عباس وواشنطن وانتظار المئة عام

 

 

بقلم :فرج شلهوب

 

الولايات المتحدة، بعد كل الذي حدث في المنطقة، وجملة الاستحقاقات على المسار الفلسطيني؛ رحيل عرفات وصعود أبي مازن، والتهدئة والانتخابات، وحسم شارون موقفه المتردد ازاء الانفكاك عن غزة، لم تجد ما تمنحه لضيفها الكبير، ابي مازن، غير الابتسامات، ولوك بعض الجمل غير المفهومة وغير المعبرة عن أي شيء، الى درجة حديث البعض عن عجز الادارة الامريكية عن فعل أي شيء على المسار الفلسطيني، او عدم رغبتها الخروج من تحت العباءة الاسرائيلية في كل ما يتصل بالمنطقة وتحديداً قضية فلسطين وأهلها.

 

لقد ذهبت زيارة عباس لواشنطن ادراج الرياح، كأنها لم تقع، رغم الانتظار وتكرار التأجيل، ورشوة الخمسين مليون دولار بدت أكثر من بائسة، ومؤشر على هزالة الرعاية والدعم التي يحظى بهما الشريك المولع بمشاريع التسوية السياسية، والنابذ للعنف(!!) بل لكل ما يتصل به وبأهله، من قريب او بعيد، براءة الذئب من دم يوسف!!

 

رحل عرفات، ولم يتغير شيء، انكسرت فتح وامتهنت السياسة والتنسيق الأمني ومصافحة الاصدقاء في تل ابيب وواشنطن ودافوس، وعباس انحنى حتى نهاية القوس، حتى قوى المقاومة قبلت بالتهدئة والهدوء، من اجل التغيير، الا ان شيئاً لم يقع فلا الموقف الامريكي تغير، ولا شارون نزل عن الشجرة التي صعد اليها، ذات يوم في حرب الاباتشي والسور الواقي، ولا المبادرة العربية دبت فيها الحياة، رغم تزلفها للسادة في واشنطن وتل ابيب.

 

عاد السفراء ولم يعود الشعب الفلسطيني، واطلق سراح عزام بينما ظل آلاف الاسرى في سجون الاحتلال دون بارقة امل في خروج قريب. هرم شرم الشيخ وشبع شيخوخة ولا تزال قوات شارون تحاصر بيوت الفلسطينيين وتقبض على انفاسهم، في الصعود والنزول. يحدث كل هذا، فيما واشنطن تلتزم الصمت، ليس هذا فحسب، بل هي اذا تكلمت حرصت على ان لا تغضب شارون وزمرته، بل ربما تعمدت الاصطفاف وراء ما يقول دون حرج ودون حياء، بعدما اصبح اليمين الامريكي وممثليه في الادارة الامريكية يصطفون ودون مواربة، على اليمين من مواقف شارون الذي وجد نفسه في مؤتمر «الايباك» الأخير ملزماً بتهدئة روع الاصدقاء في واشنطن، الذين حضروا كلمته فقط للتأكد من تمسكه بـ«وحدة ارض اسرائيل» والتأكد ثانياً: حسب ناحوم برنياع في يديعوت، من أن شارون لم يفقد عقله او اصابه مس من الشيطان، بعد حديثه عن الانسحاب من غزة. الامر الذي اقتضى من شارون التأكيد لهم، انه لم يجن، وان «الانفصال عن غزة هو قربان صغير يقدمه لتعزيز الأمن، وفي قضية الأمن فانه لن يتنازل ابداً».

 

والسؤال متى سيكون موعد زيارة عباس القادمة لواشنطن؟! وهل ننتظر حتى ذلك التاريخ لانتظار الانفراج الموعود؟! واذا كان شارون لا يتحدث إلا عن الانفكاك عن غزة، على طريقته، ودون رفع الوصاية عن المعابر المائية والبرية والجوي،ة ويلزم بوش ان لا يتحدث مع عباس عما يسمى عناوين المرحلة النهائية، فأين اصبحت الضفة، وحق العودة والدولة والقدس والمستوطنات؟! وما يجري على الارض وما يعلنه شارون من مواقف متطرفة ازاء كل هذه العناوين، ألا يدفع أحداً للتوقف واعادة قراءة الأمور بعيون مفتوحة، وتوزين جملة الخطوات الفلسطينية الأخيرة من السلطة، وقوى المقاومة، وهل حققت اهدافها او اثمرت كسباً مادياً ومعنوياً موازياً لحجم هذه الخطوات والمبادرات والمصافحات؟!

 

المشهد الفلسطيني يبدو كما لو انه يدور في حلقة مفرغة، إلا ان احداً لا يريد ان يعلق الجرس، او ان يقرع اجراس الخطر اذا ما استمر الحال على ما هو عليه، او اذا ما اندفع البعض؛ اجهزة أمنية ومسؤولون فاسدون ومنتفعون، على خلفية نتائج الانتخابات لحرف مسار الصراع ليصبح بين أبناء الوطن، وحرف مسار الانتخابات ذاتها، لتتحول الى صاعق تفجير وتوتير بدلاً من ان تكون محطة، لإعادة بناء الذات وتنقية المؤسسات من الفساد والفاسدين.

 

امور كثيرة تحتاج الى وقفة، ولعل عودة عباس من زيارته خالي اليدين، تكون فاتحة لكثيرين لإعادة تقييم مواقفهم وتصويب مراهناتهم، وادراك ان الصراع مع المحتل ومن وراءه قوة الظلم الامريكية، لا يزال في ذروته، وان الحديث عن وقف المقاومة وليس نزع سلاحها، هو موقف لا يخدم الشعب الفلسطيني وعدالة قضيته، ومن جملة ذلك دعوة عباس لحماس ان تدرك انه لا خيار الا المفاوضات والعمل السياسي.

 

ان المطلوب اعادة التأكيد على وحدة الشعب الفلسطيني، على قاعدة دعم خيار المقاومة، واعادة بناء الواقع الداخلي على اساس سليم ونظيف، وعبر انتخابات يشارك بها الجميع ولا يستأثر بنتائجها احد، اما الخديعة بوعود واشنطن، وخطة يعرضها شارون او انتظار السراب لمئة عام اخرى فليس إلا وصفة مضمونة لتكريس الاحتلال وتكريس توجهاته في حل قضية الشعب الفلسطيني.