اعتقال الإرادة أشد من اعتقال القادة

 

 

 

بقلم: د.خالد يونس الخالدي

 

أقدمت السلطة الوطنية الفلسطينية سنة 1996م على اعتقال عدد كبير من قادة وأعضاء حركة المقاومة الإسلامية حماس، لأنهم يصرون على مقاومة الاحتلال، واستجابة لضغوط الصهاينة والأمريكان. وتعرض أبناء حماس في سجون السلطة على أيدي الأجهزة الأمنية -ومعظمهم من حركة فتح- إلى إهانات كبيرة وتعذيب شديد لا يتصوره العقل، كما صودرت الأموال والأسلحة المعدة للمقاومة وللدفاع عن الشعب الفلسطيني، وقد أغضبت هذه الممارسات الناس، لأنهم لم يروها حتى من  اليهود، ولم يسمعوا عن مثلها في أكثر دول العالم ظلماً ودكتاتورية، ولأنها مورست ضد من يعدونهم رمزاً لشرف الشعب الفلسطيني وتاريخه وجهاده، من أمثال د.إبراهيم المقادمة ود.عبد العزيز الرنتيسي ود.محمود الزهار، وحتى الشيخ أحمد ياسين الذي فرضت عليه الإقامة الجبرية.

 

 

وقد أغضبت هذه الممارسات الغريبة والشاذة كل الفلسطينيين الشرفاء، مثلما أغضبت أبناء حماس وجمهورها الكبير، وانتظروا أن تصدر إليهم الأوامر برفع الظلم عن قادتهم وإخوانهم بالقوة، لكن قيادة حماس آثرت وقتها أن تصبر على ظلم ذوي القربى، الأشد مرارة على النفس من وقع الحسام المهند، وذلك حتى تُجَنِّبَ الشعب الفلسطيني فتنة تُفرح اليهود، وأملاً في أن يعود إخوانهم في فتح والسلطة إلى رشدهم، ويكفوا عن ظلمهم.

 

 

ونجحت حماس في منع فتنة كان من الممكن أن تحرق الأخضر واليابس، وتُحدث أحقاداً ودماء لا تمحوها عشرات السنين، وقد أكسبها هذا الموقف مزيداً من حب وثقة وتقدير الجماهير، وازدادت شعبيتها. أما السلطة وفتح فقد خسروا -بسب هذه الممارسات وغيرها- أغلى ما يمكن أن يخسره الإنسان في هذه الدنيا، لقد خسروا ثقة ومحبة الكثير من الناس، والأخطر من ذلك أنهم أغضبوا رب العالمين الذي توعد بالحرب كل من آذى ولياً من أوليائه، حيث قال على لسان نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم:" من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب"، ولقد رأى الناس بأم أعينهم كيف انتقم الله تعالى من الذين شاركوا في تعذيب قادة وأبناء حماس، فقد تخطفتهم الأمراض الخبيثة، و الحوادث القاتلة، وفُضح فسادهم، وانكشفت عوراتهم، ولعنهم الناس، ووصفوهم بأقبح الأوصاف، ودمرت طائرات شركائهم في السلام مقراتهم، التي كانت مليئة بالزنازين ووسائل التعذيب، وطالما عُذّب فيها مجاهدو وشرفاء الشعب الفلسطيني، ذلك لأن كل ما فعلوه لم يكن في نظر اليهود كافياً لنيل الرضا، وهذا هو العذاب الأدنى، أما العذاب الأكبر فهو ما ينتظرهم في الآخرة " ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون" ، أما أولياء الله الذين أوذوا في سبيله، فقد رفعهم الله تعالى في الدنيا، فأحبهم شعبهم، وردد كلماتهم، وتغنى بأسمائهم وأفعالهم، وسلك دربهم، وأحبهم العرب والمسلمون في كل الأرض، فعلقوا صورهم في بيوتهم ومحلاتهم وقلوبهم، وصاروا لهم ولأجيالهم الحاضرة واللاحقة رمزاً وقدوة، ورفعهم الله في الآخرة، وحقق أسمى أمانيهم، فاتخذهم شهداء، إلى جوار الأنبياء، حيث الجنان والنعيم المقيم، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

 

 

ولم تتعلم السلطة من هذا الدرس، فاتخذت قراراً أثناء انتفاضة الأقصى، بالعودة إلى الاعتقالات ونزع سلاح المقاومة من جديد، وأرادت أن تبدأ بالرموز والقادة، فتوجهت إلى بيت المقادمة والرنتيسي_رحمهما الله_ لكنها فوجئت بأبناء حماس وجمهورها يتصدون لشرطتها ولأجهزتها الأمنية، ويمنعونهم، حيث كانت الأوامر قد صدرت بقطع اليد التي تمتد لنزع سلاح المقاومة واعتقال أي من أبناء حماس، لأنها يد آثمة تخدم الاحتلال، ولا تريد الخير للوطن والمواطنين، وفشل هذا الاعتقال، كما فشلت كل المحاولات اللاحقة للعودة إلى هذه الخطيئة، لأن القرار كان واضحاً وصارماً وحازماً، ولأنه لا يستطيع أحد أن يقف أمام الجماهير الغاضبة الواعية إذا تحركت.

 

 

واليوم تُقدِم السلطة وحزبها من جديد على خطيئة أشد من خطيئة اعتقال المجاهدين، إذ أقدمت على اعتقال إرادة الجماهير، فبعد أن أعلنت لجنة الانتخابات المعينة من قبلها، فوز قوائم حماس في انتخابات بلديات المناطق الكبيرة كرفح والبريج وبيت لاهيا، وصرحت أمام الجماهير ووسائل الإعلام أنها كانت انتخابات حرة ونزيهة وشفافة، وشهد بذلك المراقبون من كل الاتجاهات وعلى رأسهم فتح، قامت هذه الحركة بالطعن في هذه الانتخابات، وجندت لإلغائها حتى القضاء، ونجحت في ذلك بالفعل. لكنها خسرت بهذا التصرف خسارة أكبر من خسارتها في البلديات، لقد خسرت المزيد من الناس، الذين ملوا الفساد، وسئموا النصب والاحتيال والتزوير، وكرهوا الزعماء وأصحاب المناصب الذين انتفخت جيوبهم وكروشهم من دماء الناس، وتاقت نفوسهم إلى التغيير والإصلاح الحقيقي الذي يمارسه التقاة الثقات، كما فقد الناس الأمل بالإصلاح والعدالة والديمقراطية التي وعدهم بها الرئيس الجديد، وامتلأت قلوبهم غضباً على الذين اعتقلوا إرادتهم، وزوروا رغبتهم، من أجل أن يبقوا في عروشهم الهزيلة، وباتوا أكثر استعداداً للتعبير عن غضبهم، وقد رأينا كيف خرج نحو ربع مليون فلسطيني من غزة وشمالها قبل أيام إلى الشوارع، ليعبروا عن سخطهم على استمرار الفساد الذي وصل إلى حد اعتقال إرادتهم، تلك المسيرة التي تآمر على إخفائها الإعلام الداخلي والخارجي، بينما روج لمسيرة شجعت عليها السلطة، ولم يشارك فيها إلا بضع مئات، وسمح للجزيرة بنقلها نقلاً حياً ومباشراً.

 

 

إن الاستمرار في اعتقال إرادة الجماهير، قد يؤدي إلى قرار صارم من قبل حماس بوقف هذه الخطيئة أيضاً، وبالطريقة نفسها التي أوقفت فيها حماس اعتقال أبنائها، أو بطرق أخرى كثيرة، تُقاد فيها الجماهير لتحرير إرادتها من الاعتقال، وقد تصل إلى دعوتهم للعصيان المدني، وقد سمعنا الناطق باسم حماس الأستاذ سامي أبو زهري يُذَكِّرُ قبل أيام بقول الدكتور المقادمة-رحمه الله-:" إذا قررنا الدخول في الانتخابات فسوف نحميها من التزوير ولو بدمائنا"، ومن الواضح أن الجماهير ستستجيب لمن تثق بهم إذا قرروا قيادتها نحو التغيير واسترداد إرادتها وحقوقها الكثيرة المغتصبة، وعندئذ سيكون المشاركون في التلاعب في الانتخابات، والساكتون عن هذه المهزلة مسئولين عن كل الفتن والتطورات التي قد تنجم عن ردة فعل حماس وجماهيرها الغاضبة، التي باتت توقن بأن اعتقال الإرادة أخطر وأشد من اعتقال الجنود والقادة.