مختارات من فرانز فانون:

من كتاب "المعذبون في الأرض"

 

 

 

بقلم :د. ثائر دوري

 

كأن نصوص فرانز فانون كتبت اليوم بمناسبة حرب التحرير العراقية مع انه كتبها في  حرب التحرير الجزائرية. فكل كلمة منه تصلح للاستخدام في حرب التحرير التي تشهدها العراق. والسبب يعود إلى تشابه الحالتين الاستعماريتين بأشياء كثيرة سوى أن التجربة الاستعمارية الأمريكية متأخرة عن زمانها قرنا ونيف. كما أن النقاشات التي جرت على هامش الثورة الجزائرية لا سيما في أوساط المثقفين الأوربيين وغيرهم حول العنف والتحرر من الاستعمار عادت تكرر نفسها اليوم.

حول العنف

يتوهم بعض المثقفين العرب أن للكلمات تأثير سحري.  فحسبهم أن يتناقشوا مع أمريكا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وعندها ستقتنع أمريكا وتسحب جنودها وقواتها البحرية والجوية والمجوقلة وأجهزة استخباراتها لأنها تحترم النقاش الديمقراطي. طيب لم لم يجربوا مهاراتهم الكلامية  قبل الغزو؟ لم لم يمنعوا الغزو بكلماتهم؟ لم لم يرتلوا المعوذات الخاصة بالديمقراطية وحقوق الإنسان وينفخوا على أمريكا قبل أن يتم الغزو...

 

          الغزو عمل عنيف تم بواسطة القوة وبدون أي غطاء أخلاقي (لا أدري عن كان هناك رداء أخلاقي لأي غزو؟) ولا يمكن أن ينتهي إلا بمثل ما بدأ. وقبل أن يتحدث أحد عن غاندي سأقول له إن غاندي هو الاستثناء وليس القاعدة. هو حالة وحيدة مفردة، غير مسبوقة، ولم تتكرر. حالة واحدة مقابل آلاف الحالات التي تم بها إزالة الاستعمار باستعمال العنف.

 

 

 

يقول فانون:

 

 

 

"محو الاستعمار إنما هو حدث عنيف دائماً لأن ذلك يبدل الكون تبديلاً تاماً. لذلك لا يمكن أن يكون ثمرة تفاهم ودي".

 

 

 

ويقول:

 

 

 

"تغيير المستعمر (بفتح العين) للعالم الاستعماري ليس معركة عقلية بين وجهتي نظر، ليس خطاباً في المساواة بين البشر، وإنما هو تأكيد عنيف للأصالة تفرض مطلقة."

 

 

 

المستعمر هو سبب العنف وهو خالقه وكل عنف من أهل البلاد و من حركتهم الثورية مهما بلغت شدته هو رد فعل على العنف الأصلي. يقول فانون:

 

 

 

"في المستعمرات وسيلة التواصل بين المستعمر والسكان الأصليين هو الشرطي والدركي وبالتالي هي لغة عنف صرف ..."

 

 

 

هل احتلت أمريكا العراق بأطبائها ونخبها الفكرية وبأجهزة الكمبيوتر. أمريكا احتلت العراق وتسير أموره اليومية به بواسطة المارينز والمرتزقة فقط، أي بالعنف. يقول فانون:

 

 

 

"إن الاستعمار ليس آلة مفكرة ، ليس جسماً مزوداً بعقل ، إنما هو عنف هائج لا يمكن أن يخضع إلا لعنف أقوى... ".

 

 

 

وحول مواقف المثقفين من العنف يقول فانون:

 

 

 

"قبل المفاوضات تكتفي أكثر الأحزاب، في أحسن الأحوال بأن تلتمس المعاذير (لهذه الوحشية) إنها لا تطالب بالكفاح الشعبي. و ليس نادراً أن نراها تنتقد، في حلقات مغلقة، تلك الأعمال التي تصفها صحافة البلد المستعمر ويصفها رأيه العام بأنها منكرة كريهة. وهذه السياسة التجميدية تعلل بالحرص على رواية الأمور رواية موضوعية."

 

 

 

وهذا الموقف ليس موضوعياً. إنما هؤلاء الناس ليسوا على ثقة بأن هذا العنف الجامح الذي تعمد إليه الجماهير هو السبيل الأجدى للدفاع عن مصالحهم الخاصة. ثم إنهم غير مقتنعين بجدوى الأساليب العنيفة. وعندهم أن كل محاولة لتحطيم الاضطهاد الاستعماري بالقوة إنما هو سلوك يأس، سلوك انتحار. ذلك أن دبابات المعمرين و الطائرات المقاتلة تحتل في أدمغتهم مكاناً كبيراً،  فمتى قلت لهم يجب أن نعمل رأوا القنابل تتساقط فوق رؤوسهم ورأوا الدبابات تزحف على طول الطريق ورأوا الرشاشات والشرطة فظلوا قاعدين لا يتحركون.

 

إن عجزهم عن الانتصار بالعنف أمر لا حاجة للرهان عليه. إنهم يبرهنون على هذا العجز في حياتهم اليومي وفي مناوراتهم...

 

يتصور هؤلاء أن للعنف شروطه التحضيرية والواقعية  إن له أدوات  يجب إنتاجها. وزبدة القول هم يعتقدون أن انتصار العنف يقوم على إنتاج الأسلحة وهذا يستند على القوة الاقتصادية، على الدولة الاقتصادية وعلى الوسائل المادية التي توضع تحت تصرف العنف، الواقع إن الإصلاحيين لا يقولون شيئاً آخر:

 

 

 

"بأي شيء تريدون أن تحاربوا المعمرين؟ بسكاكينكم؟ ببنادق الصيد التي عندكم ؟"

 

 

 

تعليق

 

كأن هذا النص مكتوب اليوم. فكأنه يوصف موقف شرائح من المثقفين العرب من حرب التحرير العراقية.

 

 

 

فالبعض يمسك العصا من المنتصف ويعلن إدانته للعنف من أي طرف كان مساويا بين الضحية و الجلاد . متجاهلاً أن خالق العنف الأساسي هو المحتل الأمريكي. وهؤلاء المثقفون يبدون تقززا في كتاباتهم وفي أحاديثهم من العنف الذي تمارسه المقاومة ويبدون تخوفهم من مشروعها العنيف على مستقل المنطقة، حتى أنك تحسبهم من أتباع غاندي، أو من النباتيين الذين يتقززون لمجرد رؤية حيوان يذبح فما بالك إذا كان الدم المراق إنسانياً. لكن للأسف هم على الصعيد الشخصي ليسوا كذلك. أقترح عليك أن تجرب أن تمس مصالحهم الشخصية ولو قليلاً عندها ستختفي كل حمائميتهم و سيتحولون إلى وحوش كاسرة مستعدة لافتراس كل من يمد يده إلى جيبهم . إن الشيء الوحيد الذي يتساهلون به و يبدون تسامحا واستعداداً للتفريط به هو حقوق أمتهم ودماء أبناء شعبهم ...!!

 

 

 

وآخرون لأن صنعتهم الكلام يظنون أن الكون يتغير بالكلام ........

 

 

 

وقسم ثالث يقول لك إن شروط الثورة والتغيير أن يكون الشعب حراً وممتلكاً لقراره. طيب إذا كان الشعب حراً وممتلكا لقراره لم هو بحاجة إلى الثورة و التغيير؟

 

 

 

وقسم رابع يحيل مسألة الثورة ومقاومة الاستعمار إلى قصة تكنولوجية. فبحسبهم أنه يجب أولا اللحاق بالغرب تكنولوجياً، كي نصنع الطائرات والمدافع المتطورة ونبني المصانع. وآخرون يضيفون إلى هذه الشروط أن تكون المرأة حرة وأن نقضي على الفقر والجهل والأمية وننشر التفكير العلمي...

 

          إن رائد هذه الطريقة بالتفكير هو الراحل أنور السادات (حين تعهد بان لا يرسل جنديا مصريا للجبهة قبل أن يضع الإلكترون في يده ويقول له "روح حارب بيه" ليكون بمستوى الحرب الالكترونية) كما قال أحدهم متهكماًُ ...

 

لو أن الشعوب المستعمرة فكرت بهذه الطريقة لما جرت ثورة واحدة في التاريخ. فقد كان يتوجب على فقراء ومعدمي باريس أن ينتظروا خلاصهم من الإقطاع بعد أن يحوزوا على علم النبلاء ورقتهم وشغفهم بالحياة ثم ينتفضوا. وكذلك كان على البلاشفة أن يفعلوا. والجزائريون كان عليهم أن يمتلكوا القوة النووية و المصانع قبل أن  يثوروا على الفرنسيين..!!

 

الثورة هي فعل تغيير يعتمد على قوة إرادة الإنسان، الإنسان الذي نفض عنه كل وهم و كسر قيوده وحسم اختياره إما الشهادة أو الحرية، وهذا الإنسان الذي يأس من كل شيء ولم يعد يعنيه سوى أن يحصل على حريته أو يموت من أجلها هو سلاح التدمير الشامل الذي يقلب كل موازين القوى العسكرية والاقتصادية والسياسية. أما انتظار تبدل الموازين المادية حتى يحصل التحرير فهذا مكانه عالم آخر لا وجود له إلا في أذهان المثقفين الذين (دبابات المعمرين ( المستعمرين) والطائرات المقاتلة تحتل في أدمغتهم مكاناً كبيرا))

 

 

 يقول فانون:

 

 

"إن في الكفاح المسلح شيئا يصح أن  نسميه (النقطة التي لا عودة بعدها). و هذا يحققه أعمال القمع الواسعة. إن الإنسان يتحرر في العنف وبالعنف. ففي الجزائر جميع الرجال، تقريباً، الذين دعوا الشعب إلى الكفاح الوطني محكومين بالإعدام. وهنا نلاحظ أن الثقة تتناسب مع مقدار ما في كل حالة من يأس."