من أجل تغيير الحال لا تغيير الحاكم و السلام

 

 

بقلم :د. مجدى هلال

Helal_ie@yahoo.co.uk

 

لعلنا نذكر ما كان في بولندا قبل عقدين من الزمان ، عندما ثار الشعب في هذا البلد الأوربي الكبير الحجم في عصيان مدني قوي ، ضد حكومته الموالية للاتحاد السوفييتي ، و برز كقائد لهذا العصيان المدني الذي امتد شهورا طويلة ، واحد من بين أفراد الشعب و العمال (ليش فاونسا) ، و لما انتهت الثورة بالنجاح ، سعى البولنديون لدى فاونسا ليكون الرئيس في العهد الجديد ، و كاد الرجل أن يرفض ، لولا الإلحاح ، و قد كان أن قاد البلاد سنوات حتى اعتزل هذا المنصب ، و قد اتخذت بولندا الطريق السليم نحو المستقبل الأفضل.

 

و في مصر الآن ، نسمع من وقت لآخر مصطلح العصيان المدني ، يقول به البعض ممن يرون أن الأحوال قد جاوزت حد الاحتمال ، و لابد أن هذا الشعب سينتفض في يوم قريب ، و لكن لا أحد يرصد بدايات أعمال عصيان مدني حقيقية ، و لا أحد يدعو إليه ، و لا أحد يبرهن على قدرته على بدء و توجيه عصيان مدني بنّاء في مصر ..

 

أمران فقط برهنا على قدرات أصحابهما في الشهور الأخيرة ، أحدهما هو المظاهرات الضخمة نسبيا التي نظمتها حركة الأخوان المسلمين في القاهرة و بعض المحافظات ، و الثاني هو النجاح السريع المؤثر لحركة كفاية في قلقلة الوضع المتجمد في البلاد ، و قد بلغ من نجاح هذه الحركة أن صارت أحداث الاستفتاء في الأيام الماضية موصوفة بالاشتباكات بين أنصار كفاية و أنصار الحزب الوطني..

 

و مع وجود أحزاب طويلة العمر في مصر ، فإن الأخبار تتناقل نشاطات الأخوان و كفاية ، ثم تتناقل أخبار زعماء تلك الأحزاب و تصريحاتهم و اجتماعتهم ، و الفرق كبير للغاية بين الحديث عن جماعة ما (الحديث عن الإخوان و ذكر أسماء كثيرة منهم ناشطة هنا و هناك ، أو في السجون ، و الحديث عن كفاية و أنصار كفاية و التي لا يعرف الكثيرون من هم الذين يديرونها) ، و بين الحديث فقط عن رئيس هذه الجماعة (الحديث عن رئيس هذا الحزب أو ذاك و اجتماعه مع رؤساء الأحزاب الأخرى و كأن الأحزاب ليس فيها إلا الرؤساء) ..

 

من هنا قد نبدأ في فهم سر تغلغل الأخوان في قلوب المصريين و سر نجاح كفاية ، إنه الفرق في الهدف من وراء النشاط ، و دعنا من الأهداف المعلنة ، فالكل يتحدث عن الأصلاح و القضاء على الفساد في نظام الدولة ، و لكن هل هذه هي أهداف الجميع ، كلا ..

 

لم يتزعم فاونسا في بولندا العصيان من أجل أن يحل محل الرئيس ، و لكنه كان عصيان ضد الظلم و الفساد ، و هو حتى لم يبدأه ، بل قد برز فيما بعد ، و من قبل هذا بسبعين عاما ، لم ينشأ حسن البنا حركة الإخوان من أجل أن يفوز في الانتخابات و يتولى الحكم ، و ربما نذكر خطط الإخوان بعد الثورة من أجل تعليم المصريين ، فقد خططوا لينتشروا بتوجيه من قيادة الجماعة و بريادة سيد قطب في أنحاء البلاد لتعليم المصريين و رفع الوعي الديني لدي الأجيال الناشئة ، و ذلك في خطة حددوا لها ثلاثة عشر عاما كمرحلة أولى ، اقتداءا بالفترة التي قضاها الرسول عليه الصلاة و السلام في مكة قبل الهجرة ، و هذا يشبه ما كان من حسن البنا حين كان يطوف البلاد مخاطبا الناس بالشكل الذي يفهمونه ... هكذا عملوا ، و لم يكن الباعث الأول لهم هو استبدال أنفسهم بنظام الحكم القائم ..

 

و كذا يبدو أن الكفايين يعملون ، إنهم ليسوا حزبا و لا نظاما يريد استبدال الرئيس ، بل هم فقط يقولون كفى ، و لابد من فتح الأبواب لكل قادر ليتقدم ، ساعين لمواجهة هذا الفساد الحاكم و كشفه ..

 

و هكذا يكون النجاح بالتواصل مع الناس ، و هو ما لم تفلح فيه الأحزاب القائمة ، لأن هذه الأحزاب إنما تعمل من أجل هدف واحد ، و هو الوصول إلى كرسي الحكم و الرئاسة ، كل من يسعون إليه هو هذا ، و كل عمل يقومون به يشير إلى هذا ، و لا أدرى لماذا يهتم أحد أو يثق بالساعي إلى الرئاسة ، ما لم يبدأ بالاتصال بالناس و العمل من أجل أمالهم معهم ...

 

و يكفي دليلا على هذا أن حكم الرئيس مبارك ، الذي علامته المسجلة ، هي حرث الأراضي السياسية لكي لا يظهر من يستطيع استقطاب الناس ، فتح أبواب الأمل أمامهم – يكفي أن يسمح هذا النظام لتلك الأحزاب بالعمل ، و نذكر من الانتخابات السابقة ان حزب العمل نجح حينما توحد مع الإخوان ، و أن حزب الوفد لم يحقق درجات أكبر من الجماهيرية إلا بتحالفه مع الإخوان في وقت ما ، و هو لا يعد الحزب الثاني في البلاد إلا بارتباطه التاريخي بسعد زغلول و ثورة الشعب في 1919 ، و هذا مثال آخر على كيفية النجاح.

 

فهل يتم البناء على ما تحقق للآن في مصر ، لقد بدأت الحركة تدب ، و ما فكرة العصيان المدني التي تتردد من وقت لوقت ، إلا الخطوة اللازمة من أجل تحقيق النصر ، إلا أن يكون هناك ، بإذن الله ، ما هو أفضل و أقل إيلاما ، و ما خطيئة الحزب الوطني في يوم الاستفتاء إلا علامة الهزة التي أصابته ، و بها نعلم أن هذا الطريق لا يمكن أن يكون سهلا ، إذ ربما أدى إلى المساس بالأعراض أحيانا ، و لكن الخطأ هو في التراجع أمام هذا ، خاصة و نحن نعلم أن حكم الرئيس مبارك ينتهج هذا الخط طوال الوقت ، و ما هذا إلا تجليا جديدا من أشكال الفساد و الاستبداد و الطغيان .. و ما المظاهرات المسموح بها إلا وسائل امتصاص الطاقة الغاضبة ، و لا يمكن أن تكون كافية .. و كيف تكفي و قد انتهكت أعراض النساء ..

 

فليتقدم القادرون على القيادة ، لقيادة المصريين لتغيير أحوالهم ، و استنقاذ مستقبلهم ، و مستقبل الشرق معه ... على ألا يكون الهدف الأساسي هو تغيير الرئيس ، أو تغيير الحكومة ، و لا يجب أن نحدد رئيسا من الآن ، يجب فقط أن نحدد قائدا لحركة التغيير ، و لما تنفتح الأبواب سيتقدم عندها القادرون على السياسة و الحكم و الرئاسة ، عملا بالمبدأ الإلاهي الخالد في كتابه الكريم "كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ" الرعد 17 ، فعندما يتاح لمن يقدرون أن يتقدموا ، لن يستطيع أهل الباطل أن ينافسوهم ، لأنه هكذا قدّر الله تعالى.

 

لن يلتف الناس حول الاضرابات و التظاهرات الهادفة لجعل فلان رئيسا بدلا من الرئيس ، و لكنهم لا شك سيعملون قدر الجهد مع من يعمل مخلصا من أجل مواجهة الفساد و الظلم ، و من أجل فتح أبواب الأمل ، و سيظهر عندها القادرون على إدارة شئون البلاد ، و ليس على مجرد حكم الناس ، لأنه يجب أن يكون الناس هم الحاكمون ، و أن يكون الرئيس المسئول أمامهم ، لا المسئول عنهم ...

 

لو تخلص البعض من التطلع للمناصب ، لأنجزوا الكثير ، و هو ما لا يدركه زعماء الأحزاب السياسية العاملة حاليا ، فإن تطلعاتهم و أحلامهم بالحكم ، تدفعهم للتنازلات المهينة التي تغلق أمامهم أبواب نيل ثقة الناس ، و هو ما نراه جميعا ، و ليس مجرد تحليل أتقدم به ... و لعل الله أن يوفق من هم أكثر إخلاصا ، و يوحد القلوب و الجهود من حولهم ، و لعله ألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ...