هذا هو مبارك الذى يَحتفى به الأفاكون

( 2 ـ 2 )

 

بقلم : محمود شنب

mahmoudshanap@yahoo.com

mahmoudshanap@hotmail.com

 

قال مبارك لجار الله ـ والإثنان من ألعن خلق الله : ( بإمكانى تنظيم مظاهرات بحفنة فلوس ) وبمثل هذا القول يكون مبارك قد سقط السقوط الأخير الذى لن تقوم له قائمة ، وأصبح يلفظ أنفاس حكمه الأخيرة ... إنه لا يستحق أن يبقى فى حكم مصر لحظة واحدة ، فقوله يعد بمثابة الإعتراف العلنى بالفشل وسقوط مشروعية حكمه ودليل دامغ على اغتصابه للسلطة ، وبضوء أخضر من مبارك تفرعن اللصوص فى مواجهة حركات الإصلاح والتغيير وشاهد العالم كله حركات البلطجة التى مورست من أعضاء حزب الخراب الذى يرأسه مبارك ، ولو كان هذا الحزب محترمًا لقارع الحجة بالحجة والفكر بالفكر ، لا أن يجرد النساء من ملابسهن ويرفع الأحذية فى وجوه الشرفاء متبعًا كل أساليب اللصوص وقطاع الطرق فى مواجهة شعب أعزل فقد كل مخزونه من الصبر وخرج إلى الشوارع مطالبًا باسترداد كرامته وحريته المسلوبة .

لقد ازدهر عهد المنافقين فى عهد مبارك وأصبحت الأمور تدار دون اعتبار لأى منطق من العلم أو الفهم ـ أو حتى الأدب والحياء ـ تستوى فى ذلك الأمور الجادة والأمور الهزلية ..

... فى عام 2004 أنفقت مصر على البحث العلمى 4 ملايين جنيه ، وأنفقت على الأمن الداخلى 4 مليارات جنيه !!

مجلس الشعب يناقش ضياع 6 مليار جنيه أهدرت دون معرفة أوجه الصرف ، ودون موافقة مجلس الشعب قبل صرفها ... وعندما وقف الوزير المسئول قال لرئيس المجلس : ( معلهش النوبة دى يا ريس ... مش ح نعملها تانى ) فيجيبه فتحى سرور وكمال الشاذلى فى نفس واحد : على أية حال ما حدث يعد مخالفة مالية وليست دستورية ونحن نجيز ذلك لآخر مرة ، والإجازة البَعدية تعتبر كالموافقة القبلية !!! ... وذهبت الـ 6 مليارات إلى حيث لا يدرى الشعب المصرى !!!

أحد أعضاء الحزب الوطنى بالسيدة زينب علق لافتة كبيرة مكتوبًا عليها : ( حتى الأجنه فى بطون أمهاتهم يبايعون الرئيس مبارك لفترة رئاسة خامسة ) !!

وفى بور سعيد يعلق عضو آخر بالحزب الوطنى لافتة كبيرة كتب عليها : ( نبايع الرئيس مبارك وإبن مبارك وإبن إبن مبارك ) ؟!!

وهل أصبح مبارك ـ دون أن ندرى ـ من الخلفاء الراشدين ؟!! ... وحتى الخلفاء الراشدين لم يقال لهم مثل هذا القول !!... ففى أى وطن نعيش ؟!!

إنها عبارات وضيعة ومنفلتة تحمل من التبجح والاستفزاز أكثر مما تحمل من النفاق والرياء ... عبارات استعداء واستعلاء يخاطب بها اللصوص شعب يعيش أغلبه تحت خط الفقر ولا يجد كسرة خبز يرد بها جوعه .. أو كوب ماء نظيف يرد به عطشه !!

ولقد صعقت عندما قرأت تصريح الدكتور محمود أبو زيد وزير الموارد المائية الذى قال فيه : ان خمسة ملايين مواطن مصرى ماتوا بسبب تلوث مياه الشرب !!

وفجعت للتقرير السنوى لمركز الأرض لحقوق الإنسان الذى يقول : ان فى مصر 11 مليون مواطن يعيشون تحت خط الفقر وأن 22 مليون آخرين يقل دخلهم اليومى عن دولار واحد !!

فى مصر الآن 8 مليون عاطل ، و 9 ملايين عانس ...!!

منذ ما يقرب من خمسمائة عام قال شاعر مملوكى :

نبكى على مصر وسكانها      قد خربت أركانها العامره

وأصبحت بالذل مقهــورة      بعدما كانت هى القاهـــره

والذى يقول ( نبايع مبارك وإبن مبارك وإبن إبن مبارك ) لا يمكن إلا أن يكون مخمورًا أو ساقطـًا ومن أصحاب الكيف وأرباب السوابق !!

إنه يتساوى مع مأمور مركز الشرطة الذى وقف يخطب وسط مندوبو لجان الإستفتاء ليقول لهم بالحرف الواحد : ( إللى يستظرف منكم ح أظرفه ، وإللى ح يلابط هو عارف ح نعمل فيه إيه ، أما إللى يمشى عدل ح شيله على راسى من فوق ... إنتوا عاوزين إيه أكتر م إللى إنتوا فيه ؟!! ... كل واحد عايش الدِش فوق بيته والوصلة شغالة والميه الصاقعه والبارده بعد ما كنتم بتشخوا ورا كوم السباخ وتمسحوا بالطوبة ... دلوقتى القمصان الحلوه والمحمول والدش ... عايزين إيه تانى ؟!! ) .

ألفاظ بذيئة وأسلوب وضيع واستعلاء كاذب لا يقوم على منطق أو حجة أو إقناع ، ومثلما تظاهر الناس فى الأحياء الفقيرة ورفعوا صورًا لمبارك مقابل عشرون جنيهًا ووجبة طعام ـ حصل مندوبو اللجان على خمسون جنيهًا مقابل الصمت على ما يحدث داخل اللجان ، ولا أحد يدفع من جيبه فكلها أموال الشعب المقهور !!

وحياة المصرى هى آخر ما يهتم به مبارك ، فقد ترك الحبل على الغارب ليوسف والى الذى دمر حياة الشعب المصرى على مدى عشرون عامًا قضاها وزيرًا للزراعة ، حيث أدخل كل المواد المسببة للسرطانات إلى داخل مصر ، وهو الآن يعيش بعيدًا عن المسائلة وفى حماية مبارك ..

لا تجد أرخص من المصرى فى عرف مبارك ... إنه لا يهتم إلا بضحايا إسرائيل وأمريكا فى المنطقة ، أما ضحايا الطائرة المصرية التى أسقطتها أمريكا عمدًا فى مياهها الإقليمية عام 99 والتى كان على متنها خيرة عقول الوطن وخيرة شبابه ... فلا ضرر ولا مشكلة !!

حدث نفس الشئ أيام ظاهرة النعوش الطائرة التى كانت تحمل جثث المصريين يوميًا من الدول العربية إلى مطار القاهرة ... لا بأس ولا ضرر !!

كما لم يهتم بحياة الجنود المصريين الذين قتلتهم قذائف الدبابات الصهيونية فى رفح المصرية ، ولم يهتم بحقوق الأسرى المصريين ممن دفنتهم إسرائيل أحياء فى رمال سيناء حتى بعد أن اعترفت إسرائيل بجرائمها فى حق الأسرى المصريين فى معارك 56 و67 ...

كما لم يهتم مبارك بمن يموتون يوميًا تحت وطأة التعذيب والتنكيل فى سلخانات الشرطة المصرية ..

وإن تحدثنا عن الكذب فى حياة مبارك فحدث ولا حرج ...

لقد تألق مبارك فى الكذب كما لم يتألق حاكم آخر ، وقد سخر كل أجهزة الدولة لمناصرة كذبه وبهتانه وأصبح يفعل الشئ ونقيضه فإذا قال فى الصباح : أنا مع محدودى الدخل سهر فى المساء مع الحيتان واللصوص وأصبغ عليهم أمنه وحمايته وساعد المتورطين منهم على الهروب خارج البلاد ، وقد قرأنا من شهر أن أحد الهاربين بملياراته قدم رشوة لمن ساعده على الهروب : سيارة مرسيدس وعزبة من 20 فدانـًا !!

وإن إدعى مبارك أنه مع الحق ناصر بكل ما يملك جنود الباطل ، وإذا طالب بإصلاح التعليم دمر التربية وأفسد التعليم ، وإن تحدث عن العدل تحدث وسجونه مليئة بالأبرياء ، وإن تحدث عن حرية الصحافة أسن قانونـًا لحبس الشرفاء ، وإن قال أنا ضد الحرب على العراق ساعد أمريكا بكل ما يملك من أجل تدمير العراق وشعبه ، وإن تحدث مع أبو مازن فى الصباح تحدث مع شارون فى المساء ... إنه باختصار "يسرح مع الذئاب ويعود مع الأغنام" !!

ومن أفعاله الوضيعة التى تدل على عدم إحساسه بالمسئولية إرساله للمدعو أحمد نظيف فى زيارة حب لأمريكا فى وقت دنس فيه كلاب أمريكا المصحف الشريف ووقفوا عليه بأحذيتهم ـ ضاربًا عرض الحائط بحرمة الدين ومشاعر المسلمين ، وقد كان بإمكانه تأجيل الزيارة إلى وقت آخر لولا أن طمس الله على قلبه وأعماه فأرسل ـ الغير نظيف ـ إلى أمريكا متعمدًا عدم تأجيل الزيارة حتى من باب التعاطف وامتصاص غضب المسلمين قاصدًا مكافأة الفسقة والكافرين على تدنيسهم للقرآن الكريم بتودده إليهم دون عزة أو كرامة !!

لقد نسى مبارك ـ فى غمرة جهله ـ أنه مسموح فى الأعراف الدولية إيقاف كل أشكال التواصل والتطبيع مع الدولة المهينة وتجميد كل أنواع العلاقات معها وطرد السفراء وإغلاق السفارات ، وقد تنشب المعارك والحروب إذا ما وصلت الإهانة لحاكم الدولة ، فما بالنا وقد وصلت إهانة أمريكا إلى أقدس مقدساتنا ووقف جنودهم الكلاب بأحذيتهم على المصحف الشريف وإستعملوا أوراقه جوارب لأحذيتهم ونشروها فى دورات المياه !!

ما الذى بقى لهذا الحاكم الفاسق حتى يفيق ؟!!

إنه فى سكرة الجهل يعيش ، وفى غمرة العمالة يحيى ، ولا نستطيع إلا أن نقول : إن لم تستحِ فإصنع ما شئت فقد فقدت الحياء والانتماء منذ أمد بعيد وعشت فى غيبوبة من العظمة الكاذبة التى لا تستحقها ، فليس لبمارك منذ تولى الرئاسة أى أعمال عظيمة أو بارزة تؤهله لرفع الرأس أو التباهى بها وسط القوم ، بل على العكس من ذلك فقد جاءت كل أعماله سيئة ورديئة وتفوح منها الروائح النتنة والكريهة التى اختلطت فيها الأفعال المشينة بالتصرفات المهينة وبالكفر والخيانة وبالضعف والاستكانه .

لقد فشل مبارك منذ اليوم الأول من حكمه فى أن يكون ذو شخصية لافتة الانتباه سواء على المستوى الداخلى أو الخارجى لكونه لا يحمل من سمات القيادة أى قدر وقد قضى سنوات حكمه عاملاً بحكمة الأقزام التى تقول : "عيش جبان تموت مستور" فلم يحاول ولو لمرة واحدة أن يصطدم بقوى الداخل أو الخارج وأن يعالج أى موقف شائك ، وترك الحبل على الغارب لكل من يخشاه حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه من نتائج فادحة وخطيرة على المستويان الداخلى والخارجى .

يقول الأستاذ عامر عبد المنعم ـ رئيس تحرير جريدة الشعب :

( الرئيس مبارك انتهي . هذا ما يؤكده الواقع و الحقائق في الشارع المصري. و لم تعد تفيد كل محاولات التضليل الاعلامي لتجميل صورته . فالتعديل الشكلي للمادة 76 و غير الدستوري أفقده ما تبقي من بقايا احترام لدي من ظلوا حتي القريب يبررون استمراره .

الرئيس مبارك الان يلعب وحده معزولا ، و لا يشعر بالأمن إلا في شرم الشيخ ، هناك حيث لا يقترب المصريون ، في حماية اسرائيل . فالشعب كله يكرهه و ينتظر يوم الخلاص الكبير منه .  والقوي السياسية المعبرة عن هذا الشعب  من أقصي اليسار الي أقصي اليمين ضده ، أحزاب معترف بها ، أحزاب مجمدة ، قوي محظورة ، قوي مقهورة ، اساتذة الجامعات ، النقابات و الطلاب ..الكل يرفضه و يرفض التمديد له أو التوريث لابنه .

 و كانت وقفة القضاة و رفضهم المشاركة في التزوير و الاشراف علي انتخاب مبارك  هي اشارة النهاية لهذا الحكم الذي باع مصر و دمرها .

 و خروج السلطة القضائية علي الرئيس و هي احدي السلطات الثلاث يفقد مبارك المشروعية القانونية  للاستمرار. و لم يتبق معه سوي سلطتين و كلاهما سينهارعما قريب .

فالسلطة التنفيذية لم تعد تتحمل أوزار حاكم يلفظ أنفاسه الأخيرة . و هذه السلطة الان عاجزة عن حمايته أمام حالة الهياج و التمرد داخل المجتمع المصري . و هذه السلطة لا تحميه أمام حملات الهجوم المتنوعة ضده لخروج حالة الغضب عن السيطرة . بل ان حالة القلاقل داخل هذه السلطة بادية للعيان اذ ان الانهيار الذي جلبه لنا الرئيس اضير منه الجميع . و هذه السلطة تشعر الآن بأن الرئيس الفرعون غارق في اليم لا محالة و هم بالتأكيد لن يسيروا خلفه حتي النهاية و لن يكرروا تجربة جنود فرعون موسي ) .

.... وفى عز المحن تظهر معادن الرجال ممن يرفضوا ذهب المعز ، ويضحوا بالمناصب العليا والحياة الرغدة من أجل كلمة حق ينقذوا من خلالها مصر وشعب مصر ، وقد جاءت رسالة استقالة القائم بالأعمال المصرى فى فنزويلا الأستاذ يحيى زكريا نجم ـ احتجاجًا على سياسة مبارك لتكون خير شاهدة على ذلك .... إنها عريضة اتهام للنظام المصرى الذى على رأسه مبارك .... تقول الرسالة :

( واذ اعبر عن اسفي فاني ارجو من سيادتكم قبول استقالتي من العمل بوزارة الخارجية للاسباب التالية:

لقد تحولت سياسة مصر في السنوات او العقود الاخيرة ـ ومنذ منتصف السبعينات تقريبا ـ الي سياسة غريبة عنا تبتعد عن ثوابتنا التاريخية والقومية والدينية والتقليدية بل وقد تتنافي او تتخاصم معها احيانا، وتقترب من مشاريع وسياسات غريبة عنا، حتي اصابنا اليأس والاحباط واحيانا الصدمة والذهول من بعض هذه المواقف، واصبح فهمها او استيعابها فضلا عن التعبير والدفاع عنها عبئا ضميريا ثقيلا ننوء بحمله، فمن ناحية لانريد التقصير في عملنا ومن ناحية اخري لانريد ان نخالف ايضا ضمائرنا ومعتقداتنا واسوق بعض الامثلة علي ذلك من علاقات واتفاقات ثنائية ودولية مع اطراف اقليمية ودولية لاتعبر عن مصالح مصر الاصيلة وتشكل احيانا خضوعا لضغوط غير مبررة، مثل:

التوقيع علي تجديد اتفاقية حظر انتشار الاسلحة النووية مع استثناء ترسانات اخري، واتفاق الاستثناء من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية التي رفض التوقيع علي مثله دول صغيرة فقيرة اكثر قربا واحتياجا للولايات المتحدة مثل دول الكاريبي لكنها صمدت امام الضغوط وتمسكت بالمباديء بينما وافقت مصر صاحبة اعرق الحضارات عليه، ومؤتمرات بدءا من قمة شرم الشيخ لمكافحة العنف في نهاية التسعينات والذي تم تغيير عنوانه اكثر من مرة واختطافه ليتحول الي اداة لضرب مفهوم المقاومة الوطنية والفلسطينية علي وجه الخصوص، ومؤتمر شرم الشيخ الذي حضره قائد جيوش الغزاة الرئيس الامريكي في 2003م. ولم يمض شهرين علي اجتياح العراق ومازالت دماء الشهداء علي الارض رطبة طيبة ومازالت دموع الامهات الثكلي في العيون تحت حجة الحصول علي تنازلات واعادة ترتيب الاوضاع لكن هيهات من ذلك... ، وانتقاد للهرولة ونحن نمارسها، وصمت اشبه بالموات فيما يتعلق بما يجري في السودان وفي القرن الافريقي وفي جنوب لبنان والاراضي السورية المحتلة.

وجاء غزو العراق ليقصم صدق الموقف المصري ويصيبه في مقتل، من عجز وشلل عن التحرك لصياغة موقف فاعل وتضامني، مرورا بدفن رؤوسنا بالرمال قبل واثناء وبعد الاجتياح وصولا الي ادارة الظهر للمقاومة الوطنية العراقية بما في ذلك مؤتمر شرم الشيخ الاخير حول العراق في نوفمبر 2004م، والاستسلام للامر الواقع علي صعيد محافل الشرعية الدولية، حتي صار من ينشط في الدفاع عن العراق قبل وبعد الغزو دول من الشرق والغرب.

وكانت الطامة التصريح بان خروج القوات الاجنبية من العراق سيؤدي الي حرب اهلية ، واتساءل هنا لماذا اذن عقدنا اتفاقية الجلاء اذا كان الاحتلال بردا وسلاما ولماذا خضنا الحروب للدفاع عن ارضنا، ولماذا تحررت شعوب العالم من فييتنام الي الجزائر، السيد الوزير نحن لم نعش بداية كارثة فلسطين لكننا شهدنا تفاصيل كارثة العراق وكيف كان الخذلان والسلبية ومااشبه الليلة بالبارحة. السيد الوزير لم نعد نستطيع ان نصافح اعداءنا لدواعي العمل، في الوقت الذي يذبحون فيه اخواننا ويستبيحون بلادنا، لذا ارفض ان استمر في هذا العمل لكي لا اتحول الي منافق، وكان يمكنني الاستمرار في قبض راتبي وتخدير الضمير او قتله لكنني ارفض ان اكون طبيب اجهاض يتقاضي اجرا ليقتل ثوابت واحلام الامة والوطن، كما ارفض ان اقف صامتا وانا اري الأم تحتضر والسفينة تتجه الي الهاوية.

وعلي الصعيد الداخلي يتعرض الشعب المصري منذ سنوات كثيرة الي ازمة اقتصادية طاحنة كان لها بصمات مريرة من معاناة يومية علي مواطنينا وعلي بناء المجتمع، في كل مناحي الحياة من تعليم وصحة واجتماع... ، الا ان اشد هذه النتائج هو فقدان قطاعات عريضة من الشعب للامل والرغبة في الاستمرار والمقاومة، مما ادي لبروز الفساد والظواهر الاجتماعية السلبية، بفعل غياب الفكر والمشروع الوطني وفقدان القيم والثقة والتحول للفردية والانعزالية، بسبب سياسات مدروسة في مجال الاعلام والسياسة والامن لتفتيت التلاحم والمشاركة الجمعية الفاعلة وخلق خواء رهيب في عقول المواطنين.

وفي ظل اجواء التمديد وسلب الشعب حقه الطبيعي في انتخاب من يقوده ويمثله وخنق حرياته، وقصر هذا الحق علي مجموعة من المواطنين ـ ايا كانت ـ نعرف كيف جاءوا (عاني الشعب كثيرا من سيد قراره والنواب المطعون في شرعيتهم ونواب الكيف ونواب القروض حتي نواب التوكيلات)، هو امر لايقره شرع ولامنطق ولايليق بشعب علم العالم الحضارة.

السيد الوزير ان وزارة الخارجية هي مراّة ايضا لما يحدث في وطننا العزيز، وانعكس عليها عدد من مظاهر الفساد المالي والاداري تمثلت في عديد من القضايا اذكر منها (سفاراتنا في برن ـ هلسنكي ـ كيجالي ـ تصرفات سفير سابق في هراري ـ ادارة بنك المعلومات...) وهي قضايا لا اذكرها لغرض العد ولكن لأبين ان هناك خللا جسيما ليس في اختيار الاشخاص فقط بل في النظام نفسه، فهو نظام قديم يعطي الرئيس (السفير في هذا الحالة) سلطات مطلقة ـ خاصة في الخارج ـ يتحكم بها في مسار العمل والعاملين، بينما يخفف عنه المسؤولية الي اقصي حد فهو يشتري ويوقع غيره ويعطي الاوامر ويدفع غيره الثمن ويتمتع ويعاني غيره، وهو بذلك نظام يشجع علي الفساد والاستبداد، ولايستطيع احد ان ينكر ان قضية بدل السكن علي سبيل المثال هي مرض خبيث ينهش في بناء وزارة الخارجية في معظم ان لم يكن كل سفاراتنا في الخارج، بل تجاوزها الي كل هيئات التمثيل الخارجي بالدولة حتي سارت مرتعا للتجاوزات والاضرار بالمال العام.

وعلي سبيل المثال فقد عانيت شخصيا من مثل هؤلاء الاشخاص، فقد عملت مع سفير (تم نقله او طلب نقله من ثلاث بعثات سابقة) وتورط في قضية سفارتنا في برن التي تم فيها استباحة واختلاس مايقرب من 500 الف فرنك سويسري = اقل قليلا من 2,5 مليون جنيه مصري، وكان وقتها المشرف علي الشؤون المالية والادارية (بدرجة مستشار او وزير مفوض)، وتعرفون سيادتكم ان كل مستند مالي يوقع عليه كل من الملحق الاداري والدبلوماسي المشرف علي الشؤون المالية، ويعلم الجميع ان شخصا بمفرده لايمكنه ان يستبيح هذا المبلغ الكبير، وانا هنا لا ادين احدا فالامر متروك للقضاء الا اني اسوق بعض الشواهد، وبالرغم من ذلك فقد تم تعيينه سفيرا مرتين ليستكمل مسيرته في الافساد، والادهي والأمر ان يرقي سفيرا ممتازا لبلدنا العزيز، السيد الوزير ان حضور دبلوماسي شاب للعمل بدون ربطة العنق او رفعه لصوته كفيل بتعريضه للعقاب ومنعه من السفر، اما التورط في اختلاس 2,5 مليون جنيه فهو مدعاة للترقية!! واسوق لسيادتكم بعض الامثلة علي تجاوزاته ـ والتي اوضحتها تفصيليا بالادلة في كتب السفارة التي ذكرتها بعاليه ـ مثل:

الاضرار بالمال العام عمدا بتجاوزات بدل السكن حيث سمح لملحقين اداريين بالسفارة بتقاضي مبالغ كبيرة لعقود سكن وهمية لم يتم فحصها ـ والاسراف والتبذير في شراء سلع واجهزة غير ضرورية من اموال الدولة ـ وقيامه بتصميم جديد لعلم الدولة جعل اتجاه رأس النسر فيه الي جانب العلم وليس باتجاه اللون الاحمر شاهده ضيوف حفل العيد القومي لعامين متتاليين ـ والاعتذار عن حضور دعوات هامة مثل دعوة المعهد الدبلوماسي الفنزويلي ـ وتراجع حجم التبادل التجاري بين البلدين اثناء فترة عمله كما هو موضح برسالة السفارة بالسيتا رقم 220 في 7/12/2004م. ـ واعفائه الملحق الاداري من استلام وتصدير الحقيبة الدبلوماسية ـ وتبديده لبعض مهمات من عهدة الامن بالسفارة ـ وهناك امثلة يأسف المرء لذكرها مثل علاجه للكلب الموجود بدار السكن علي نفقة الدولة (كنا نظن ان علاج المشاهير والاثرياء علي نفقة الدولة هو اخر المطاف)... وغيرها من الامثلة كثير. وقد نـلت جزائي بسبب اعتراضـي علي هذه التصرفات فقد اعطاني مرتبـة كفء في اول عام لعملي معه ولاول مرة في تاريخي الوظيفي الذي كان دائما بدرجة امتياز منذ التحاقي بالعمل بوزارة الخارجية منذ 14 عاما، وحينما قدمت تظلمي من التقرير تم رفعه لدرجة الامتياز الا ان مجلس السلك ذكر في الحيثيات ان قراره جاء استجابة لرأي السيد السفير!!

اقصد من سردي هذا ايضاح ان النظام المعمول به حاليا يخلق ويشجع الفساد ويمكن الفاسدين من الاستمرار في مسلكهم، بل يساعدهم علي الاطاحة بكل من يقف في طريقهم او يعترضه، السيد الوزير ان مصر تقتل ابناءها والشرفاء منهم للاسف اولاً لهذا ولكل ماسبق ارجو من سيادتكم قبول استقالتي وانا علي استعداد للتعاون مع اي تحقيق جاد يتناول كل ماذكرته.

ونستعيرها ممن سبقنا من اجل مصر دخلنا الخارجية ومن اجل مصر نخرج منها.

ونعاهد الله ان نبقي ابناء مخلصين لها دوما.

 

وفقنا الله لما فيه الخير

والسلام عليكم ورحمة الله،،،

القائم باعمال سفارة مصر في كاراكاس

سكرتير ثان / يحيي زكريا نجم