بطن الحوت وشجرة اليقطين

 

 

 

بقلم :عائشة جمعة

 

تعيش أمتنا الإسلاميّة في بطن الحوت في الظلمات، وقد أوشكت أن تقول: «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين».

 

وأما هذه الظلمات فلا تخفى على ذي عينين وذي لب، ظلمات قيادية جعلتها أمماً بعيدة عن الحضارة، فلا العلم الذي رسمته آتى أكله بصناعات ثقيلة حتّى ولا خفيفة، ولم يكسبها ثوباً من الأخلاق يجعلها تباهي بالأخلاق بقية الأمم، ولم يعطها تعاوناً على البر والتقوى، لا، ولم يدفعها إلى إبطال المنكر والأمر بالمعروف.

 

إنها في ظلمات القهر؛ ترى أبناءها يقتّلون ويذبّحون في عقر دارهم أو يسجنون في معسكرات الشرق والغرب، فتقف مشدوهة فاغرة فاهاً عاجزة عن عمل إيجابيّ يوقف مدّ الظلم.

 

وتسلب خيرات بلادنا، وتندس مقدساتنا فلا نحرك ساكناً في الوقت الذي نرى فيه الأمم الأخرى مهتمة بمقدساتها، وبأي فرد فيها سواء أكان يعيش على أرضها أو في أية أرض في العالم.

 

نحن نعيش في ظلام الواقع الذي يندى له الجبين، واقع مغاير لما أقرّه الله في كتابه الكريم، فلا نحن أعزّة، ولم تربطنا في الإسلام أخوّة، واغتالت الدنيا هممنا وعزائمنا، وركنا إليها، فتفشت بيننا أمراض غريبة على مجتمعاتنا، فأصبح كل واحد يشتكي جرحه ويصرخ من ألمه.

 

 

هذه أم تذرف دمعاً على ابن جفاها، وهذه زوجة تشتكي سوء تعامل زوجها معها، فقد أخذته الشهوات إلى مدارج الظلمات؛ أدمن على القنوات، وأهمل الزوجة والبنين والبنات، وهناك آخر تجاوز الخمسين يتسكع في دروب المراهقات، وكأنه شاب حيّرته النزوات، وآخر ساء منه الخلق فعنّف بالكلام بلا عتاب ولا لوم، ومدّ يده من غير وجه حق.

 

وتولى الشيطان أموالنا فبذرناها، ولم نطعم الجائع، ولا أعنا المسكين، ولم ندرأ أعراضنا بالصدقات؛ فخرجت بناتنا سافرات وشبه عاريات، والخجل الخجل أنهن أصبحن منجرفات، والأرقام في ازدياد، والباطل ينفش.

 

نرى رجالاً ليسوا كالرجال يأنسون برؤية الباطل وينجرفون إلى الهاوية تتبعهم ذريتهم وأهليهم.

 

نرى غشاً في البيع وفي العمل وفي التعامل يتفنن فيها أصحابها، ويظنون أن الله أهمل عقابهم، ونسوا أنه يمهل ولا يهمل.

 

نحن في ظلمات نخشى فيها الغرق والهلاك، ولكن هناك أمل في النجاة، يبدأ بالاعتراف بأننا ظلمنا أنفسنا، ويكون اعترافاً بضعفنا واعترافاً بالله القادر، ندرأ عن أنفسنا العذاب بالاستغفار، وعندها سوف نخرج من هذه الظلمات، فيتنبه كلّ منّا إلى دوره في الحياة، ويعمل صالحاً وبدأب قبل الممات، وقتها ستظللنا بأمر ربنا شجرة اليقطين حتى تبرأ جراحنا، وتعود لنا قوتنا وعزيمتنا، عندها سيعرف العالم من نحن بالفعل لا بالقول، نحن نؤتي المال على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، نحن نكرم اليتيم ونحض على طعام المسكين، وهم يعذبون في السجون بضرب وإهانة وشذوذ.

 

نحن نزرع الفضيلة ونحيي في النفوس العفة، وهم يفسدون في الأرض، ويشترون لهو الحديث ليضلوا عن سبيل الله.

 

نحن نرى أن ما عند الله خير وأبقى، فنسعى لحصول الأجر فينصرف بذلك عنا القهر، وهم ينهزمون أمام أنفسهم، فتحصدهم الكآبة وتظللهم الندامة وتغرقهم الشهوات، بينما يحاسب المسلم نفسه على الهفوات ويبكي ذنبه، ويشكو تقصيره، ويصبر على البلاء أملاً في رفيع الدرجات.

 

أبناء أمتي وأحبتي الحوت يسري بنا في ظلمات فلا تطيلوا مسيره، وعودوا إلى بارئكم كي تظللنا شجرة اليقطين، وننقذ بنجاتنا مائة ألف أو يزيدون.