد كان صدام حسين طاغية غشوما، حكم العراق بالحديد والنار، والعراق بلد غني بثرواته الطبيعية، لا فقط من حيث الثروة النفطية، بل وأيضا الثروة الزراعية؛ إذ تقع أراضي العراق بين نهرين عظيمين هما دجلة والفرات. ولكن الطاغية بدد ثروات العراق في حروب فاشلة أنهكت العراق وأنهكت باقي المسلمين، وهذا من جنايات الاستبداد التي لا تحصى.

    بل قد لا أكون مبالغا إذا قلت: إن صدام حسين لم يكن مجرد طاغية، بل كان خائنا أيضا، وإلا فلماذا شن حربا شعواء على إيران بعد نجاح الثورة الإسلامية؟، ولماذا افتعل مشاكل حدودية معها ليتخذها ذريعة للحرب، وهو نفسه الذي وقع اتفاقية لترسيم الحدود مع إيران برعاية جزائرية عام 1976؟. أليس هذا دليلا كافيا على أن أمريكا هي التي استخدمته لشن هذه الحرب، ولمنع انتشار النموذج الإيراني في المنطقة؟. في ذلك الوقت قام وزير الخارجية الأمريكية  هنري كيسنجر بجولات مكوكية في المنطقة لإقناع الدول العربية بالخطر الإيراني، وحشدهم لمواجهته، وانتهى الأمر بدفع صدام حسين للحرب بتمويل من دول الخليج. ففي ثماني سنوات من الحرب، ساهمت دول الخليج العربية بمبلغ 100 مليار دولار، بينما كانت قد ساهمت في نفقات الحرب مع إسرائيل ما بين 67/1973 بمبلغ 6 مليار دولار!. وكانت أمريكا لا تريد لهذه الحرب أن تتوقف أبدا قبل الإجهاز على البلدين معا؛ ولما كانت إيران هي الأكبر عددا وعدة؛ فقد تدفقت الأسلحة الغربية والأمريكية على العراق، كما تدفقت عليه صور أقمار التجسس الأمريكية عن الأهداف الإيرانية ليضربها. وحين توقفت تلك الحرب فجأة؛ كان لدى العراق أسلحة كثيرة، وكان من الأفضل تدمير هذه الأسلحة حتى لا تقع في يدٍ  معادية لأمريكا؛ فكان غزو العراق للكويت، وكان التحالف الدولي لضرب العراق، بمساعدة من الدول العربية أيضا. أليس هذا سقوطا لصدام حسين ولباقي الأنظمة العربية التي ساعدته على حرب إيران؛ ثم ساعدت أمريكا على حربه. ومن العبر الكثيرة في هذه المواقف: أن الكويت التي ساعدت صدام حسين على حرب إيران كانت الضحية الأولى له؛ مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: "من أعان ظالما سلطه الله عليه".[1] وبنفس المنطق فقد أعان صدام حسين أمريكا بحربه على إيران، فسُلطت عليه، والدور الآن على الأنظمة العربية التي ساندت أمريكا.

    ثم تجلى هذا الانهيار واضحا في القمة العربية في مارس (آذار) 2003، في شرم الشيخ التي سبقت مباشرة العدوان الأمريكي على العراق؛ فقد أصدرت هذه القمة قرارا برفض الاعتداء على العراق، وتعهدت بالامتناع عن المشاركة فيه؛ ثم أظهرت الحرب عكس ما جاء في القرار؛ فإن قوات التحالف الأمريكي البريطاني تتخذ من الكويت نقطة انطلاق لها، ومقر قيادتها في قطر، ومقر قيادة القوات الجوية الأمريكية أثناء الحرب كان في الظهران في السعودية ثم نقل إلى قطر. وأكثر من ذلك فإن هناك خمس دول عربية على الأقل تساعد القوات المعتدية، بطريق مباشر، هذا غير الدول العربية التي تقدم تسهيلات للقوات الأمريكية عبر موانيها أو أجوائها أو ممراتها المائية.       

    والآن تأتي أمريكا الموحولة في العراق لتحاكم صدام حسين!!. لا ينكر أحد جرائم صدام حسين، وجناياته لكنها بعد جرائم بوش وجناياته لم تعد ذات كبير شأن. ألم يقتل بوش مئات الآف من العراقيين بالقصف الجوي والبري الذي يهدم البيوت فوق رؤوس أصحابها؟. ألم تقم قاذفات القنابل الضخمة بقصف بغداد ليل نهار؟، وباستخدام الأسلحة المحرمة مثل القنابل العنقودية والانشطارية واليورانيوم المنضب وغيرها.

    أليس من حق الشعوب أن تحاكم بوش على جرائمه في أفغانستان والعراق وفي كل مكان؟. بل وعلى كذبه أيضا! أين هي الحرية وحقوق الإنسان التي يتشدق بها بعد ما ظهر في سجون العراق وجوانتانامو؟ بل بعد ما ظهر من وجود سجون أخرى سرية في أماكن متفرقة من العالم، وخاصة في أوروبا الشرقية؟. بل أين هي الحرية بعد كشف المستور عن فضيحة الخطة الأمريكية لضرب قناة الجزيرة؟.

    فبأي وجه إذن يحاكم بوش صدام؟. إذا كان هذا مجرما فالآخر أشد إجراما وأعتى!. إنه دجال يحاكم دجالا. ورغم أن الأخبار الواردة عن الدجال في الأحاديث الشريفة تدل على شخص محدد، فإنه ليس ما يمنع من أن يسبقه، ويساوقه (أي يصاحبه ويكون معه) دجالون كثيرون؛ فقد أخرج أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا دجالا كلهم يكذب على الله وعلى رسوله" فدل الحديث على كثرة من الدجالين بحيث يكون الدجال الأكبر تجسيدا للمفهوم الكلي للدجل والدجاجلة من ناحية وأكثرهم خطرا من ناحية أخرى، وفي هذا العصر الذي نحن فيه؛ فإن أكبر الدجالين هو الذي يزيف الحقائق، ويريد أن يسوق العالم لتحقيق أغراضه وشهواته، وفي سبيل ذلك يقهر الأمم والشعوب، اغترارا بقوته. لقد جاء في صحيح مسلم أن مع الدجال جبال من الخبز واللحم، ودجال اليوم قد كدس الثروات ليعطي ويمنع.

 الوجه هنا أن هذا من لطائف العناية ذلك أن الظلم مفسد للاستعداد الفطري الروحاني؛ ولذلك فإن الظالم لا يجدي معه في العادة النصح ولا الكلام الحق، بل يسلط الله عليه من هو أشد منه ظلما؛ ولعل هذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "الظالم عدل الله في الأرض ينتقم به ثم ينتقم منه"، وفي المرفوع: "يقول الله عز وجل أنتقم ممن أبغض بمن أبغض ثم أصير كلا إلى النار".

ما من يدٍ إلا يد الله فوقها          وما من ظالمٍ إلا سيبلى بظالم

 

    وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: )وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ( (129/الأنعام). أي نسلط بعضهم على البعض فنأخذ من الظالم بالظالم بسبب ما كانوا مستمرين على كسبه من الكفر والمعاصي.

    وأيا ما كانت نتيجة المحاكمة؛ فإن المؤكد أنها لن تخفي عَوار بوش وحلفائه حتى لو كشفت مخازي صدام؛ لأن جناية بوش أعظم وأضخم، وإن كان للأولى فضل السبق لأن الاستبداد كان الطريق إلى الاحتلال. ومن هنا تأتي فضيلة المحاكمة لأنها ستزيد من إدراكنا لخطورة الاستبداد، وأننا إذا كنا نواجه اليوم حربا مصيرية، تشنها علينا الصهيونية ممتطية صهوة الجواد الأمريكي؛ فإنه لا سبيل لنا إلا في محو عار الاستبداد، وهذا من لطائف العناية أن الفوضى التي تريدها الصهيونية في المنطقة وسيلة لتحقيق مشروعها الكوكبي؛ ستجرف أول ما تجرف أنظمة آيلة للسقوط، وأوضاعا لا تستحق البقاء، لتحل محلها بإذن الله لا السيطرة الأجنبية بل منظومة أخرى أجدر بمواجهة التحدي وما يفرضه من تضحيات.   وسوف تكون هذه الفوضى هي المرحلة التي تسبق انبثاق نظام عالمي جديد دون هيمنة أمريكا؛ ونظام عربي جديد، وسوف تؤدي هذه الفوضى إلى صعودٍ وهبوط، بزوغٍ وأفول، ظهورٍ وكمون. عِزٌ وهون، وشؤونُ أقدارٍ وشجون:

 

يارب هبت شعوبٌ من منيتـها                واستيقظت أمم من رقدة العدم

سعدٌ، ونحسٌ، ومُلكٌ أنت مالكه                 أكرم بوجهك من قاضٍ ومنتقم

 

 



[1]  أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس عن ابن مسعود، وابن عساكر في تاريخه عن ابن مسعود مرفوعا، والقرطبي في تفسيره بالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند تفسير قوله تعالى: "وكذلك نولي بعض الظالمين.." من سورة الأنعام، وأبو داوود من حديث ابن عمر بلفظ: "من أعان على خصومة بظلم فقد باء بغضب من الله عز وجل"، وابن ماجه من حديث ابن عمر أيضا بلفظ: "من أعان على خصومة بظلم أو يعين على ظلم لم يزل في سخط الله تعالى حتى ينزع".