كي لا تكون الانتخابات حرباً داخلية قذرة وتكسبها واشنطن

 

 

 

 

بقلم :د. عادل سمارة

 

أيهما أصعب، تجربة النضال الوطني أم تجربة النضال الديمقراطي؟ ايهما أصعب تجربة مقاومة الاحتلال أم تجربة مقاومة الفساد والإفساد المحلي؟ أيهما أصعب اكتساب التاييد الرسمي الدولي للمقاومة بعموميتها أم اكتساب التأييد الشعبي الدولي ضد الاحتلال الاستعماري الاستيطاني؟ أيهما أثمن موقف الشارع العربي أم موقف الحكام العرب...الخ هناك الكثير من الاسئلة المركبة والمعقدة، ولكننا نستدعي هذه الأمور في اللحظات التي يشتد فيها إنكشاف الرصيد الذي راكمه  شعبنا في السنوات الأخيرة.

 

فما أن بدأ الحديث عن تجاوز القوى التي رفضت أوسلو ولا سيما حماس حتى  بدأ امتشاق أسلحة التناقض الداخلي، في تجاوز لأمرين هامين:

 

الأول: وكأننا انتهينا من معركة التحرير

 

والثاني: وكأن الديمقراطية هي معركة تُخاض باسلحة المقاومة.

 

لا أود في هذا السياق إستشارة  العواطف الوطنية واستدعاء "التشفي" الاجنبي لتجنب الصراع الداخلي. فالمهم هو أن نحسم الموقف بين أمور ثلاثة:

 

 

 

- لماذا قررت قوى الرفض دخول الانتخابات وما هو الثمن الذي تستعد لدفعه، أي الى أي حد.

 

- وهل يمكن للانظمة المعادية التي تعتبر موتانا ومن سيلدون منا إرهابيين، أن تبحث لنا حقا عن طريق ديمقراطي؟

 

- وهل الديمقراطية حتى بالمفهوم الغربي المزعوم ممكنة بكل هذه الفورية في مجتمع عالمثالثي ؟

 

       

 

قررت القوى الرافضة لأوسلو، وأعني هنا التي لا تزال ترفض أوسلو المشاركة في الانتخابات لعدة أسباب. لعل أحدها ان النظام السياسي الحالي في فلسطين قد تعفن باختصار الزمن. فبدل ان يستغرق الفساد والافساد عشرات السنين لم يتطلب سوى بضع سنوات  او الحد الادنى من البضع. وكأنه اختصار "ثوري" للمتطلبات الزمنية للفساد وقد ساعد على ذلك الاختصار الجغرافي او المكاني أي إقامة حكم ذاتي في دولة من بضع دونمات. وقد يكون لهذا تفسيره السهل. فتجربة عشرات السنين بين قيادة م.ت.ف والانظمة العربية كانت كافية لتكون القيادة الفلسطينية نموذجاً أو تلميذا نجيباً للغاية عن الانظمة العربية حيث هضمت بسرعة تراثها في انعدام ثقافة التنمية، وانعدام الديمقراطية، والاعجاب بالغرب الرأسمالي وامتلاك الحاكم للارض وما عليها وما في باطنها، أما سمائها، سماء الوطن العربي فهو للنسور، ولا نسور بين هذه الانظمة.

 

 

 

لذا اعتقدت القوى الرافضة لأوسلو أن عليها اليوم محاولة تخليص الطبقات الشعبية بل البلد باسره من نظام "الاقتصاد السياسي للفساد" . وربما ان هذا ليس مجرد اعتقاد، فطالما سمعنا هذا الطلب من أناس عاديين: اين أنتم أمام انتهاك الحريات والاموال ؟ والمقصود كل من رفض أوسلو.

 

 

 

ولكن علينا الاعتراف أن فريق أوسلو بل فرقاء أوسلو استطاعوا تثبيت اوسلو على الارض ليتحكم بالعباد والعبيد إلى درجة أصبح اقتلاعه أمر ليس بمقدور الرافضين. بل إلى درجة أصبح على الرافضين كي يخدموا المجتمع أن يدخلوا في معركة أوسلو التي ألقت ورائها الطبقات الحاكمة في الولايات المتحدة والكيان الصهيوني الاشكنازي والانظمة العربية بكل ثقلها. لقد وصلنا الى درجة لم يعد بوسعنا عدم رؤية الواقع الجديد لأوسلو. ورؤية الواقع الجديد لا يعني ان أوسلو تغير ولا يعني أننا نؤمن به. ومن هنا اصبح على كل الرافضين وعلى رأسهم حماس:

 

 

 

                إما البقاء على موقف متطهر وهذا إرضاء للنفس

 

                أو الدخول في معركة غير مقنعة عقيدياً ولكن فيها خدمة للناس.

 

 

 

ومن هنا كان الاعتقاد بأن دخول المجلس "التشريعي" وهو ليس  تشريعياً يمكن أن يخدم في إعادة بناء الحياة اليومية للناس، أي تخفيف انتهاك أموالهم وأحوالهم.

 

أما المعركة الاساسية التي سيخوضها كل من لم يتخلى عن الرفض فهي معركة حق العودة، التي سيتم خوضها هذه المرة من داخل المجلس "التشريعي" وهناك لن يكون حق العودة مسألة تشريعية بل سياسية قومية ودينية وطبقية، فليقرأها كل حسب عقيدته.

 

 

 

والامر الثاني، أي هل يمكن للأعداء أن يختاروا لنا، أو يُنيروا لنا،  طريق الديمقراطية؟ وأن يتخلوا عن وصف شعبنا بالارهاب؟ والجواب ببساطة لا. ولكن، على القوى الرافضة وخاصة حركة حماس، أن تدخل التجربة. فالابواب مغلقة، والمرحلة وقحة وقبيحة، وتهم الارهاب وعدم الديمقراطية والاصولية والسلفية...الخ جاهزة بل صدرت منذ زمن ولا تزال تتم طباعتها يوميا ليس في مطابع البيت الأبيض وحسب بل في مطابع المنظمات المحلية غير الحكومية وأدعياء المجتمع المدني، والاكاديميين المنغربنين والمثقفين الذين في خدمة الآخر (العدو) وكل أنواع القطط السمان. إنهم يروننا جميعا، وليس  حماس التي حملوها كل الاوصاف السابقة، يروننا إرهابيين. فالقومي ارهابي والاشتراكي ارهابي واليساري ارهابي طالما لم يدخل "المطهر" الاميركي الصهيوني.

 

 

 

وباعتقادي ان علينا كرافضين لأوسلو أن ندخل التجربة، ولكن بوعي شديد جداً. إن تجربة الديمقراطية تجربة إنسانية هامة وراقية، ولمن لديهم حساسية من الغرب الراسمالي، وأنا منهم، فالديمقراطية بدأت في اثينا، وحضارة اليونان شرقية. ولكنها تصبح رديئة جداً عندما تدخل "معبر" التسوية التي تشرف عليها الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والانظمة العربية. ولكن كل هذا يجب ان لا يحول دون التجربة حتى لو كانت من قبيل "التدريب على السياسة والدقرطة". ولأن الامر بهذا المعنى، علينا أن لا نبني كثيرا لا على العملية الانتخابية ولا على النتائج.

 

 

 

فالذين يتبنون دقرطة الاراضي المحتلة عام 1967، هم أنفسهم الذين تقطر أجساد الأمم "وخاصة الامة العربية ومنها الفلسطينيين" دماً من سيوفهم، سواء الحكام الاميركان او الصهاينة أو الحكام العرب. ومع ذلك هناك ظروف لا بد من تفهمها عبر قراءة راس المواطنين. فإذا كانت الناس مع المشاركة في الانتخابات فليكن، وإذا حصل تزويراً فعلينا ان نكشفه للناس، بل سيكشفونه قبلنا، وهذا هو الأهم.

 

 

 

وهنا نصل النقطة الحاسمة، وهي هل تستحق مسألة التزوير اللجوء الى حالة انفجارية في الشارع الفلسطيني؟ وهل يمكن الحديث حتى عن شجار في قرية فلسطيني صغيرة بمعزل عن حضور فعلي لتل أبيب وواشنطن ودزينتين من العواصم القطرية الخطيرة. بصراحة : لا.

 

 

 

ثم هل هدف القوى الرافضةهو وصول السلطة وبهذه السرعة؟ وهل تستحق هذه المسألة سفك الدماء؟

 

بالنسبة للفاسدين ، إن كل قرش يستحق دم الوطن بأكمله. أما إذا انساق المناضل غير المتنفع الى هذا المأزق، فيكون قد فقد البوصلة وأصبح متنافساً مع الفساد على الفساد.

 

 

 

وحتى بمعزل عن الفساد، فهل وصلت الارض المحتلة الى تمثُّل تبادل السلطة؟ بالتأكيد لا. وعلينا التنبه الى ان صانعي سلام راس المال وديمقرطية الاحتلال والتسوية، يعرفون تماماً أن المناخ هنا غير جاهز لهذا التبادل. وهم يتمنون ان تسقط القوى الرافضة وخاصة حماس في مأزق انفجاري ليتم مسح أكبر عدد ممكن من شعبنا من الوجود. فكما لم يفرقوا بين عراقي وعراقي في تدمير العراق، لن يفرقوا في فلسطين.  فلن يكون الانفجار ضد فاسد في هذا الجهاز أو ذاك، بل سيكون في مواجهة الجيش الصهيوني والجيش الاميركي. وأتمنى أن يفهم الجميع هذا. هل هو غريب؟ لا. فالجيش الصهيوني يمكنه ان يجتاح مدينة غزة بعد ان يفرشها بسجادة من القنابل.

 

من أين لي هذا التعبير الوسخ والحقير؟

 

إنه من أقدم بلد "ديمقراطي" من بريطانيا من التلفزيون البريطاني. ففي عام 1991 وفي صبيحة 17-1-1991  الساعة الواحدة صباحاً حيث بدأ العدوان على العراق، بدأ التلفزيون البريطاني ، وكنت آنذاك في لندن، (بدأ بثه بعبارة تقول حرفيا They are carpeting Baghdad with bombs إنهم يفرشون بغداد بسجادة من القنابل". فهل هناك عبارة أكثر وحشية من هذه، ؟

 

ستكون مجزرة في الارض المحتلة إذن، ومن أجل ماذا؟ من أجل مقعد هنا وآخر هناك!

 

أما الأمر الثالث، أي إمكانية الدقرطة في العالم الثالث، فهذه عملية في غاية التعقيد وهي على الأقل بحاجة الى زمن تنموي، نعم وليس زمن مجاني يُقاس بالايام العادية. فبدون مجتمع صناعي لن تكون هناك ديمقراطية حقيقية. أما وقد لعب الاستعمار من لندن وباريس وأمستردام وبرلين...الخ وحتى واشنطن ولا يزال دورا رئيسا في منع تطور العالم الثالث وخاصة الوطن العربي فإنه قد منع واحتجز فرص الديمقراطية. وهذا تأكيد على ان الاستعمار لا يؤمن بأي خير لغيره.

 

 

 

هناك استثناء صعب، فقد تكون الديمقراطية ممكنة لو كانت هناك  مساحة من الوعي والثقافة بحيث يقبل الانسان الآخر بدون المرور في عملية التصنيع وبالتالي اضطرار السلطة الرأسمالية الحاكمة توفير حريات ما لكي لا تحصل اضطرابات وإضرابات تعيق خط الانتاج وتوقف تدفق الربح ومراكمة راس المال. فهل هذا المستوى الثقافي موجودا في الارض المحتلة؟ ندع الإجابة للناس.

 

ومرة أخرى الى التزوير، هل سيكون تزويرا في "التشريعي"؟ نعم سيكون. وإذا لم يفعله النظام الحاكم ستفعله اميركا، لأن الداعين لهذه الديمقراطية تحت الاحتلال يريدون وليداً مشوهاً بما هم أعداء. لقد اشرف كارتر على انتخابات الرئاسة للحكم الذاتي، وتفاخر بأنها كانت في منتهى النزاهة، كما تفاخر مندوب النظام المصري. تفاخرا رغم ان الفلسطينيين في الارض المحتلة هم انفسهم اعترفوا بأن هناك تزويراً!

 

ولكن التزوير، باعتقادي يجب ان لا يثني أحداً "كتنظيمات أو كتل" عن المشاركة في الانتخابات. بل على قوى الرفض ان تشكل جبهة انتخابية واحدة. وباعتقادي هذا هو الدرس التاريخي. أقصد تحديداُ إن تجمعا او تحالفا من القوى الاسلامية والعروبية واليسارية المضادة للتسوية والمتمسكة بحق العودة هو مكسب تاريخي يؤكد لشعبنا أن جبهة الاصرار على حق العودة هي الاوسع . ولا يهم كثيرا حصلت على الاكثرية أم لا. لأن حصولا على الاكثرية في انتخابات تحت الاحتلال لا يعود لصندوق الاقتراع، بل لصانع الصندوق.

 

ان تكوين تحالف ثلاثي هو تجاوز تاريخي لخلل قديم كانت تعيشه القوى الوطنية والاسلامية قبل عشرات السنين، أي تتصارع داخليا مما كان يُسعد الحكام العرب. هذا تحالف هام، ليس لكسب أكثرية في انتخابات احتلالية، بل لتنشيط الحوار داخل هذه التيارات وصولا الى تطور ذاتي في قبول الآخر وتطوير كل طرف لمواقف الآخر وقناعاته بما يخدم مستقبل الطبقات الشعبية بمفهوم اليسار، وبما يخدم الامة العربية بمفهوم القوميين العروبيين وبما يخدم الامة الاسلامية بمفهوم الاسلاميين. لا يهم، فليفهم كل فريق الأمر بخطابه الخاص لأن ما يهمنا هي النتائج على الارض مهما اختلفت قرءاتها.

 

وأخيرا، اذا كانت المشاركة في الانتخابات تكتيكية واضطرارية وغير استراتيجية فلماذا المنافسة المكلفة على السلطة؟ لا بد  من موازنة متزنة بين المقاومة ونقائها وبين السياسة والدرجة العالية في نجاستها.