سورية وضرورة التسامح

 

 

 

بقلم :محمد كريشان

 

إفراج السلطات السورية أمس الأول عن جميع أعضاء مجلس إدارة منتدي جمال الأتاسي للحوار الوطني الذين كانوا اعتقلوا الثلاثاء الماضي في دمشق خطوة إيجابية بلا شك ولكنها تظل منقوصة لأنها أولا استثنت الكاتب علي العبد الله وثانيا لأنها لم تتنزل إلي حد الآن علي الأقل في سياق انفراجي عام في البلاد.

 

موجة الاعتقالات الأخيرة مرتبطة بندوة عقدها المنتدي في السابع من الشهر الماضي عرضت فيها أطراف سياسية واجتماعية سورية مختلفة ـ بما فيها حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم ـ أطروحاتها وآراءها عن الإصلاح السياسي المطلوب في البلاد ولم تكن تهمة علي العبد الله فيها سوي أنه قرأ، بتكليف من إدارة المنتدي، رسالة حركة الإخوان المسلمين في سورية المحظورة إلي المنتدي فتمت إحالته إلي محكمة أمن الدولة، وبالتالي لم يكن من بين المفرج عنهم رغم أن القضية واحدة وما كان من المنطقي أن يطلق سراح الجميع ويحال إلي المحكمة من لم يفعل سوي تنفيذ ما كلفه به المطلق سراحهم!! وبذلك تزداد معاناة شخص حورب طوال السنوات الماضية في لقمة عيشه وفي حرية تنقله عبر سحب أو عدم تجديد جواز سفره. ثم إن تجنب السلطات أية إجراءات انتقامية تجاه منتدي الأتاسي، وهو بالمناسبة الوحيد المتبقي من منتديات المجتمع المدني التي ظهرت في ما عرف بـ ربيع دمشق الذي أعقب تسلم الرئيس بشار الأسد السلطة عام 2000، يظل علي أهميته منقوصا طالما استمر اعتقال أو سجن آخرين من أبرزهم محمد رعدون رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سورية الذي أوقف مؤخرا وأكثم نعيسة رئيس لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية والناطق الرسمي باسمها المعتقل من منتصف نيسان (ابريل) الماضي والمحال إلي محكمة أمن الدولة العليا وهو يعاني من مشاكل صحية عديدة فضلا عن البرلمانيين رياض سيف ومأمون حمصي والأكاديمي عارف دليلة وحبيب عيسي أحد نشطاء المجتمع المدني المعروفين.

 

كثيرا ما تبرر سورية وغيرها حالات الاستنفار المشابهة ضد المطالبين بالحريات والديمقراطية ونشطاء حقوق الإنسان والمعارضين بأن السلطة والبلاد عموما تواجه تحديات خارجية كثيرة وأن الظرف غير ملائم بالمرة لتفتيت الجبهة الداخلية بسجالات ومطالبات هنا وهناك مع أنها لو عكست لأصابت، فتحديدا لأن البلاد تعيش ظرفا كهذا ـ وبالنسبة إلي سورية الوضع هش للغاية بعد الخروج الذي نعرف من لبنان واستمرار الاتهامات والضغوط المتعلقة بالعراق وما يوصف بدعم الإرهابـ لا مفر من تنفيس الحياة السياسية الداخلية والعمل علي نشر أجواء التعبير الحر والتعددي بعيدا عن أجواء التخويف والملاحقة وهي أجواء يستفيد منها الجميع، سلطة ومعارضة، بل والسلطة أكثر من المعارضة لأنها بذلك تصبح قادرة علي الاستفادة من كل الآراء التي تريد المشاركة والمساعدة في إخراج البلاد من أزمتها، مع ما يعنيها ذلك من مسؤولية الجميع، وفي ذات الوقت تعمل السلطة علي فك أي ارتباط أو تقاطع يمكن أن يحصل الآن أو في المستقبل بين التبرم الداخلي والضغط الخارجي وهو تقاطع إن وصل عند نقطة معينة لا أحد يضمن أن يتحول إلي التقاء ستعمل بعض الأوساط الشعبية، حتي من بين غير المسيسين كثيرا أو المنظمين، علي إذكائه نكاية في سلطة متسلطة وشماتة فيها والدرس العراقي يغنينا جميعا عن مزيد من الشرح أو التفصيل.

لقد أقدمت الحكومة السورية مؤخرا علي بعض الخطوات الانفراجية المحسوبة في مجال الاعلام خصوصا لكنها أحيانا ما تلجأ إلي خطوات إلي الوراء غير مبررة ولا مقنعة خاصة وأنها لا تتجاوز جميعها قضايا تتعلق بتعبير سلمي علي الآراء مع أن الدستور السوري ينص في مادته الــ 38 علي ما يلي : لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير. ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية فهل ينهي المؤتمر القطري لحزب البعث في السادس من هذا الشهر هذه المفارقة؟