المستشرق
النمساوى
محمد أسد
ورأيه الغريب
فى المعجزات
بقلم
:د. إبراهيم
عوض
فى
القرآن نصوص
كثيرة تتحدث
عن معجزات
وقعت على يد
عدد من
الأنبياء
والرسل، وفيه
أيضا آيات
أخرى تقول
لمشركى مكة،
الذين كانوا
يتعنتون على
الرسول صلى
الله عليه
وسلم مطالبين
إياه أن
يأتيهم ببعض
المعجزات كما
كان يفعل الأنبياء
السابقون، إن
المعجزات لم
تُجْدِ مع
الأمم
الخالية، إذ
ظلوا على
كفرهم رغم وقوع
ما طلبوه
منها. ومع هذا
فإن بعض
المفسرين فى
العصر الحديث
قد درجوا على
تأويل هذه
المعجزات بما
يُخْرِجها عن
إعجازيتها
ويُلْحِقها
بالحوادث
المعتادة
التى تخضع
لقوانين الطبيعة
المطردة، ومن
هؤلاء
الأستاذ محمد
أسد. وقد سبقه
إلى هذه الخطة
المفسرون
القاديانيون
مثل مولاى
محمد على وملك
غلام فريد فى
ترجمتيهما
التفسيريتين
للقرآن
الكريم إلى
الإنجليزية.
ولعل مولاى
محمد على هو
الوحيد الذى
ورد اسمه فى
ترجمة محمد
أسد من بين
المفسرين غير
العرب، ولهذا
دلالته، وإن
كان الحق يوجب
أن نقول إن
أسد لا يذهب
مذهب
القاديانيين
فى فتح باب النبوة
بعد محمد صلى
الله عليه
وسلم، إذ يؤكد
أنه هو آخر
الأنبياء،
فلا نبى بعده.
ونبدأ
الكلام فى
تأويل أسد
للمعجزات بما
قاله فى معجزة
إبراهيم عليه
السلام. لقد
ذكر القرآن
المجيد فى
ثلاثة مواضع
منه تهديد
قومه له بتحريقه
فى النار وأن
الله أنجاه من
كيدهم. وإذا
كانت العبارة
فى موضعين من
هذه الثلاثة
لا تحدِّد
أَأُلْقِىَ
خليلُ الله فى
النار فعلا أم
لا، فإن
الموضع
الثالث واضح
الدلالة فى أنه
قد أُلْقِىَ
فيها لكن الله
منعها من
إحراقه، وذلك
فى قول رب
العزة: "قالوا
(أى قومه عليه السلام):
حَرِّقوه
وانصروا
آلهتكم إن
كنتم فاعلين*
قلنا:يا نارُ،
كُونِى
بَرْدًا وسلاما
على إبراهيم".
بَيْدَ أن
محمد أسد يقول
تعليقا على
ذلك إنه "لم
يحدث أَنْ
ذَكَر القرآن فى
أى موضع منه
أن إبراهيم قد
أُلْقِىَ
بجسده فعلا فى
النار وبقى
حيا فيها، بل
إن قوله تعالى
فى الآية 24 من
"العنكبوت"،
على العكس من
ذلك، يشير إلى
أنه لم يُلْقَ
فى النار. وفضلا
عن هذا
فبمستطاعنا
تتبع مصدر
القصص الكثيرة
المستفيضة
والمتعارضة
التى طَرَّزَ بها
المفسرون
القدامى
تفسيرهم
للآية التى نحن
بصددها، فى
الخرافات
التلمودية،
ومن ثم فمن
الممكن أن
نلقى بها
دُبْرَ
آذاننا. أما
ما يقوله
القرآن هنا
وكذلك فى آية
"العنكبوت" والآية
97 من "الصافات"
فلا يزيد،
فيما يبدو، عن
أن يكون إشارة
رمزية إلى نار
الاضطهاد
التى كان على
إبراهيم أن
يقاسيها
والتى ستصبح
بعد ذلك، بسبب
عنفوانها،
مصدر قوة
روحية وسلام
باطنى له"(19).
ولنا
على هذا
الكلام كلام
مثله: فأولا
ليس فى القرآن
البتةَ ما يدل
على أن خليل
الرحمن لم
يُقْذَف به فى
النار، وإلا
لكذَّب
القرآن بعضُه
بعضًا، فإن
آية
"الأنبياء"
تقول بصريح
العبارة إنه
سبحانه قد أمر
النار أن تكون
"بردا وسلاما
على إبراهيم"
بما يدل على
أنه قد ألقى
فيها فعلا،
لكنه سبحانه
سَلَبَ عنها
خاصّية
الإحراق. وعلى
أية حال فها هى
ذى آية
"العنكبوت"
أضعها مرة
أخرى تحت بصر
القارئ ليحكم
بنفسه، إذ
تقول: "فما كان
جوابَ قومه
إلا أن
قالوا:اقتلوه
أو حرِّقوه،
فأنجاه الله
من النار"،
فهل يرى
القارئ
الكريم فيها أن
قومه عليه
السلام لم
ينفذوا فعلا
ما عزموا عليه؟
ألا يوافقنى
على أن هذه
الآية مظلومة؟
ومثلها آيتا
"الصافات"،
وهذا نصهما: "قالوا:
ابنوا له
بنيانا
فأَلْقُوه فى
الجحيم* فأرادوا
به كيدا
فجعلناهم
الأخسرين".
إذن فنحن أمام
نصوص قرآنية
ثلاثة: اثنان
منها لا يقولان
إن إبراهيم لم
يلق به فى
النار،
وثالثها يقول،
وإن كان بطريق
غير مباشر،
إنه قد قذف به
فيها لكن الله
جردها من
طبيعتها
المحرقة.
أما
تأويل أسد
لهذا النص
الأخير بأن
المقصود هو
نار الاضطهاد
فقائم على
التكلف
العنيف، إذ
إنه قد دخل
الموضوع وفى
ذهنه إنكار
المعجزات،
وإلا فأين فى
الآية ما يدل
على أن المراد
شىء غير
الظاهر؟
الحقّ أنْ ليس
فى الآية ما
يدل على شىء
من ذلك، وإنما
اعتقاد بعض
الناس، حتى من
بين المسلمين
أنفسهم، فى أن
قوانين الكون
لا يمكن
إيقافها أبدا
هو المسؤول عن
الرغبة فى صرف
مثل هذه
الآيات عن
ظاهرها إلى
تلك التمحُّلات
الغريبة. ولكى
يطمئن القارئ
إلى ما أقول
ألفت نظره إلى
أن "نار
الاضطهاد" تلك
التى يذكرها
أسد لم تكن
خاصة
بإبراهيم وحده،
بل كل
الأنبياء
والرسل
قاسَوْا
لَظَاها فكانت
فى نهاية
الأمر بردا
وسلاما
عليهم، فلماذا
يا ترى لم
يذكرها
القرآن إلا فى
حالة إبراهيم
وحده دون سائر
الرسل
والأنبياء؟
وأخيرا
فكونها ترجع
إلى التلمود
ليس بالضرورة
برهانا على
فسادها، وإلا
لكان القرآن
أول من يَضْرِب
عنها صفحا.
أما وقد
أوردها مع ذلك
فهو دليل على
أنها قصة
حقيقية.
وبالمثل
يصف المؤلف
قصة سليمان مع
النملة وفهمه
عليه السلام
لما قالته
لزميلاتها من
جماعة النمل
بأنها قصة
خرافية
قُصِدَ بها
الإشارة إلى
إعجاب سليمان بعالم
الطبيعة
وفهمه له
وعطفه على
أحقر مخلوقات
الله شأنا.
كذلك ينظر
كاتبنا إلى
قصة ذلك النبى
الكريم مع
الهدهد على
أنها مجرد
مَثَلٍ ضربه
الله ليبين
لنا أن سليمان
نفسه بكل حكمته
يمكن أن يجهل
بعض الأشياء،
وهو ما من
شأنه أن
يحذرنا من
فتنة الغرور
التى تصيب
البشر،
والعلماء
منهم بوجه
خاص، مع أن
الله قد ذكر بصريح
القول أنه
سبحانه سخّر
لسليمان
جنودا من
الإنس والجن
والطير
يأتمرون
بأمره مما لم يسخره
لأحد غيره،
كما شكر
سليمان ربه
على أنْ علَّمه
منطق الطير[1].
وجَرْيًا
على نفس النهج
يقول كاتبنا
عن قصة سليمان
وعفريت الجن
والذى عنده
علم من الكتاب
وعرش بلقيس
إنها قصة
رمزية، فضلا
عن أن "الذى
عنده علم من
الكتاب" هو،
كما قال بناء
على تفسير
الرازى،
سليمان نفسه،
إذ "الكتاب"
هو الوحى حسب
ذلك التفسير. والحق
إنه لمن الصعب
جدا جدا أن
نوافق أسد على
ما يقول،
فسليمان عليه
السلام يسأل ملأه
أيُّهم يأتيه
بعرش ملكة سبإ
قبل أن تأتى هى
ورجال دولتها
مُسْلِمين،
فيرد عليه
عفريت من الجن
بأنه قادر على
أن يأتيه به
قبل أن يقوم
من مكانه.
وعندئذ ينبرى
الذى عنده علم
من الكتاب
قائلا إنه
يستطيع أن
يأتيه به قبل
أن يرتدّ إليه
طَرْفه، وعلى
الفور يجده
أمامه فيشكر
الله على هذا
الفضل. وواضح
تماما أن الذى
عنده علم من
الكتاب شخص
آخر غير
سليمان، وإلا
فإذا كان هو
سليمان، وكان
كلامه موجها
إلى الجنى على
سبيل التحدى
كأنه يقول له:
إذا كنتَ تستطيع
أن تُحْضِر
العرش لى قبل
أن أقوم من مكانى
فإن هذا لا
يرضينى، فأنا
قادر على
إحضاره فى مدة
أقل من ذلك،
فإن السؤال
حينئذ هو: ما
دام سليمان
قادرا على
إحضاره بهذه
السرعة
الفائقة التى
لا نظير لها،
ففيم كان
سؤاله لملئه
عمن يستطيع أن
يأتيه به قبل
أن تأتى الملكة
ورجالها
مُسْلِمين؟
ولم قال
للجنى: "أنا آتيك
به...إلخ" ولم
يقل: "أنا آتى
به..." دون كاف
الخطاب ما دام
الجنى لم يطلب
من أحد أن
يأتيه
بالعرش، بل
سليمان هو
الذى طلب ذلك،
ومن ثَمَّ فإن
العرش سيأتيه
هو لا الجنى؟
ولماذا قال
القرآن بعد أن
عرض الذى عنده
علم من الكتاب
أن يُحْضِره
أسرع من
الجنى: "فلما
رآه مستقِرًّا
عنده قال: هذا
من فضل ربى"؟
أترى الرازى
والأستاذ أسد
يريدان أن
يقولا: إن
الذى وجده
مستقرا عنده
وحمد الله على
فضله هو
العفريت لا
سليمان؟ لكن
هذا قلب
للأمور رأسا
على عقب لأن
المتفضَّل
عليه هنا
إنما
هو سليمان لا
العفريت،
وعلى ذلك فهو
نفسه الحامد
الشاكر. ثم إن
الضمير فى
الأفعال بناء
على تفسيرى
سيكون عائدا
على شخص واحد
بدلا من تشتيته
دون داع
وتمزيق أوصال
الآيات من
ثَمّ.
ونفس
الشىء يقوله
مترجمنا عن
قصة يونس
والتقام
الحوت له كما
وردت فى سورة
"الصافات" ،
فهى (حسبما
قال) حكاية
خرافية ذات
دلالة رمزية.
وبطن الحوت
عنده إشارة
إلى العناء
الروحى الذى
كان يرزح تحته
يونس عندما فر
من أداء رسالته،
واليقطينة
استعارةٌ
قُصِد بها
الإيماء إلى
رحمة الله له
وعودته إلى
طريق النور
والحياة
الروحية كرة
أخرى. وكل هذا
تعسف فى التأويل،
فليس من
المعقول أن
يروى القرآن
حادثة تاريخية
فيحذف
تفصيلاتها
الحقيقية
ويستبدل بها
تفصيلات لم
تقع دون أن
يوضح لنا أننا
بصدد سرد
حكاية يختلط
فيها الواقع
بالخيال. ثم
لماذا يفعل
القرآن ذلك؟
ولماذا يدور
تلك الدورة الطويلة
فيحكى قصة
السفينة
والاقتراع
وقفز يونس
منها وابتلاع
الحوت له
وابتهاله
لربه فى الظلمات
أن يغفر له
ويرحمه ونبذ
الحوت له فى
العراء ونبت
شجرة اليقطين
عليه...إلخ؟
وما الدليل
على أننا هنا
أمام قصة
رمزية لا
حقيقية؟ وما
الذى منع
القرآن من
رواية ما حدث
فعلا؟ إن
القرآن عندما
يحكى أمثال
هذه القصص
فإنه عادة ما
يمنّ على
الرسول محمد
عليه السلام
بأن الله هو
الذى أنبأه
نبأ هذه القصص
التاريخية
دون أن يكون
قد شاهد شيئا
من أحداثها،
أفلو كانت
القصة رمزية
أكان ثم موضع
للمنّ الإلهى
بهذا
الأسلوب؟
وبالنسبة
لعيسى عليه
السلام نجد
الأستاذ أسد
يؤوِّل كلامه
فى المهد بأنه
إشارة
مَجَازيَّة
للحكمة
النبوية التى
كانت تلهم
عيسى منذ وقتٍ
جِدّ مبكر من
حياته. لكن
اليهود،
عندما أشارت
إليه أمه وهو
لا يزال فى
المهد كى
يسألوه فيما
يريدون أن
يعرفوه عن السر
فى ولادتها
إياه دون
زواج، كان
ردهم عليها:
"كيف نكلِّم
من كان فى
المهد
صبيًّا؟"، وحينئذ
أجابهم عيسى
بقوله: "إنى
عبد الله،
آتانى الكتاب
وجعلنى
نبيًّا*..."،
فماذا يقول
الأستاذ أسد
فى هذا؟ إنه
يؤوِّل الزمن
الماضى هنا فى
"آتانى"
و"جعلنى"
بأنهما يدلان
على أن ذلك
سوف يحدث فى
المستقبل لا
أنه حدث فى الماضى.
وجوابنا هذا
يدل على صحة
ما قلناه عن هذه
الآية، إذ
معنى الكلام
حسب تأويله هو
أن الله
سيؤتينى
الكتاب
وسيجعلنى
نبيا فى المستقبل،
ومعنى هذا
بدوره أنه
عليه السلام
لم يكن قد
أصبح نبيا
بعد، ومعنى
هذا ثالثا أنه
كان صغيرا
حقا، أليس
كذلك؟ وإلا
فلو لم يكن
عيسى قد تكلم
فعلا فى المهد
فلماذا لم
يذكر القرآن ذلك
عن غيره من
الأنبياء
أيضا، وكلهم
بحمد الله قد
رعا الله
خطواتهم منذ
بداية حياتهم
وصنعهم على
عينه؟ ولماذا
يوافق القرآن
ما جاء فى بعض
الأناجيل من
أنه عليه
السلام قد تكلم
فعلا فى
المهد؟
أيُعْقَل أن
يحكى القرآن
القصة كما
رواها أحد
الأناجيل مما
يؤكد وقوعها،
ثم ينقلب على
نفسه وعلى ذلك
الإنجيل
مغمغما فى همس
لم يسمعه إلا
الأستاذ أسد
ومن يلفّون
لفّه بأن شيئا
من ذلك لم
يقع، وإنما هو
كلام فى
الهواء؟ إن
هذا لَبسلوك
البهلوانات
أشبه، وحاشا
لله أن يكون
هذا هو منهج
القرآن فى الشرح
والتفهيم!
وبالمناسبة
فإن
القاديانيين
هم أيضا ينفون
كلام عيسى فى
المهد
ويؤولونه بما
يخرجه عن
إعجازيته.
وهذا هو
ديدنهم مع الآيات
الخوارق التى
يؤيد الله بها
أنبياءه ورسله
كما قلنا.
أما
نَحْت عيسى
عليه السلام
طيرا من الطين
ونَفْخه فيه
فيصير طيرا
بإذن الله كما
جاء فى القرآن
الكريم فى
أكثر من موضع،
فإن مترجمنا
يؤوّله بـ
"الحظ أو
المصير"،
قائلا إن كلمة
"الطائر" أو
"الطير" قد
تكرر مجيئها
فى القرآن
بهذا المعنى
(فى "الأعراف"/
13، و "النمل"/ 47،
و"يس"/ 19 مثلا)،
وهو تعبير
عربى قديم.
وبناء على هذا
التأويل يكون
معنى الآية أن
عيسى أراد
بأسلوبه
المعروف أن
يضرب لبنى إسرائيل
مثلا يبين لهم
فيه أنه، من
طين حياتهم الحقير،
سوف يشكل لهم
رؤيا (a vision)
مصيرٍٍ يحلق
عاليا فى
أجواء
الفضاء، وأن
هذه الرؤيا
التى سوف
تتحقق على أرض
الواقع بإلهام
من ربه ستكون
مصيرهم
الحقيقى بإذن
الله وبقوة
إيمانهم.
وهذا
كله، فى
الواقع،
خَبْطٌ على
غير هدى. لكن
كيف؟ أوَّلاً
لم يحدث أن
استخدم
القرآن الكريم
لفظ "الطير"
بمعنى "الحظ
أو المصير" بل
لفظة
"الطائر"،
أما "الطير"
فهو فيه
الطيور ذوات
الأجنحة،
والآيات فى
ذلك متعددة.
ولم تشذ عن
ذلك سورة
"النمل"، إذ
استخدم فيها
القرآن لـ
"الحظ
والمصير" كلمة
"طائر" لا
"الطير"،
الذى جعله فى
نفس السورة
جندا من جنود
سليمان، ولست
أدرى كيف يكون
الحظ أو
المصير جندا
من الجند ولا
كيف يُحْشَر
مع غيره من
جنود الإنس
والجن حسبما
جاء فى الآية
17، أو كيف يمكن
تعلُّم منطقه
كما جاء فى الآية
التى قبلها.
وثانيا لقد
تكررت كلمة
"الطين" فى
القرآن إحدى
عشرة مرة،
وإذا
استثنينا آيَتَىْ
"آل عمران"
و"المائدة"
اللتين يحاول
الأستاذ أسد
تأويلهما
بِلَىّ
الرقبة، فلن
نجد لهذه
الكلمة فى
الآيات التسع
الأخرى من
معنى إلا ذلك
الذى نعرفه
للطين،
فلماذا تشذ
هاتان
الآيتان
بالذات عن
سائر الشواهد
القرآنية
الأخرى؟
وثالثا فإن
عيسى عليه
السلام كان
إذا ضرب مثلا
حكاه بلفظ
الماضى، ثم
يُفْهِم
سامعيه أن
كلامه معهم هو
على سبيل
المثل ولا
يترك الأمر
عائما، أما فى
آيتنا هذه
فإنه لا يحكى
مثلا بل يعدهم
أنه سيفعل كذا
وكذا مستخدما
عبارات واضحة
محددة لا
تحتمل لبسا
مثل "أخلق لكم
من الطير
كهيئة الطير"
و"أنفخ فيه"
و"يكون طيرا
بإذن الله".
ورابعا فقد
كان الكلام
موجها إلى بنى
إسرائيل،
الذين كفروا به
بنص الآيات
نفسها. أى أن
كلامه عن
تحويل حياتهم
من طينٍ حقيرٍ
إلى مصيرٍٍ
راقٍٍ يحلق فى
السماء لم
يتحقق منه شىء
البتة، فهل
يمكن أن يكون
هذا هو مصير
الآية التى
جاءهم بها من
ربهم؟ إن هذا
لهو العبث
بعينه! تعالى
الله عن ذلك!
إن اللغة بهذه
الطريقة تفقد
خاصتها، وهى
الإبانة
والتوضيح،
وتتحول
وظيفتها إلى
التعمية
والتضليل!
وياليت محمد
أسد قد اكتفى
بما قاله فى
الهامش، بل
انعكس ذلك على
ترجمته للآية
فأصبحت هكذا: "I shall create for you out of clay, as it
were, the shape of [your] destiny, and then breathe into it, so that it might
become [your] destiny by God,s leave
"، ومعناها:
"أنى أخلق لكم
من الطين
كهيئة مصير(كم)
فأنفخ فيه
لعله يصبح
مصير(كم) بإذن
الله". وحسبنا
الله، ونعم
الوكيل!
وعلى
ذات النهج
يمضى أسد
مفسرا معجزة
إحياء الموتى
التى عضّد
الله بها أيضا
عيسى عليه
السلام بأن من
المحتمل أن
يكون المقصود
بها بث حياة
جديدة فى
الميتين
روحيا. ثم
يضيف أنه إذا
صح هذا التفسير،
وهو صحيح
عنده، فحينئذ
يكون لإبراء الأكمه
والأبرص نفس
المعنى، ألا
وهو بث الحياة
الباطنية من
جديد فى مرضى
الروح الذين
لا يستطيعون
إبصار
الحقيقة.
ونقول فى الرد
على هذا ما
قلناه فى
معجزة خلق
الطير من
الطين، فضلا
عن التساؤل عن
الحكمة فى ذكر
البَرَص والكَمَه
بالذات دون
سائر
الأمراض،
و"البَرَص"
ليس من
الألفاظ التى
تستخدم
مجازيا فى التعبير
عن مرض الروح،
ومثله فى ذلك
"الكَمَه"،
الذى لا ينبغى
الخلط بينه
وبين
"العمى"، فهذا
قد يستعار
للعجز عن
الوصول إلى
الحق أو عن فهمه،
أما
"الكَمَه"
فهو العمى
الخِلْقِىّ الذى
يولد الإنسان
به لا الذى
يطرأ عليه بعد
ولادته.
هذا
ما قاله محمد
أسد فى
المعجزات
التى وقعت لغير
موسى من
الأنبياء،
أما معجزات موسى
فيبدو لى،
وأرجو ألا
أكون مخطئا،
أن أسد ينظر
إليها نظرة
مختلفة بعض
الشىء. ذلك
أنه يستخدم
لها لفظ
"المعجزة"،
ثم يضيف إليها
مع ذلك معنى
صوفيا أو
رمزيا. وإلى
القارئ ما
قاله عن معجزة
العصا التى
ألقاها عليه
السلام، فإذا
هى ثعبان
مُبِين يبتلع
حبال السحرة
جميعا. قال:
"إن التحول
الإعجازى
لعصا موسى إلى
ثعبان له،
فيما أعتقد،
مغزى صوفى، إذ
يبدو أنه إشارة
إلى الفارق
الجوهرى بين
المظهر
الخارجى
والحقيقة،
ومن ثَمَّ فهو
إشارة إلى
البصيرة
الروحية التى
يدرك الإنسان
بها هذا
التميز الذى
يختص الله به
عباده
المصطفَيْن".
فهأنتذا،
أيها القارئ،
ترى أنه قد
أثبت أولا
إعجازية
العصا قبل أن
يفسرها
تفسيرا صوفيا
كما قال. وفوق
ذلك فقد جعل
الترجمة هنا
موافقة للأصل
العربى، ولم
يحور فيها كما
فعل مع آية "آل
عمران" التى
تتحدث عن
معجزة خلق
الطير على يد
عيسى عليه
السلام.
وعلى
نفس المنوال
فى إثبات
إعجازية
العصا يمضى
أسد فيسمى
انفلاق البحر
لبنى إسرائيل
أيضا "معجزة".
وإلى القارئ
الكريم كذلك
نَصّ ما قاله
فى هذا الصدد:
"يبدو، من
خلال بعض
الإشارات
المختلفة فى
الكتاب المقدس،
أن معجزة عبور
البحر الأحمر
قد وقعت فى
الطرف
الشمالى
الغربى لما
نعرفه حاليا باسم
"خليج
السويس"..."، ثم
يستمر فى
الكلام قائلا
إن "ذلك
الموضع لم يكن
فى ذلك الزمان
البعيد
بالعمق الذى
هو عليه
اليوم، وربما
كان يشبه من
بعض الجوانب
ذلك الجزء
الضَّحْل من
بحر الشمال
الذى يقع بين
الجزيرة
البريطانية
والجزر
الفرنسية
بجَزْرها
الشامل الذى
يترك أعماقها
الرملية
عارية
ويجعلها
صالحة للعبور
مؤقتا والذى
يعقبه مد عنيف
مفاجئ يغمرها
تماما". صحيح
أنه يريد هنا،
فيما يبدو،
تعليل هذه
المعجزة
تعليلا
علميا، لكن
الشاهد الذى
أود ألا يغيب
عن عين القارئ
هو إقراره بأن
عبور بنى
إسرائيل
البحر كان
حادثة
إعجازية.
وأترك للقارئ
مهمة تفسير
هذا الاختلاف
بين نظرة كاتبنا
إلى معجزات
موسى ومعجزات
غيره من الأنبياء
والرسل، حتى
لو كان هذا
الخلاف ينحصر
فى مجرد
الإبقاء على
لفظة "معجزة"
أو "إعجازى" فى
حالة موسى
ونبذها فى
حالة إخوانه
الكرام، عليهم
جميعا السلام.
هذا،
ولا بد من
المسارعة إلى
القول بأن
انفلاق البحر
فى حالة موسى
لم يكن مسألة
جَزْر، وإلا
لأخذ وقتا كما
يحدث مع ظاهرة
الجزر، بل
الذى حدث أن
موسى، بوحى من
الله، ضرب
الأرض بعصاه
فإذا بالبحر
ينفلق فى الحال
فلْقين، كل
فلق كالجبل
الشامخ،
علاوة على أن
عملية الجزر
لا يترتب
عليها أن يتكوم
الماء على
الجانبين
بهذا العلوّ
المهول. كذلك
فالجزر يشمل
المنطقة كلها
ولا يقتصر على
طريق محدود
تعبره جماعة
من الناس ما
إن تتجاوزه
حتى تعود
المياه إلى
وضعها الأول
وتغرق الجماعة
الأخرى التى
تأتى على
أعقابها. ولو
كان ذلك
الموضع ضحلا
كما يقول
الأستاذ أسد
لما غرق فيه
فرعون
ومَلَؤه
وجنوده
أجمعون.
وبعد،
فإنى لا
أستطيع أن
أوافق محمد أسد
على ذلك
المنهج الذى
سلكه واتفق
فيه مع جماعة
القاديانيين
التى ظهرت فى
الهند فى
القرن التاسع
عشر، وكان
لبعض رجالها
صولة فى باكستان
إبان نشأتها
فى منتصف
القرن
الماضى، وهو الوقت
الذى كان فيه
أسد هناك يعمل
فى وزارة
الخارجية، وبالذات
فى الوفد
الباكستانى
إلى الأمم
المتحدة
قريبا من ظفر
الله خان
(القاديانى)،
الذى كان
وزيرا
للخارجية
الباكستانية
ورئيس وفد الباكستان
إلى الأمم
المتحدة فى
تلك السنين. وسبب
مخالفتى لأسد
أن القرآن قد
أثبت المعجزات
لعددمن الرسل
والأنبياء
بعبارات لا
تحتمل تأويلا
إلا إذا حطمنا
قواعد اللغة
والمنطق، فضلا
عن أن الآية 59
من سورة
"الإسراء"
تقول بصريح
العبارة ردا
على مطالبة
مشركى قريش
لمحمد عليه
السلام بأن
يأتيهم
بمعجزة كى
يصدقوه ويؤمنوا
به: "وما
مَنَعَنا أن
نرسل بالآيات
إلا أن كذَّب
بها
الأولون"،
وهو ما يدل
على أنه كانت
هناك معجزات
يُظْهِرها
الله للكفار
ثم توقفت بعد
مجىء محمد.
والآن ما معنى
هذا؟ إننا لو
جارينا
الأستاذ أسد
لترتب على ذلك
أن القرآن قد
اتبع فى الرد
على الكفار
منهجا عبثيا:
فهو قد أثبت
المعجزات
للرسل
السابقين رغم
أنه لم تكن
هناك معجزات
ولا يحزنون،
مُطْمِعًا
بذلك
المشركين فى
التعنت على
الرسول والإلحاح
فى مطالبته أن
يأتيهم هو
أيضا بمعجزات مثل
الأنبياء
السابقين
عليه الذين
أقر هو نفسه
أن الله كان
يعضدهم بها،
ومُوقِعًا
نفسه بهذه
الطريقة فى
مأزق غريب لا
يجد مخرجا منه
إلا بالقول
بأن عصر
المعجزات قد
ولى. ولقد كان فى
غنى عن هذا
كله لو قال من
البداية إنه
لم تكن هناك
معجزات فى أى
وقت، وإنه لم
يحدث أنْ أتى
أى رسول أو
نبى بشىء
منها، أو لو
أنه على الأقل
قد سكت فلم
يتعرض لهذه
النقطة، حتى
إذا طالب
المشركون
الرسول
بمعجزة كان
جوابه عليهم:
"ومن قال لكم
إنه كانت هناك
معجزات حتى
تطالبوه
بمثلها؟".
أيُعْقَل أن
يضع الله سبحانه
رسوله فى هذه
الزواية
الضيقة
الحرجة دون أدنى
داع؟ وحتى لو
قلنا إن
الرسول هو
مؤلف القرآن
(أستغفر الله!)
فإنه لم يكن
ليوقع نفسه فى
هذه الورطة
التى لا
يُحْسَد أحد
عليها، وهو
العبقرى
الراجح العقل
البعيد النظر.
ثم كيف يتفق
القرآن
الكريم مع ما
جاء فى
العهدين القديم
والجديد عن
معجزات موسى
وعيسى بالذات
رغم تأكيده
أنهما قد
تعرضا للعبث
والتحريف؟
ولقد
وقف الأستاذ
أسد مَلِيًّا
عند آية "الإسراء"
السابقة،
لكنه كعادته
حاول أن يلوى
رقبتها إلى
غير جهتها،
فوصفها أولا
بأنها مشحونة
بالمعانى
والرموز،
تريد أن تقول
شيئا آخر غير
الذى يُفْهَم
من ظاهرها (highly elleptic)،
ثم أضاف أن
القرآن فى عدة
مواضع منه يلح
على أن الرسول
محمدا، رغم
كونه آخر
المرسلين وأعظمهم،
لم يُؤْتَ
القدرة على
صنع المعجزات،
التى يقال إن
الأنبياء
السابقين
كانوا يثبتون
بها نبوتهم.
وهو ما قد
يُفْهَم منه
أنه لا يصدِّق
بوقوع
المعجزات،
فإنه لا يقول
عنها:
"المعجزات
التى كان
الأنبياء
السابقون يثبتون
بها نبوتهم"
بل "التى يقال
إنهم كانوا يثبتون
بها نبوتهم"،
أى أنها مجرد
أقاويل. لكنه،
رغم ذلك، يعود
فيقول إن
القرآن رسالة
لكل العصور
والأجناس
والبيئات
الاجتماعية
إلى آخر
الزمان، على
عكس رسالات
الأنبياء
السابقين
الذين كانت
أممهم عديمة
النضج
العقلى، ومن
ثَمَّ بحاجة
إلى الأعاجيب
أو المعجزات
الرمزية لكى
تساعدها على
إبصار
الحقيقة
الباطنة فى رسالاتهم،
أما القرآن
فجاء بعد أن
نضج الجنس البشرى
ولم تعد هناك
حاجة لتعضيده
بالخوارق أو
الوقائع
الإعجازية...إلخ[2].
ومن الواضح أن
أسد مازال
يسلك طريقا
روّاغة، فما
إن يعطينا باليمين
شيئا حتى
يسترده
بالشِّمال.
إنه يذكر "المعجزات"،
لكنه سرعان ما
يصفها بأنها
"معجزات
رمزية".
والحق
أنى لست بقادر
على أن أجد
مسوغا لموقفه من
المعجزات إلا
ما ذكرتُه من
قبل من أنها
تخرق
النواميس
الكونية، لكن
هل هذا مسوغ
كاف لإنكار
المعجزات بعد
كل تلك الآيات
القرآنية التى
أوردتُها
والتى حاول
أسد عبثا أن
يَقسِرها على
النظر إلى غير
جهتها؟ إن
الذى خلق هذه
النواميس هو
الله سبحانه،
وليس فيها ولا
فى غيرها من
أشياء الكون
ما يجبره
سبحانه على أن
يبقيها كما هى
فلا يغيرها
حين يشاء. ذلك
أن الله مطلق
القدرة
والإرادة،
والكون كله
خاضع لإرادته
المطلقة
الشاملة. صحيح
أنه أجرى
الكون على
نظام معين،
لكن من قال إن
ذلك النظام
غير قابل
للخرق فى بعض
الحالات أو إن
الكون سيضطرب
إذا انخرق؟
إن
الإمام
الغزالى مثلا
وبعض
الفلاسفة
الأوربيين
المحدثين مثل
ديكارت وهيوم
ورَسِل يؤكدون
أن ما نسميه
بـ"قانون
السببية" هو
أمر لا وجود
له، إذ
المسألة
عندهم لا تخرج
عن مجرد تتابع
حادثتين،
فنظن نحن،
لكثرة ما
نشاهد هذا
التتابع، أن
الحادثة
الأولى هى
السبب فى وقوع
الحادثة
الثانية
كالنار
والإحراق،
والأكل
والشبع...إلخ.
يريدون أن
يقولوا إنه
ليس فى النار
حتمية
الإحراق، ولا
فى الطعام
حتمية
الإشباع.[3] والإمام
الغزالى، وهو
أول من قرر
هذه الفكرة،
يرى أن الله
تعالى هو
الفعال
الحقيقى
للإحراق
والإشباع
وغيرهما، أما
النار
والطعام فلا
يزيدان عن أن
يكونا شيئين
يقع معهما ذلك
دون أن يكونا
هما السبب
فيه. وهو ما
يعنى أن الله
لو أراد أن
تكون نار ولا
إحراق، أو
إحراق ولا نار،
لكان ما أراد.
وهذا، فى
الواقع، هو الرأى
الذى ينسجم مع
الإيمان
بالله وقدرته
ومشيئته
اللتين لا
يعجزهما شىء
فى الأرض ولا
فى السماء.
ولا يقولن أحد
إن هذا معناه
أن الكون،
بهذه
الطريقة،
ستسوده
الفوضى بحيث
لا تستطيع
البشرية أن
تتعامل معه.
ذلك أن هذا
الخرق للنواميس
لا يقع إلا
بين الحين
والحين البعيد
وفى أضيق
نطاق، وعلى
نحو عارض تعود
الأمور بعدها
إلى ما كانت
عليه. على ألا
يغيب عن بالنا
فى ذات الوقت
أن إرادة الله
هى صاحبة
الكلمة
الأولى
والأخيرة فى
ذلك. حتى إذا
رأت تلك الإرادة
فى نهاية
المطاف أن هذا
النظام الذى
يجرى عليه
الكون الآن لا
بد من هدمه
واستبدال
نظام آخر به
عند مجىء يوم
القيامه كان
لها ما رأت،
ووَقَفَ
العمل بهذا
النظام، وبدأ
نظام آخر يقوم
على قوانين
أخرى غير التى
نعرف فى
دنيانا هذه،
قوانين ليس
فيها مثلا،
بالنسبة لأهل
الجنة، مكان
للموت ولا
للمرض أو
الملل أو
الخوف أو
العفن أو
النتن أو
الحاجة إلى
الإخراج...إلخ،
وهو ما أشارت
إليه الآيات
القرآنية
وفصّلته
أحايث النبى
عليه الصلاة
والسلام.
إن
الأستاذ أسد
يَعُدَ
الآيات التى
تتحدث عن معجزات
الأنبياء من
ذلك الصنف من
الآيات المسماة
بـ
"المتشابهات"
(حسبما ورد فى
الآية السابعة
من سورة "آل
عمران") والتى
تحتاج إلى
تأويل[4]. وقد
نسى أن القرآن
قد قال فى تلك الآية
ذاتها: "فأما
الذين فى
قلوبهم زيغ
فيتّبعون ما
تشابه منه
ابتغاءَ
الفتنة
وابتغاءَ تأويله".
وإنى لأتساءل:
هل تلك الآيات
هى فعلا من
متشابهات
القرآن؟ فأين
الدليل؟ وإذا
كانت، فهل
تنبه أسد إلى
مغزى ما قالته
آية "آل
عمران"؟ ألا
يرى أنها تدين
صنيعه إذ يحاول
تأويلها؟
إننى أفهم أن
تكون آيات
الصفات مثلا
من
المتشابهات،
فإنها تتحدث
عن جانب من عالم
الغيب الذى لا
نستطيع الخوض
فى مياهه، أما
الآيات
الخاصة
بالمعجزات
فتروى حوادث
تاريخية لا
غيب فيها ولا
متشابهات.
ولقد أورد علماء القرآن فى تفسير المتشابه من القرآن آراء متعددة ليس من بينها المعجزات، فقالوا:المتشابه ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة وخروج ال