الله أكبر.. انتفاضة الصحفيين والأطباء زخم جديد ضد حكم مبارك

نحن.. ومبارك.. وأمريكا

* اعتراضنا الأول على مبارك: عمالته للحلف الصهيوني- الأمريكي

* مشروعنا للإصلاح السياسي.. وطني استقلالي

* الأسباب الحقيقية لحملة أمريكا وأوروبا على مبارك

 

 

 

 

 

مجدي أحمد حسين

magdyhussien@hotmail.com

 

انتفاضة الصحفيين يوم الأربعاء 1/6/2005 كانت الحلقة الجديدة في مسلسل انتفاضة الشعب المصري ضد حاكم التبعية والاستبداد والخيانة، فكلما تصور البعض أن الحركة قد تفتر، يأتي مدد جديد من قطاعات وشرائح جديدة من الشعب المصري تنتفض دفاعًا عن حقوقها: في الحياة والكرامة والشرف،التي استلبها هذا الحكم عديم المشروعية والأخلاق.

 

فقد تجمع في نقابة الصحفيين قرابة ألف صحفي، وقرروا عقد جمعية عمومية غير عادية، تظل في حالة انعقاد دائم حتى إقالة وزير الداخلية، وإدانةالمجرمين الذين اعتدوا على شرف الصحافة والصحفيين والمحامين، وشرف الوطن بأسره. وحماقة نظام القمع والاستبداد الذي يدافع عن وجوده في المربع الأخير وظهره إلى الحائط، حماقة هذا النظام هي التي تعطي للحركة دماءًا جديدة، فكلما صعّدوا اعتداءاتهم على أبناء الشعب، كلما انضمت قوى جديدة إلى ميدان المواجهة، وتعززت أطواق الحصار على نظام فاقد الأهلية والشرف. فهؤلاء هم أنصار مبارك وقاعدته الحزبية و"الجماهيرية": مسجلون خطر- بلطجية بالأجر- نشالون- مغتصبو نساء- لصوص... وهذا هو عنوان عهد مبارك الذي صرح بنفسه أنه بإمكانه أن ينظم المظاهرات بـ"شوية فلوس"، والمعروف أن المتظاهرين بالفلوس لايكونون إلا أمثال هؤلاء،من العناصر الإجرامية التي لا يخلو منها أي مجتمع.

 

وكما قلت من قبل، فإن حزب مبارك عجز عن تجميع مجموعة من الأفندية من العاملين بالسياسة، والذين يمكن أن يقوموا بدور المدافعين عن عهده بوسائل متحضرة أو سلمية، ولكن أنّى يجد مبارك أمثال هؤلاء ليدافعوا عن عهد الاعتقالات والتعذيب بالكهرباء واغتصاب الرجال والنساء، والمبيدات المسرطنة.

 

بل ثبت أنه لم يطلب من النائب العام التحقيق في هذه الجرائم إلا بعد أوامر مباشرة من جورج بوش، الذي لا يستمع إلا لصوته وتعليماته، ولكنه فقد السمع تجاه مطالب المصريين.

 

ومن إنجازات انتفاضة الأربعاء.. أننا حررنا من جديد مربع شارع عبد الخالق ثروت الذي يضم نقابتي الصحفيين والمحامين ونادي القضاة، وعدنا نتظاهر فيه من جديد ضد مبارك وحكمه وزبانيته، بعد أن استكثروا علينا سلالم نقابة الصحفيين التي هزت عروش الطغيان، وسحقت مئات المحطات الإذاعية والتليفزيونية الحكومية ومجلات وصحف النظام المنافقة الرخيصة.

 

فالنظام لجأ إلى البلطجية لأنه لم يجد عشرات من المحامين أو الصحفيين ليدافعوا عنه في هذا المربع الذي حررناه من البلطجية ووقاحة الداخلية، علمًا بأن البؤر المحررة باتت تنتشر في مختلف ربوع الوطن؛ داخل العديد من مقرات النقابات والأحزاب وعلى أبوابها، وستظل تتمدد حتى تشمل الوطن بأسره قريبًا بإذن الله.

 

أما موضوعنا الرئيسي اليوم، فهو مسألة أمريكا وموقفها من ما تسميه "الديمقراطية"، وحملتها السياسية والإعلامية على حكم مبارك.. وكنت قد وعدت القراء بالكتابة حول هذا الموضوع..( نحن.. ومبارك.. وأمريكا)..

 

ثوابت موقفنا من حكم مبارك:

 

         لا شك أننا أمام موقف تكتيكي أمريكي جديد، أو تعديل محدد- جديد- في استراتيجيتها، وهذا ما يحتاج إلى وقفة تحليلية لنفهم كيف يتطور الصراع في المنطقة، وكيف نديره من وجهة نظر أمتنا ومصالحها العليا.. ولكن قبل ذلك لابد أن نحدد ثوابتنا- أعني حزب العمل ومن يقترب من رؤيته- ونعيد التأكيد عليها،؛ لأن الثوابت لا تتغير بتغير الظروف والمواقف المضادة.

 

لقد بدأنا حملتنا المركزة على حكم مبارك عندما تأكدت مواقفه الخيانية تجاه قضايا أمتنا، وذلك بعد أن أصابتنا بعض الآمال في إمكانية التحسن التدريجي في سياسة الحكم للخروج من براثن التبعية إلى درجة من الاستقلال ، وكان ذلك في الفترة ما بين 1996- 1999م؛ حيث كنا نرصد تغير موقف الحكم منذ عقد قمة القاهرة 1996، والاعتراف بحق المقاومة الشرعية في لبنان وفلسطين بعد أن كانت تنعت بالإرهاب، بالإضافة لعدد من ا لمؤشرات الأخرى. ولكن هذه التحولات البطيئة سرعان ما انهارت بانتصار اللوبي الصهيوني في قضية يوسف والي، ثم في قضية مطبوعات وزارة الثقافة، وما أدى إليه ذلك من حبسنا- في قضية والي- وإيقاف الجريدة وتجميد الحزب- في قضية مطبوعات وزارة الثقافة- وكانت ذروة هذه المرحلة: التجديد لفترة رابعة لمبارك، وإجراء تعديل وزاري نحو الأسوأ، بالإطاحة بكمال الجنزوري لصالح عاطف عبيد، والتمسك بيوسف والي كنائب أوحد لرئيس الوزراء وأمينًا عامًّّّا للحزب الحاكم، ووزيرًا للزراعة.

 

         ورغم استمرار تجميد حزبنا ووقف الجريدة "الشعب" ، وهو في حد ذاته مؤشر على التنكيل بالخط المستقيم في معاداة الحلف الصهيوني- الأمريكي، بينما عملاء أمريكا وإسرائيل يكرمون في كل المحافل ويتولون المواقع في شتى المناصب الرسمية والإعلامية وفي الهيئات المختلفة، ورغم السياسات العامة التي تسير من سيئ إلى أسوأ كنا نتصور أنه ما يزال هناك في دوائر الحكم قوى قادرة على إعادة السير نحو التحسن في اتجاه الاستقلال الوطني، وبالأخص بعد حالة الضعف التي اعترت الولايات المتحدة، واختلال التوازن الذي صحب أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ولكن الذي حدث هو العكس تمامًا، فارتمى حكم مبارك- خوفًا وطمعًا- في أحضان الولايات المتحدة، وشاركها في حربها على ما يسمى "الإرهاب" بالمعلومات الاستخبارية وفتح الأجواء المصرية لضرب واحتلال أفغانستان. وعلى التوازي من ذلك واصل النظام خنوعه أمام الكيان الصهيوني؛ فكان موقفه المخزي من انتفاضة الأقصى، حيث لم يتخذ إجراءًا واحدًا ضد إسرائيل، بل ضيق على كافة أشكال التحرك الجماهيري لمناصرة الانتفاضة، وبالأخص في مجال تقديم العون المادي أو المالي أو المتطوعين.

 

         وبالتوازي مع مجزرة جنين كانت هبّة شعبية مصرية لمناصرة فلسطين، وكتبت منذ ثلاث سنوات ( أبريل أو مايو 2002) مطالبًا باستقالة حسني مبارك؛ لعجزه عن اتخاذ أية خطوة واحدة ضد الكيان الصهيوني.

 

         ثم جاءت عملية غزو العراق.. وهي القارعة.. وكان موقف مبارك الخياني المعروف، وقد كتبنا عن ذلك- في ذلك الوقت- بالتفصيل والأدلة الدامغة، وطرحنا شعار إقالة مبارك، وكانت انتفاضة على الإنترنت تؤيد ذلك وتقرنه بتدهور مختلف مناحي الحياة الداخلية، وانهمرت علينا عشرات الآلاف من الرسائل بهذا المعنى، بينما كانت المظاهرات العفوية تطالب أيضًا بإسقاطه.

 

          وأصدر المكتب السياسي لحزب العمل بيانًا صريحًا يطالب بإنهاء حكم مبارك استنادًا إلى سياساته الداخلية والخارجية المرفوضة شعبيًّا، والتي يصر على المضي فيها بعناد دون الاستماع لنبض الشعب. ثم توسعت بعد ذلك الدوائر السياسية والشعبية التي ترفع ذات الشعار.

 

          نخلص من كل ذلك، أنه كان بإمكاننا الصبر على استبداد حكم مبارك وفشله الذريع في مجال السياسات الاقتصادية والاجتماعية لو أنه حافظ على استقلال  البلاد، وتمسك بالقضايا العليا للأمة العربية والإسلامية، ولكنه أصر على أن يجمع بين التبعية والاستبداد والفساد في سبيكة واحدة لا تتبدل.

 

         وقد رأينا دائمًا- في حزب العمل- أن قضية الاستقلال الوطني هي القضية الأولى والأولوية الاستراتيجية، وان استقلالنا الوطني مرتبط بمختلف قضايا الأمة العربية والإسلامية في ظل عدوان واحد مستمر على مقدراتنا من الحلف الصهيوني الأمريكي، وان إقامة علاقات استراتيجية مع المعتدين خيانة صريحة للدستور والشريعة الإسلامية والمصالح الوطنية المصرية الصميمة.

 

         إذن كانت مشكلتنا رقم 1 مع حكم مبارك- وأي حكم آخر- هي قضية الاستقلال. وعندما نرفض التمديد أو التوريث فهو من هذا المنظور أولاً وقبل كل شيء.

 

         وأثناء تشكيل حركة "كفاية" كانت هذه نقطة جوهرية خلافية، وهذا هو سبب تشكيلنا لـ "الجبهة الوطنية من أجل التغيير" التي تربط بحزم ووضوح بين القضايا الوطنية وقضية الحريات، وتم تعديل البيان التأسيسي لحركة " كفاية" على أساس هذه الرؤية وقررنا التعاون بناءً على هذا البيان. ولا شك أن حركتنا في الشارع- وقد حمي الوطيس- كانت تركز على الأوضاع الداخلية؛ لإيجاد توازن مع تركيزنا شبه الدائم على مدار خمس سنوات على القضايا القومية، ليس من أجل إشعال حماس الشعب المصري فحسب، ولكن لأن الدمار الداخلي- الذي حاق بمصر في شتى المجالات- تجاوز كل الحدود، وأن تحرير مصر من حكم التبعية والفساد والاستبداد لا يقل أهمية عن تحرير فلسطين والعراق، بل هو الأكثر أهمية؛ فمصر هي بلدنا ومصر إذا تحررت ستتحرر الأمة بأسرها.

 

          أدركنا أخيرًا أن مناصرتنا للعراق وفلسطين لا تبيح لنا عدم مناصرة مصر!! أدركنا أن حكم مبارك جزء لا يتجزأ من منظومة العدوان على مصر والأمة.. أدركنا أن مناصرة فلسطين والعراق ستظل غير مؤثرة طالما بقي حكم مبارك، حتى في نصرة هاتين القضيتين، لأنه يستخدم إمكانيات مصر في دعم العدوان. ومن الطبيعي في هذا المعترك أن تطفو على السطح قضية الحريات والإصلاح الداخلي بالأخص مع تصعيد حكم مبارك للعدوان على الشعب المصري. ومن واجبنا أن نحرر أنفسنا وشعبنا من ربقة الاستعباد لنظام لا هم له إلا إرضاء أمريكا وإسرائيل، والاستمرار من خلال ذلك في دست الحكم.

 

         كانت هذه هي آليات الصراع ، وكيف تطور.. وكانت اللقاءات المكثفة التي مهدت لهذه الحركة العارمة الآن، في صيف 2004، وهي اللقاءات التي بادر إليها حزب العمل، والتي التقت مع مبادرة أخرى أسفرت عن "الجبهة الوطنية من أجل التغيير" و"كفاية"، ثم جاءت الفترة الثانية لجورج بوش، وجاء خطابه في يناير 2005 الذي أعلن فيه توجهًا "جديدًا" للإدارة الأمريكية، وهذا ينقلنا إلى حكاية الموقف الجديد القديم عن "الديمقراطية".

 

هل يوجد موقف جديد حقًّا للإدارة الأمريكية فيما يتعلق بالديمقراطية؟!

 

         كان خطاب العرش أو خطاب تسلم الفترة الثانية لجورج بوش مفاجئًا بعض الشيء، فقد كان الجميع في بلادنا متشائمًا من هذا الفوز ومتوقعًا أن أمريكا ستكون أكثر شراسة في هذه المرحلة.. ولكن، جاء الخطاب كالتالي:

 

لم يرد في الخطاب أي ذكر للعراق، رغم أن غزو العراق أهم عمل قامت به الإدارة، وكأن العراق عورة يراد إخفاؤها. ولم يرد في الخطاب أي ذكر لـ"الإرهاب"؛ وهو المصطلح الحركي للإسلام، وفي المقابل ورد ذكر الحرية والحريات والديمقراطية عشرات المرات، وهكذا بدا أن الإدارة تريد أن تتجمل وتطرح شيئًا "بنّاءًا" بدلاً من برنامج الهدم للإسلام والمسلمين.

 

         وأعلن بوش أن إنجيل فترته الثانية كتاب ليهودي إسرائيلي- أمريكي، وأحد وزراء شارون ، حول الديمقراطية، وأن الديمقراطية هي الوسيلة للقضاء على الإرهاب ولازدهار العالم.

 

          ولا شك أن هذا الخطاب- أو الخطة- أكثر ذكاءً من خطاب السحل والقتل والتدمير، وهو محاولة للعودة إلى خط "الضغط اللين"، بدلاً من "الضغط الصلب" وفقًا لمصطلحات المفكرين الاستراتيجيين في أمريكا.

 

         والحقيقة فإن حديث أمريكا عن الديمقراطية لا يخدع أحدًا، فكل رؤساء أمريكا تحدثوا عن الديمقراطية ونشرها في العالم، بينما كانوا يقيمون المجازر في مختلف أركان الأرض بأنفسهم أو من خلال المستبدين المحليين من عملائهم.[راجع كتابات ناعوم تشومسكي].

 

         كما أن الديمقراطية الأمريكية ليست بالضرورة نموذجا يحتذى، وهناك العديد من الانتقادات الجوهرية عليها حتى كنظام داخلي للشعب الأمريكي.[ راجع دراسة خاصة لي حول هذا الموضوع].

 

          لقد كان الموقف الأمريكي- وسيظل- هو عدم الحماس للديمقراطية إذا أدت إلى تهديد مصالحها، وهذا ثابت في التصريحات والوثائق الرسمية، وأيضًا في الممارسات العملية؛ وهذا هو الأهم.[راجع كتاب الاستقلال الوطني والقومي- عادل حسين].

 

         لذلك بدا الموقف الأمريكي متسقًا مع ذاته تجاه أوروبا الشرقية؛ لأن الديمقراطية تعني سقوط الشيوعية ثم النفوذ الروسي، وانضمام الديمقراطيات الوليدة بحكم الثقافة الواحدة إلى دائرة المصالح الأمريكية والغربية؛ هروبًا من النفوذ الروسي الذي سأمت منه هذه الشعوب منذ روسيا القيصرية مرورًا بروسيا الشيوعية وانتهاءً بروسيا بوتين. فالكراهية متأصلة لدى هذه الشعوب تجاه روسيا نتيجة علاقة التبعية الاستبدادية التي اقترنت بفشل النظام الشيوعي اقتصاديًّا في إحداث الرخاء المنشود. وهذا هو السبب الرئيسي لنجاح تمردات جورجيا وأوكرانيا وما قبلها في أوروبا البلطيقية والشرقية، وليس مجرد أموال وأبواق إعلام أمريكا.

 

         أما في المناطق العربية والإسلامية فإن الديمقراطية ستؤدي إلى وصول الإسلاميين والقوميين المتشددين المعادين للثقافة الأمريكية وللسياسات الأمريكية المناصرة لإسرائيل والمعادية للإسلام، لذلك كانت الديمقراطية الحقيقية من المحرمات في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.

 

         وفي أمريكا اللاتينية كانت الحالة تقع في المنتصف بين هذين التطرفين، فساندت أمريكا الانقلابات العسكرية الفاشية، وبعد أن ضمنت السيطرة سمحت بالتعددية، ولكنها كانت تنقلب على التعددية إذا أتت بقوى يسارية استقلالية (انقلاب بنوشيت في تشيلي أشهر مثال)، ولم تشف أمريكا من هذا المرض، وهي على استعداد لتدبير انقلابات عسكرية جديدة كما فعلت في فنزويلا شافيز وفشلت، وهي على استعداد للعودة إلى التدخل العسكري المباشر عند اللزوم. ولكن في أمريكا الجنوبية الآن خمسة أوستة أنظمة- تتقدمها البرازيل-  كقوى قائدة وإقليمية عظمى تنحو منحى استقلاليًّا، وأمريكا تعيش حاليًا ورطة الديمقراطية في أمريكا الجنوبية. وهي من علامات ضعف وأفول الإمبراطورية الأمريكية، فإذا واصلت التمسك بشعارات الديمقراطية فإن القارة تكاد تفلت كلها من قبضتها، وهي تاريخيًّا اعتبرت الفناء الخلفي للولايات المتحدة، وإذا واصلت سياسة الانقلابات والتدخلات العسكرية فإنها ستفضح حقيقة ادعاءاتها الديمقراطية. ولكن أمريكا لا تهتم بمصداقيتها, ولكنها لم تعد تقو على حكم العالم، وهذا ما لا يفهمه الأغبياء من حكامنا في الوطن العربي، إنهم وهم عملاء أمريكا تجنبوا الاهتمام بمؤتمر القمة اللاتيني- العربي؛ وقد كان هذا المؤتمر من علامات تحرر القارة اللاتينية، ولكنهم أخطأوا العنوان، وتصوروا أن العرب يمكن أن يقيموا علاقات جادة معهم، فلم يذهب من رؤساء وملوك العرب إلا ثلاث دول بينهم فلسطين، وأبو مازن ليس رئيس دولة بحق وحقيقة، أما الرؤساء والملوك بجد فلم يحضر منهم إلا أمير قطر ورئيس الجزائر ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍.. وهذا يؤكد ما ذكرناه مرارًا ؛ إن عمالة معظم حكام العرب لأمريكا- وأيضًا معظم حكام الدولة الإسلامية- هو من أهم مصادر القوة الأمريكية في العالم.

 

         إذن هل يفهم من كل ذلك أنه لا جديد؟‍‍! ليس تمامًا، أعتقد أن هناك جديدًا؛ فتصريحات المسؤولين الأمريكيين لا تأتي إلا عقب دراسات واتفاقات بين مراكز الحكم على مضمون هذه التصريحات.. والجديد هو الإصرار على الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط (العالم العربي والإسلامي) حتى وإن أدت لوصول قوى إسلامية للحكم، حتى وإن أدى ذلك إلى بعض المشكلات (الفوضى الخلاقة)؛ لأن هذه المشكلات يمكن احتواؤها فيما بعد بإمكانيات أمريكا العظمى.

 

         هل يعكس هذا الجديد حالة من اليقظة المبدئية تجاه شعار "الديمقراطية" الذي تم تلطيخه بالأوحال والدماء في العراق وفلسطين وعبر كل بلاد العرب والمسلمين من خلال أنظمة استبدادية عميلة؟‍! بالطبع لا، فالنظام الأمريكي قلبه بارد ولا يعرف هذه الصحوات الضميرية أو الأخلاقية.. إذن ما السر في هذا التحول؟ّّّ! أم هو مجرد تلاعب بالألفاظ؟‍!

         بالتأكيد هناك تغير حقيقي في السياسة الأمريكية والأوروبية، فنحن أمام حملة إعلامية وسياسية منهجية منظمة ضد نظام مبارك، تمزج بين التحليل والتقارير الإخبارية وإعلان المواقف الرسمية بصورة متواترة مع ضغوط سياسية واضحة.

 

         الموقف الأمريكي المنسق مع الاتحاد الأوروبي يسعى بالفعل للتغيير في شكل الأنظمة التابعة، وقد تم وضع النظامين السعودي والمصري في المقدمة، ثم تم وضع النظام المصري في المحل الأول؛ حتى تصبح مصر نموذجًا يحتذى في الوطن العربي والشرق الأوسط.

 

          والتغيير الديمقراطي المطلوب يأتي في سياق مثلث أضلاعه كالتالي: ديمقراطية- علمانية- تطبيعية مع الكيان الصهيوني. ولذلك لم يكن من قبيل الصدفة أن يأتي المشروع الديمقراطي في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير الجديد، يكون الكيان الصهيوني هو واسطة العقد فيه، ويضم ديمقراطية كرزاي وديمقراطية العراق المحتل وديمقراطية فلسطين المغتصبة. وهو مشروع واحد لا يتجزأ- من وجهة نظرهم- فالديمقراطية يجب أن تكون علمانية معادية للدين ومطبعة مع إسرائيل. وقد يبدو ذلك متعارضًا مع الموقف الجديد الذي يقول بعدم الخوف من استلام الإسلاميين للحكم، فكيف تكون الديمقراطية علمانية معادية للإسلام؟‍!

 

هم يرون أن الحركات الإسلامية يمكن تطبيعها واستئناسها لتحتذي النموذج التركي، فلا تحتفظ من الإسلام إلا بالاسم، وإن هذا الاستئناس يكون بالضغوط، وما أكثر الأوراق التي تملكها أمريكا في هذه البلدان. وفترة الاستئناس هي الفترة التي يطلقون عليها "الفوضى الخلاقة".

 

         ويرى اتجاه آخر في الإدارة الأمريكية أن ذلك نوعًا من اللعب بالنار، وأننا قد نفقد أنظمة موالية لحساب المجهول، بل لحساب أنظمة معادية، وأين؟‍‍‍‍‍‍. في بلد محوري كمصر.. وإذا كان الاتجاه الأول- والذي يعتمد طريق المخاطرة-  هو الذي انتصر، إلا أنه لا يختلف جذريًّا عن الجناح الآخر، لأن مسألة المصالح تظل هي الشغل الشاغل.. وليس الديمقراطية. ويعاني اتجاه "المخاطرة"- الذي تمثله كونداليزا رايس-  من ثغرة أساسية، وهي عدم توفر البديل الأمريكي، وهو ما يعطي مصداقية للاتجاه الثاني المتحفظ. ولذلك فإن موقف الإدارة هو مزيج من الموقفين؛ فجناح الآنسة كوندي يرى التقدم بحرص حتى يمكن تحقيق سيناريو "سوهارتو أندونيسيا" أو "ماركوس الفلبين"، حيث أدت الإطاحة بهما إلى استلام تابعين آخرين.

 

         أما في مصر فالبديل غير جاهز؛ لذلك يجب عدم التعجل مع استمرار الضغط لإنضاج الطبخة، خاصة وأن الإخوان المسلمين ليسوا هم حزب العدالة التركي. وهذا الموقف يبرئ الإخوان من الاتهامات الظالمة والوقحة التي يلقيها نظام مبارك بدون دليل، فلو كان هناك اتفاق مع أمريكا حقًّا لحسم الأمر في مصر منذ زمن، في حين أن الموقف الإخواني الاستقلالي هو واحد من أبرز مشكلات أمريكا في هذا المعترك.

 

         والدليل على الارتباك الأمريكي بين الموقفين داخل الإدارة (موقف المخاطرة- موقف التمسك بمبارك) هو إرسال لورا بوش إلى مصر في هذا الوقت الحساس لتصرح بكلام فارغ عن الإصلاح في مصر. واستقبال نظيف الذي أعلن أن زيارته ناجحة، في حين لم يجرؤ مسؤول أمريكي أن يقول عكس ذلك. وواضح أن نظيف قد قدم المزيد من التنازلات في مجال التبعية لأمريكا والتطبيع مع إسرائيل في المجال الاقتصادي، وقدم تنازلات شكلية في ملف الإصلاح السياسي: احتمال القبول بمراقبين دوليين لانتخاب الرئاسة. ويبدو أن سحل المعارضين واغتصاب المعارضات جاء في ظل أجواء نجاح نظيف وتصريحات لورا بوش ومصاحبتها لسوزان ثلاثة أيام متصلة. وهو الأمر الذي عاد بالوبال على جورج بوش؛ فأكثر من تصريحاته اليومية ضد الانتهاكات، بل وقرن مبارك بكريموف الدموي في أوزبكستان.

 

         فلا شك أن من فوائد التركيز على شعارات الديمقراطية تبييض وجه أمريكا، فإذا أدى انشغال أمريكا بالديمقراطية في مصر إلى اغتصاب النساء في شارع عبد الخالق ثروت فإن المسألة ترتد على الإدارة غير المخلصة وغير المتسقة؛ التي يكون من الأفضل لها أن تصمت عن حديث الديمقراطية.

 

         ولكن لماذا اختيار طريق المخاطرة المحسوبة؟‍ ولماذا كل هذا الضجيج عن الديمقراطية؟! أما كانت أمريكا في غنى عن فتح هذا الملف الشائك لها، وتمضي كما هو معتاد وكما يطالب الجناح الآخر المتحفظ على حكاية الديمقراطية بالإدارة الأمريكية ذاتها؟!

 

أسباب خيار المخاطرة:

 

أولاً: الفضل للمقاومة العراقية:

 

         كلنا يذكر تصريحات بوش وإدارته عن الحروب التي سيخوضونها في عشرات الدول للقضاء على الإرهاب، وأن الجيش الأمريكي سينقل بعد أفغانستان والعراق إلى سوريا وإيران ولبنان، وسمعنا تصريحات لبلير عن إرسال قوات لدارفور، كانت الشهية مفتوحة، وكان الحل العسكري هو أنشودة الإدارة الوحيدة. وكان النجاح الظاهري السريع في أفغانستان الذي استند إلى التحالف الشمالي هو الذي أسكرهم، ودخول بغداد بعد ثلاثة أسابيع من الحرب زادهم نشوة. ولكن هذه الحملة تحولت إلى كارثة. ووفقًا للتقارير والتصريحات الرسمية الأمريكية؛ فإن غزو العراق وما فجره من مقاومة رهيبة أدى إلى انغراس أهم وحدات للجيش الأمريكي في المستنقع العراقي، وأن الجيش الأمريكي لم يعد باستطاعته الدخول في حرب رئيسية أخرى في ذات الوقت، وهناك مشكلات حقيقية في انخفاض معدلات التجنيد والتطوع بالجيش، وأن أمريكا تزيد اعتمادها على المرتز