أزمة حركة فتح.. الانتخابات نموذجا!

 

 

 

بقلم :مؤمن بسيسو

 

تعيش حركة فتح أزمة بنيوية فكرية عاصفة. فمن جهة تتوالى تراجعاتها جماهيرياً، وتتأجج فيها الخلافات الداخلية، فيما تفتقد البرنامج الإداري المؤسساتي لإدارة السلطة على قواعد شفافة ونزيهة وديمقراطية، يوازيه فشل سياسي في انتزاع مكسب ذي بال من أنياب السياسة الإسرائيلية المتشددة من جهة أخرى. وسط هذه الأزمة المستحكمة، اضطرت حركة فتح لولوج نفق الاستحقاقات الانتخابية على وقع المستجدات التي أعقبت وفاة الرئيس عرفات، ليبدأ فصل جديد من فصول تكريس الهيمنة والشرعية بلبوس انتخابي ديمقراطي.

 

 

 

لم تتح أجواء الأزمة التي تضرب فتح، وتداعياتها وطنياً، هامشاً معتبراً أمام أي محاولة لبلوغ هذا الطموح، فخسرت المرحلة الأولى من الانتخابات المحلية، وكذا في المرحلة الثانية منها، على إيقاع صعود مطرد لحركة حماس، لتشتعل في أروقتها وعقول قادتها أضواء حمراء لا حصر لها، تحذر من عواقب الانسياق وراء اللعبة الديمقراطية، والإفراط في التعاطي الموضوعي مع المسألة الانتخابية.

 

 

 

وبدا واضحاً أن الاستحقاقات الانتخابية غدت أحد مركبات الأزمة التي تواجهها فتح، وأن آليات فتحاوية جديدة قد اتخذت لمواجهة الموقف عبر مسارين:

 

 

 

الأول، يقضي بمحاولة إفراغ منجزات حماس الانتخابية الأخيرة من محتواها الأهم، عبر اتهامها بالتزوير وحمل اللجان القضائية الانتخابية على إصدار قرارات سياسية بالإعادة الجزئية للانتخابات في مناطق فوز حماس ذات الكثافة السكانية العالية.

 

 

 

أما الثاني، فيقضي بتعطيل انتخابات المجلس التشريعي المقررة أواسط يوليو المقبل، والمرحلة الثالثة من الانتخابات المحلية تبعاً لها، عبر التذرع بإشكالية التوقيت في إطارها القانوني، وحاجة لجنة الانتخابات العامة إلى فسحة زمنية كافية لإتمام الخطوات والمراحل الإجرائية اللازمة.

 

 

 

وفي سياق فرض فتح للأجندة الجديدة داخل سلوكها الكثير من التخبط والإرباك، تبعاً لتعدد واختلاف المرجعيات فيها. فمن جهة عجزت عن تقديم وإسناد أي اتهام ضد حماس، ولم تجد بدّاً - في النهاية - من الادعاء على ذاتها عبر الطعن في أهلية اللجان الانتخابية الميدانية المشكلة أساساً من مواليها، في إطار مشهد اجتهدت فيه اللجان الانتخابية المدعى عليها على إدانة ذاتها وخسارة القضية! فبدا المشهد مثيراً، فلأول مرة تقاضي فتح ذاتها وتطعن في أهليتها باعتبار أن اللجان الانتخابية تتشكل من عناصرها!

 

 

 

ورغم ذلك لم تكلف فتح نفسها عناء الاستجابة إلى منطقها هي، وتباشر السعي نحو إعادة تشكيل اللجان الانتخابية المختصة، وصياغتها على أسس وطنية جامعة، ما دامت فاقدة للأهلية والنزاهة المهنية!

 

 

 

ومن جهة أخرى لم تفتأ الأيام تحمل جديداً في تصريحات قادتها ومسؤوليها إزاء انتخابات المجلس التشريعي كل صباح، فمنهم من يطالب بنفض أية فكرة حيال مبدأ إجراء الانتخابات كونها تكرس مرحلة الحكم الذاتي الانتقالي المرفوضة، ومنهم من يطالب بالتأجيل لدواع دستورية وقانونية مزعومة، ومنهم من يضع الضيق الزمني مشجباً لرغبات التأجيل، ومنهم من يرى في واقع الاحتلال المهيمن على الحياة الفلسطينية مبرراً وجيها للتأجيل، في ظل تجاهل لرغبات الرئيس عباس، وإدارة الظهر لبرامجه الإصلاحية.

 

 

 

الأكثر خطورة أن محاولات التنصل من الاستحقاقات الانتخابية، تتقاطع مع اتجاهات أخرى لكبح اندفاعة حماس نحو الانخراط في النظام السياسي الفلسطيني، وحماية كيانها وبرامجها وأجنداتها بوسائل شرعية سياسية، فبعض الدول العربية تتخوف من انعكاسات متوقعة لتصدّر حماس سياسياً على موازين القوى الداخلية لديها، فيما تنافح "إسرائيل" والإدارة الأمريكية لمحاصرة حماس وعزلها سياسياً، وحرمانها من الوصول إلى دوائر التأثير وصناعة القرار.

 

 

 

إن الإشكالية الأكبر التي تواجهها حركة فتح، وأبو مازن وخططه الإصلاحية على وجه التحديد، أن هناك تياراً نافذاً داخل السلطة وفتح، لم يستوعب بعد طبيعة التحولات الديمقراطية على الساحة الداخلية الفلسطينية، ولازال يرى في فتح صاحبة المشروع الوطني، والقوة الوحيدة التي يحق لها التمتع بمزايا السيطرة والنفوذ، والاستفراد بتقرير المصير الوطني وصناعة القرار، فيما يجب أن لا يتعدى الآخرون أدواراً هامشية، أو الدوران في فلك الحزب الحاكم، ودفع فاتورة الولوج إلى النظام السياسي، عبر نزع رداء المقاومة، ونبذ أجندة التحرير، وطرح المواقف التي تتعارض مع سلمية السلطة والنظام جانباً.

 

 

 

ولن نبالغ حين القول إن الوضع الفلسطيني الداخلي، بما يعتمل فيه من حراك وتوازنات، لن يحتمل أية مواقف انقلابية قد تقود الساحة الفلسطينية إلى عواقب غير محمودة، وتلقي مزيداً من الضنك والمعاناة على كاهل المواطن الفلسطيني المكلوم.

 

وقد يكون مفيداً التذكير أن الأزمة التي تحاول حركة فتح التهرب منها، من خلال التهرب من الاستحقاقات الانتخابية وهاجس نتائجها، لن تزول أو تأخذ طريقها نحو الانقشاع عبر انتهاج سبل وأساليب غير ديمقراطية، هي أقرب إلى المغامرة منها إلى الحل والعلاج، فعناصر الأزمة لا تزال ماثلة، لن يمحوها أو يعالج بعضها استدعاء التأجيل وترحيل الملفات، فالأزمة لا تعالج باختلاق أزمة تولد مزيداً من الأزمات، ولا تكون باستعداء المفاهيم والآليات الديمقراطية التي يفترض أنها جسر التواصل مع الجماهير والتصالح معها.

 

ومهما يكن من أمر فإن معادلة الواقع الفلسطيني الراهن أكبر من أن تختزل في كيان فئة أو تيار، و أعقد من أن يجري تسخيرها بشكل منفرد وبوازع فئوي ضيق، بعيداً عن المصالح الوطنية البيّنة.