كشَفَ القرآنُ قبحَهم فكرهوا المرآة

1\2

 

 

 

بقلم :د : يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

كشفهم القرآن الكريم فكرهوا صورة أنفسهم التي أبداها لهم ، واتقدت نار كراهيتهم وتصاعدت بقدر ما أظهر لهم من قبحهم ، فلم يكن لأحدهم من توازن بغير  هجر مصادر القبح فيهم  ، أو بإسقاط كراهيتهم العارمة عليه ، وهؤلاء أشبه بمن حطم المرآة لأنها تصر على عرض صورته القبيحة

كشف القرآن قبحهم فكرهوا المرآة

وقبل أن نتحدث عن اعتدائهم على القرآن أخيرا في معتقل جوانتانامو في المقال الثاني نكشف هنا – في المقال الأول - عن جذور هذا العدوان فيما كشفه القرآن

 

وأخطر ما كشفه القرآن كان في الإلهيات : قرر التوحيد الخالص نافيا للشريك والوالد وما ولد ، وقرر التنزيه نافيا للتجسد والجسد ، ، ونفي الصلب والفداء ، وثبَّت الناموس ،  ومن ثم أصدر حكمه الواضح  بالإيمان أو الكفر : بناء على الاختيار بين هذه النقائض  .

وقد كانت القضايا التي دار جدل أهل الكتاب حولها قد بدت أصولها في المعتقدات المتعلقة بالمسيح … ، وحقيقة الأمر – كما يقول أرنولد توينبي - هو  منذ القرن الثاني كان ثمة مسيحيون يمارسون الجدل اللاهوتي مستخدمين في ذلك الحدود الفلسفية الهيلينية

    ذلك أنه منذ وضعت الأناجيل الأول والثالث والرابع كان ثمة جماعة من المسيحيين يعتقدون بألوهية المسيح ، وبموجب ما جاء في الإنجيلين الأول والثالث لم يكن للمسيح أب ، فقد حملت به أمه البشرية بروح الله ، وبموجب الإنجيل الرابع فالمسيح هو كلمة الله المتجسدة .

ولم يكن في استطاعة المسيحيين أن يديروا ظهورهم للتوحيد الذي ورثوه من اليهودية ، فكيف كان عليهم أن يوفقوا بين التوحيد وبين اعتقادهم بأن المسيح والله كانا إلهين . لقد نص على أن المسيح تحدث عن نفسه على أنه " ابن الله " ويمكن تفسير الإنجيل الثاني مجازا بحيث يفهم منه أن الله أعلن للمسيح أنه اعتبره ابنه بالتبني . إلا أن الأناجيل الثلاثة الأخرى كانت تتضمن أن المسيح هو ابن الله بالمعنى الحرفي للكلمة ، أي أن الأبوة كانت على نحو ما كانت عليه الحال بالنسبة للفراعنة ( منذ الأسرة الخامسة ) من حيث إضفاء الأبوة الإلهية ، فإذا كان ابن الله بالمعنى الحرفي فهذه الحقيقة أثارت ثلاث قضايا : الأولى علاقة الابن بالأ ب ، والثانية العلاقة بين الطبيعتين الإلهية والبشرية للابن نفسه ، والثالثة هي منزلة أم المسيح مريم العذراء فقد كانت بشرا ولم تكن إلهة ، فهل من الممكن أن يطلق عليها اسم " أم الله " ؟

ويعلق توينبي تعليقا فيقول : " واللاهوتيين المسيحيون لما سألوا أنفسهم هذه الأسئلة كانوا ينقلون " الكلمات " إلى آفاق خارجة عن نطاق التجربة البشرية ، وقد وصل هؤلاء اللاهوتيون إلى هذه الآفاق لأنهم كانوا يتكلمون ويكتبون باليونانية ، { لاحظ لغة عيسى كانت الآرامية }  والناطقون باليونانية كانوا قد أخذوا أنفسهم منذ قبيل القرن الخامس قبل الميلاد ، يتعاملون مع الكلمات كما لو كانت الكلمات حقائق حتى عندما تكون الكلمات أمورا ليس لها نظير لا في عالم الفكر ولا في عالم الظواهر "  أنظر تاريخ البشرية لأرنولد توينبي ، ترجمة الدكتور نقولا زيادة بيروت 1982 الجزء الثاني ص59

لهذا بدأت المشكلة بالإصرار على فهم أسرار " ابن الله " ، وفهم ما إذا كان للمسيح مشيئتان وعملان أم مشيئة واحدة وعمل واحد

فكان أريوس أسقف الإسكندرية قريبا من حافة الوحي القرآني إذ قال إنه – أي المسيح – ابن الله  المخلوق ، فهو من ثم لا يستوي والأب زمنيا ، وليس هو كفؤا له ، ، ومع أن أريوس ( م250-336) كان كاهنا في كنيسة الإسكندرية فإن رأيه اللاهوتي كان مخالفا لها ولوجهة النظر المصرية ، و كان هذا الخلاف قد أثار شعورا عارما في أرجاء الامبراطورية الرومانية ، وحاول قسطنطين إيقافه فكتب إلى المتخاصمين بأن القضية المختلف عليها لم يكن من الجائز إثارتها أصلا ، دون جدوى ، وعجز جميع الأباطرة من قسطنطين الأول إلى كونستانس عن حمل اللاهوتيين على السكوت

واضطر قسطنطين الأول إلى عقد المجمع المسكوني الأول في نيقية 325 وصاغ بنفسه كلمة " الابن مساو للأب في الجوهر " ووضع المجمع المذكور الأقانيم الثلاثة – الأب والابن والروح القدس -  في درجة واحدة مطلقا ، وقد أكد المجمع في الوقت ذاته على أن الأقانيم الثلاثة هي الله الواحد ، وكما يقول أرنولد توينبي في تعليقه " وهذا الدمج بين التوحيد والتثليث هو أمر كلامي ، فالنتيجة الحقيقية لمجمع نيقية كانت وضع الابن في درجة إله ثان وأصبحت المسيحية موحدة بالاسم فقط " ص 61

وفي مجمع أفسس ( 431) سار المصريون خطوة إذ نجحوا في الحكم على نسطوريوس بطريرك القسطنطينية الذي كان قد أصر على الناحية البشرية في الابن . ومن ثم فقد وصم النساطرة بأنهم أصحاب الطبيعتين ( أي المؤمنون بأن الابن كانت له طبيعتان غير متحدتين    )

.

وفي مجمع أفسس  عام 439  سار المصريون خطوة  أبعد  إذ أعلنوا في مجمع أفسس بأن الابن له طبيعة واحدة وهي الطبيعة الإلهية ، فيما هو متجسد في جسم بشري . وخطا بذلك خطوة أخرى أبعد من تلك التي ساروها عام 431 ، واكتسب هذا الإعلان حركة جماهيرية اكتسبت إلى جانبها كلا من سوريا والكنيسة الأرمينية سنة 491

وفي المجمع الذي انعقد في خلقدونية عام 451 أعلن أن للمسيح طبيعتين – الإلهية والبشرية – اتحدتا في شخص واحد ، وألغى قرارات المجمع الذي انعقد في أفسس سنة 449 ، ووصم المصريون بما وصم به النساطرة من قبل : أنهم منشقون .  أنظر ( تاريخ البشرية لأرنولد توينبي ص 55-57 - - 59 - 61)

 

كان هذا هو الحال عند مجيء القرآن الكريم الذي قرر التوحيد الخالص في لا إله إلا الله  :

( قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) سورة الإخلاص

وقطع القرآن الجدل وحسم الخلاف الدائر بين من سماهم أهل الكتاب بقرارات  شديدة الوضوح في الصراط المستقيم ، ( صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، ) سورة الفاتحة ، شاملا بحكمه الصارم جميع مللهم  دامغا إياهم بالشرك في قوله تعالى (  اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم ، وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا سبحانه وتعالى عما يشركون ) 31 التوبة ، وبالكفر في قوله تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم ،  قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ، ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ،  يخلق ما يشاء ، والله على كل شيء قدير )17 المائدة ،  ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم ، وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ، إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ، ومأواه النار ، وما للظالمين من أنصار ،  لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ، وما من إله إلا إله واحد ، وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ، أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ، ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة ، كانا يأكلان  الطعام ، انظر كيف نبين لهم الآيات ، ثم انظر أنى يؤفكون ) 72-76 المائدة ، ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب و المشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ، رسول من الله يتلو صحفا مطهرة ، فيها كتب قيمة ، وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ، ، وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ، إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها ، أولئك هم شر البرية ، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ، جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ، رضي الله عنهم ورضوا عنه ، ذلك لمن خشي ربه ) البينة .

دعوة شديدة الوضوح  لم يخففها شيء من المساومة أو أنصاف الحلول ( فاصدع بما تؤمر ) ( ولا تطع منهم آثما أو كفورا ) ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى وأمرت لأسجد لرب العالمين ) ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين )

وصلت إليهم الدعوة في وقت مبكر: ذهبت الدعوة جنوبا في الحبشة وسارت شمالا في الشام ، فشبهت لهم كأنها انشقاق في جسم الكنيسة ، ثم تبين لهم أنها تسونامي لا قبل لهم به ، وجن جنون كنائس الفرنجة ،  وبالرغم مما عرضه القرآن الكريم على مخالفيه منهم ومن غيرهم من حرية الاختيار ( قل يا أيها الكافرون ، لا أعبد ما تعبدون ، ولا أنتم عابدون ما أعبد ، ولا أنا عابد ما عبدتم ، ولا أنتم عابدون ما أعبد ، لكم دينكم ولي دين) إلا أن الصدمة كانت كأنما أصابت مقتلا

وبدأت مناوشات الاعتداء على الإسلام في عقر داره ،   وبدأ السلاح يقعقع : من جهة الإسلام دفاعا عن الوليد المعتصم بالقرآن ، ومن جهة أهل الكتاب رغبة في القضاء عليه قبل أن يستفحل ، ولكنه استفحل وازداد انتشارا ، ، وسقطت أثناء زحفه امبراطوريتا الشرك من  الفرس والروم ، واعتنقته الشعوب شرقا وغربا وشمالا وجنوبا تحت راية القرآن العظيم المرتفعة برافعة الحرية ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) والجهاد ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) 190 البقرة ،  فبدأت الحروب الصليبية لكنها فشلت ، وأردفت بحروب الإقصاء من أوربا ، ، وانساحت مع حركات التبشير وحروب الاستعمار ، والاستيطان الصهيوني ، والإبادة البشرية ، والعولمة الثقافية والاقتصادية والسياسية ..

 

واتجه عدوانهم على القرآن منذ البداية طبقا لمنهج ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) فصلت 46 ثم اتجهوا إليه بالدراسة ، لا ليهتدوا ولكن ليجعلوا من الدراسة بديلا عن الحروب الصليبية ثم ليتخذوها قرينا لها عند الكرة الثانية

وتحالف التبشير مع الاستعمار ، ، وقام الاستشراق بدور السمسار لكليهما

وكما يقول العلامة الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه " الدفاع عن القرآن ضد منتقديه " نشر مكتبة مدلولي الصغير بالقاهرة عام 1998 م :

( كان القرآن باعتباره الأساس الجوهري للإسلام هدفا رئيسيا لهجوم كل من كتب ضده سواء من الغرب أو الشرق منذ النصف الثاني من القرن الأول للهجرة – السابع الميلادي  

وقد وجه هذا الهجوم منذ البداية على النسق العام للقرآن ككل : يوحنا الدمشقي ( 650 – 750 ) في كتاب بعنوان " الطوائف " أو تلك التي نشرها أثيميوس زيجابينوس ( 1331 – 1359 ) في مؤلفه :    Panoplia Domgatica,Patr  .

لكن أول هجوم مفصل على القرآن الكريم ورد في كتاب نيكيتاس البيزنطي ؛ تحت عنوان " نقض الأكاذيب الموجودة في كتاب العرب المحمديين " والحقيقة انه لم تصلنا معلومات وافية عن هذا الأخير سوى انه كان مشهورا ، وأنه كان من أعنف المهاجمين سوى انه كان مشهورا في النصف الثاني من القرن التاسع وأنه كان من اعنف المهاجمين للإسلام وكذلك للكنيسة الأرثوذكسية الأرمينية وللكنيسة الكاثوليكية الرومانية

ويسجل التاريخ أن  أوسع حملة شنت على القرآن والإسلام أثارها المستشرق جان كنتا كوزين امبراطور بيزنطة – 1292 – 1380 .

وبسقوط القسطنطينية على يد المسلمين الأتراك عام 1453 توقف كل الجدل البيزنطي ضد الإسلام ، وانتقل مركز ثقل الهجوم إلى أوربا المسيحية التي رفعت اللواء ، فبدأ الكاردينال ميكولا ديكوزا ، ( 1401 – 1464 ) المسيرة الجديدة للهجوم بدعوة من البابا بيوس الثاني الذي دعاه إلى أن يؤلف كتابا يفند فيه دين الإسلام ،  فنشر كتابه بعنوان " غربلة القرآن " في مدينة بال بسويسرا عام 1543 في ثلاثة أجزاء ، عرض في الجزء الأول ادعاء مفاده إثبات حقيقة الإنجيل استنادا إلى القرآن الكريم ، وفي الثاني قدم شرحا تفصيليا عن المذهب الكاثوليكي ، وفي الجزء الثالث ختم ببيان عما وصفه بتنافضات القرآن .

بعد هذا التاريخ توالى جدل الجيزويت والدومينيكان وهجومهم على القرآن

وظهرت كتابات  (دينيس المين " حول الخداع المحمدي " كولون 1533 - ألفونس سينا - ت 1491 ، وجان دي تيريكريماتا- ت 1468 ، ولويس فييف ت 1540 ، وميشيل نان ت 1683م

( ومعظم هذه الكتب وجهت نقدها للإسلام عامة ، ولم تتطرق إلا عرضا للقرآن ، ولم تظهر أول دراسة مفصلة ضد القرآن إلا في العقد الأخير من القرن السابع عشر ، في الدراسة التي قام بها لودفيكو مرعشي في كتاب من جزءين … …

ويمكن اعتبار عمل مرعشي أساس الدراسة الجادة في أوربا عن القرآن لكن يجب القول كذلك بأن هذا العمل غير دقيق ، ومليء بالأخطاء الفادحة والحجج الضعيفة ، التي تفتقر إلى الدقة العلمية ، وهذه الأخطاء نفسها نجدها بدرجات متفاوتة في كل البحوث والدراسات حول القرآن الكريم التي قام بها مستشرقون خلال القرنين التاليين لظهور كتاب مرعشي .

لكن الغريب في الأمر – كما يقول الدكتور بدوي – أن أدوات فهم اللغة التي توفر للمستشرقين منذ منتصف القرن الماضي قد أعطت لبعضهم المزيد من الجسارة في اختلاق الفرضيات والنظريات الزائفة الوهمية ليستخلصوا منها ما يشاءون من نتائج تجانب الصواب ) المصدر السابق ص 5- 8

ويسجل الدكتور بدوي ملاحظاته العامة فيما يأتي :

( أن معرفة هؤلاء المستشرقين للغة العربية من الناحية الأدبية أو الفنية يشوبها الضعف ويمكن القول بأن هذه الملاحظة تخصهم جميعا .

أن معلوماتهم جميعا المستقاة من مصادر عربية جزئية ناقصة وضحلة وغير كافية وهم يرمون بأنفسهم في مغامرة طرح نظريات خطيرة وخاطئة يعتقدون أنهم أول من توصل إليها دون تكليف أنفسهم عناء التقصي لدى تلك المصادر عن نفس المعضلات التي يثيرونها ، إذ تطرق الكتاب المسلمون في حقيقة الأمر لهذه الفرضيات واعترضوا عليها .

إن ما يحرك بعض المستشرقين دافع الضغينة والحقد على الإسلام مما يفقدهم الموضوعية ويعمي بصيرتهم بطريقة أو بأخرى …

لقد كان بعض هؤلاء المستشرقين مدفوعا بالتبشير والتعصب المتحفز ) ص 8-9

كشف القرآن قبحهم فكرهوا المرآة

لقد كان حقد المستشرقين على القرآن والإسلام   نتيجة - من جهة كما كان السبب من جهة أخرى -  لما ساد بيئتهم الثقافية المتشربة بكراهيتها للإسلام على مدى الأجيال والقرون ، سواء في أمريكا أو أوربا.

وهي كراهية على وعي كاف بالتفرقة بين ما هو الإسلام ومن هم المسلمون ، ومن ثم فهم – وفي وضوح تام – يوجهونها إلى الإسلام رأسا ، ففي اعتراف الصحفي الفرنسي المعروف كلود إيمبير الذي يكتب الافتتاحيات في مجلة "لو بوان" الفرنسية نجد نموذجا لحقيقة مشاعر الكراهية التي يحملها للدين الإسلامي رأسا . وصرح بأنه يحمل نفورا من الإسلام  …، وقال إن السعي إلى إحلال شريعة القرآن مكان شرائع الدول يجعله ينفر من الإسلام، وإن الدين المسيحي يزعجه أقل ، لأنه لا يملك مثل هذا الادعاء ، وأضاف أنه " لا يوجد أي سبب للتنازل إلى حد نكران القناعات العميقة بداعي التسامح".. ومضى يقول في لقاء أجرته معه محطة "LCI" "إ ن الإسلام يحمل مجموعة من الحماقات والتقاليد القديمة المختلفة "، وأضاف " يجب أن أكون صريحا، ولي الحق وهناك غيري في هذا البلد يفكرون مثلي بأن أقول إن الإسلام لا الإسلاميين يحمل مجموعة من الحماقات والتقاليد القديمة المختلفة". المصدر : نشرة قناة الجزيرة بتاريخ 25\10\2003

كشف القرآن قبحهم فكرهوا المرآة

في تقديري أنه لم يعد الأمر يسمح بتجيير المعركة إلى المسلمين باعتبارهم نموذجا سيئا للإسلام فيصبح اللوم كله استحقاقا خالصا  لهم ، و يتم الاعتذار عن السيد " الغربي " في كراهيته للإسلام  باعتبارها كراهية مبررة ، وهو اعتذار ناشئ من نفسية الطرف المهزوم وميله لجلد الذات  وتقديره المتورم للمنتصر التاريخي ، ولقد آن الأوان للمهزومين أن يكشفوا عن جهة البلاء النازل بهم  : إنها الكراهية الطافحة عليهم من  نوافذ السيد الغربي بتكوينه التاريخي وبيئته الثقافية المتجذرة في الأعماق

ولقد ساهم في تكوين هذه البيئة بصفة أساسية تراث عريض مما يسمى " الاستشراق "

وفي صنيع قدمه للإسلام إدوارد سعيد  - قدمناه في مقالينا بالشعب بتاريخ  2\1\2004 ، 2\7\2004  - لم يقدمه له أجيال من أبنائه ممن ذهبوا للغرب للاغتراف من معينه (!) كشف الراحل العبقري في كتابه " الاستشراق : الانشاء . المعرفة . السلطة . " " ــ ترجمة كمال أبوديب طبعة 1981 صــ 64 ــ 65  - عن جريمة  المؤسسة الاستشراقية فيما سماه " شرقنة الشرق " ، هذه الشرقنة التي وضعت الإسلام عند الإنسان الغربي في سجن التصور الاستشراقي ، منذ صلة أوربا بالشرق حتى اليوم وكان من ضحاياه الأجيال والملايين في أوربا القديمة والجديدة وأمريكا الشمالية والجنوبية على السواء

وإذا كان الدكتور إدوارد سعيد قد استفاد كثيرا من جو الحرية العلمية في الولايات المتحدة للوصول إلى ما وصل إليه في دراسته عن الاستشراق فإن جو العداء الثقافي للإسلام كان أكثر تجذرا في تلك البيئة من جو الحرية العلمية  الأمر الذي ظهر أخيرا في استصدار تقنين منع مثل هذه الدراسات مستقبلا كما جاء في  تقرير لقناة الجزيرة ظهر في نشرتها بتاريخ 15\12\2003

 

إنه بالرغم من ادعاء الغرب الموضوعية في المنهج العلمي فقد أصبح من الواضح ــ وطبقـاً لدراسة " ادوارد سعيد " أنه افتقد هذه المنهجية تماماً في دراسته للشرق في جميع أدواره ، إذ أصبح الشرق عنده هو الشرق الذي " يصنعه" لأغراض في المعرفة والسلطة ، أو هو الشرق الذي " يشرقنه " على حد تعبير إدوارد سعيد " .

وكما يقول نورمان دارييل ــ حسب الدراسة المشار إليها ــ لم يكن الغرب ليقبل أن ما يقول المسلمون إنهم يؤمنون به هو فعلاً ما يؤمنون به !!  . فقد كان ثمة صورة مسيحية ــ أي عن الإسلام ــ لم يتخل الغرب عن تفاصيلها ــ حتى تحت ضغط الحقائق الواضحة

. وكانت جميع التصويبات التي أدخلت ... مجرد دفاع عما كان قد اتضح حديثاً أنه عرضة للنقد .

وقد ازدادت ــ كما يقول د . إدوارد سعيد ــ هذه الصورة المسيحية الصارمة للإسلام حدة وتوتراً بطرق لا تحصى . كان بينها ــ خلال العصور الوسطى  - تشكيلة واسعة ..

وبحلول عصر النهضة كان الشرق الأدنى قد أدغم تماماً في التصور المسيحي للعالم ، على نحو ما حدث فى أغنية رولان ، حيث تصور عبادات العرب على أنها تشمل ماهومت ، وأبولو!! .وماهومت فى اللفظ الأوربي هو محمد  !!

.. وأصبح التصور المسيحي للإسلام ليس هو الإسلام نفسه بقدر ما هو " تمثيل " الإسلام للمسيحي في القرون الوسطى.

إنها عملية تزييف علمية إن صح هذا التعبير

وتستمر عملية التزييف للإسلام ــ في الرؤية الغربية ــ منذ العصور الوسطى إلى اليوم .

وفى كتاب " المكتبة الشرقية " لبارتلمي ديربيلو ــ كتب فى آخر القرن السابع عشر وظل المرجع الرئيسي السائد في أوربا حتى أوائل القرن التاسع عشر ، نجده يقول عن محمد(  صلى الله عليه وسلم )  : ( هذا هو المنتحل المشهور ماهومت ، المؤلف والمؤسس لهرطقة اتخذت لها اسم الدين نسميها نحن "الماهومتية " … وقد نسب مفسرو القرآن ، وفقهاء الشريعة الإسلامية أو الماهومتية إلى هذا النبي المزيف كل المدائح التي نسبها الآريون والهراطقة الآخرون إلى يسوع المسيح مجردين إياه في الوقت نفسه من ألوهيته … !!! ) .هكذا .

 

وبالرغم من أن سيمون أوكلي في كتابه " تاريخ العرب " الصادر عام1708 قد أعلن دائماً ( أن الإسلام كان هرطقة مستنكرة  ) فلم يكن ذلك كافيا للتجاوب مع طابع الكراهية السائد ضد الإسلام حيث قد تم طرده من كمبردج عام 1709 لكشفه لحقيقة كانت صدمة مؤلمة للجمهور الأوربي ، تلك هي : أن الأوربيين يدينون للمسلمين بأول ما عرفوه عن الفلسفة.

والحقد الأكبر لأوربا ضد الإسلام فيما يقوله هنرى بيرس .. يبدأ من ظهور الإسلام إلى اليوم ، إذ كانت نتيجة الغزو الإسلامي الذي بدأ في القرن السابع إزاحة مركز الثقافة الأوربية باتجاه الشمال بعيداً عن البحر الأبيض المتوسط الذي تحول إلى منطقة عربية  .

وقد كان الشرق الإسلامي بخاصة هو الذي تحدى حركة الاستعمار الأوربي في العصر الحديث .

ولم يكن المؤرخ الأوربي الشهير " غيبون " استثناء من هذه القاعدة ــ في كتابه الشهير انحدار" الإمبراطورية الرومانية وسقوطها " ــ إذ يقول عن الفتح العربي الإسلامي :

( غزا هؤلاء الخلفاء الإسلاميون ــ ... خلفاءَ أغسطس وارتاكسيركس ،

وأصبح الملوك المتنافسون في الوقت نفسه فريسة لعدو كانوا لزمن طويل جداً قد اعتادوا أن يحتقروه

وخلال عشر سنوات من حكم عُمَر ابن الخطاب أخضع العرب لطاعته 36 ألف مدينة وقلعة ، ودمروا أربعة آلاف كنيسة ومعبداً للكافرين وشيدوا 1400 جامع لممارسة ديانة محمد ( !! )

وعبر مائة سنة من هربه من مكة { هكذا ... } امتد نفوذ خلفاء محمد (!!) وسلطانهم من الهند إلى المحيط الأطلسي عبر الأقاليم المختلفة والنائية ..)

 

وفى التاريخ الحديث  ها هو  نابليون يعتمد في حملته على مصر على دراسات كونت دوفولني ــ وهو رحالة فرنسي نشر كتابه " رحلة إلى مصر وسورية " في مجلدين عام 1787 م ، وكان فولني  يرى : أن ثمة ثلاثة حواجز في وجه السيطرة الفرنسية في الشرق ، وأن أية قوة فرنسية لابد أن تحارب لذلك ثلاثة حروب : الأولى ضد انكلترا ، والثانية ضد الباب العالي العثمانى ، والثالثة : وهى أكثرها صعوبة : ضد المسلمين !!  .

 

ولقد آمن فيكتور هوجو مؤلف البؤساء بمجد نابليون التكتيكي في حملته الشرقية ، وجسده في قصيدة رآه فيها :

ابن المعجزة الذي  أذهل أرض المعجزات …

وملأ الناس خوفـاً بجيوشه التي لم يكن لها سابق …

ونبيلاً جليلاً ظهر للقبائل المذهولة … مثل " ماهومت " غربى.

كشف القرآن قبحهم فكرهوا المرآة

أما كتاب " وصف مصر " الذي كان الثمرة العلمية للحملة الفرنسية ــ التي يفخر بها بعض المثقفين المصريين إلى اليوم ــ والذي طبع في ثلاثة وعشرين مجلداً ضخماً بين عامي 1809 و 1828 م ، فإن الدكتور  إدوارد سعيد يرى فيه ( المصادرة التملكية العظيمة لبلد من بلد آخر ) ، حيث انطلق الباحثون من تصور عبر عنه فوربييه فى مقدمته للكتاب من أن مصر بلد ( غارق الآن في البربرية ) تغزوه ( حضارة بلغت حد الكمال ) ، الأمر الذي دفع الكاتبين إلى أن يكتبوا من منظور سابق : فأخذوا ( يشكلون من كل ملاحظة جزئية تعميماً ، ومن كل تعميم قانوناً لا يتغير للطبيعة الشرقية ) ، وبهذا ( يزيح الكتاب .. التاريخ المصري أو الشرقي عن موضعه من حيث هو تاريخ له تماسكه الداخلي والخاص ، وهويته ومعناه ) وصار " وصف مصر " كما يقول إدوارد سعيد : ( النمط الأعلى لجميع الجهود التالية التي بذلت لتقريب الشرق من أوربا ومن ثم لامتصاصه نهائياً ).

 

ويأتي الاستعمار الغربي بعد ذلك ليتعامل مع البلاد الإسلامية من منظور استعلائي :  يقول د. إدوارد سعيد عن اللورد بلفور وهو شخصية سياسية بريطانية مرموقة فى أوائل القرن العشرين خدم بلده فى المناصب العل&