دعوات برلسكوني المشبوهة!!

 

 

 

بقلم : ابراهيم العبسي

 

بعد ان قرأت ما تفوه به رئيس الوزراء الايطالي سيليفيو برلسكوني يوم الاثنين الماضي، لاذاعة »رأي« الايطالية في روما، من ان الامة العربية امة متخلفة، لم تزل تعيش في القرون الوسطى، قفز الى رأسي ما قاله الشاعر العربي الخالد ابو الطيب المتنبي عن مثل هذا الرجل:

اذا أتتك مذمتي من ناقص

فهي الشهادة لي بأني كامل

فبرلسكوني قبل ان يكون رئيسا لوزراء ايطاليا، كان رجل اعمال مشبوها، لم يترك سبيلا مشروعا او غير مشروع لجمع ثروة هائلة، حتى اصبح احد أهم اثرياء ايطاليا، ان لم يكن اكثرهم ثراء، وهذه الثروة التي دعمها بتأسيس امبراطورية اعلامية مخيفة في ايطاليا، لمجرد الدفاع عنه، وتغطية الصفقات المالية التي تقوم بها شركاته المتعددة، وكذلك تلميع صورته، هي التي حالت بينه وبين ان يكون سجينا في احدى الجزر الايطالية، بعد ان وجهت له تهم خطيرة بالفساد والرشوة والثراء غير المشروع واللجوء الى الطرق الملتوية لجمع ثروته، حتى بعد ان اصبح رئيسا لوزراء ايطاليا، الا ان ثروته المالية الضخمة وامبراطورية الاعلام التي يمتلكها، حالت دون ادانته، اذ لم يكلفه الامر سوى استخدام جزء من هذه الثروة لتوزيعها على بعض المسؤولين الفاسدين وهم كثر في ايطاليا، اضافة الى تجنيد امبراطوريته للدفاع عنه، للخروج بريئا من هذه التهم، امام القانون الذي خبر وعرف كيف يتلاعب به، ولكن ليس امام الشعب الايطالي الذي يعرفه جيدا.

برلسكوني اذن، مجرد رجل اعمال فاسد ومشكوك في ثروته ومصداقيته، ولكنه اصبح رئيسا لوزراء ايطاليا عن طريق هذه الثروة، وعن طريق امبراطوريته الاعلامية، وهو الآن يمتلك حصانة ديلوماسية كاملة تحول بينه وبين امكانية اثبات علاقاته المشبوهة بأساطين المال والاعمال والمافيات الايطالية المعروفة، او ان اثبات ذلك مؤجل الى وقت ما وتاريخ ما.

من هذا المنطلق يمكن القول ايضا ان برلسكوني رجل ناقص، ومصطلح ناقص في القاموس العربي والايطالي والدولي يمكن ان يلصق به كل الصفات السيئة والذميمة، وبالمقابل، فان امتنا لا تزعم انها امة كاملة، حتى لو جاءها من الذم من رجل ناقص مثل برلسكوني، فما زال ينقصها الكثير للحاق بركب الحضارة الانسانية المعاصرة ودخول عصر الحرية والديمقراطية، ولكنها امة تعتز بحضارتها وثقافتها وتاريخها وتراثها وشرفها وكرامتها تلك التي يعرفها برلسكوني جيدا، بهذا المعنى ليست امة ناقصة على الاطلاق، ولذلك فان نصيحة برلسكوني له وان اتهم العرب بالانحطاط والتخلف اكثر من مرة وفي اكثر من مناسبة، من منطلق عنصري وتاريخي صليبي، ليس هو الرجل المؤهل لتقديم النصائح الملغمة لهذه الامة، خصوصا ما يتعلق منها بضرورة »استغلال الانتخابات العراقية التي يمكن ان تساعد هذه الامة على نشر الحرية والديمقراطية« معتبرا ان »عدوى هذه الانتخابات يمكن ان تنتقل الى دول عربية اخرى لم تزل تحكمها انظمة مستبدة ولا تتمتع بالحرية والديمقراطية، لا سيما بالنسبة للمرأة«، فنظرة العرب الى الانتخابات العراقية، لا يمكن ان تقود الى مثل هذه الحرية والديمقراطية اللتين يدعوا اليهما برلسكوني، بل العكس تماما، يعتبرونها مقدمة لعصر جديد من الاستعمار الامبريالي الاميركي الغربي الذي يتخفى وراء دعوات الحرية والديمقراطية التي يتطلع اليها برلسكوني واسياده في الادارة الاميركية، كيما تأتي على المقاس الاميركي الاسرائيلي البرلسكوني، اي حرية العبيد، وديمقراطية الواقعين تحت النير الاستعماري البغيض، اضافة بالطبع، الى ان هذه الانتخابات وكما تقول الغالبية العظمى من معارضيها داخل العراق وخارجه، وحتى في الاوساط الاميركية، انها ستنزلق بالعراق الى مصير خطير، اقله عودة العراق الى عصور النفوذ والهيمنة الاستعمارية، واقصاه الى تمزيق العراق وتقسيمه انسجاما مع مخططات صناع القرار في الادارة الاميركية من المحافظين الجدد الصهاينة والمتصهينين، واستجابة للطموحات الشريرة للكيان الصهيوني الذي لا يريد لهذا البلد ان يعود وطنا عربيا موحدا، وقويا ومرهوبا قادرا على الدفاع عن نفسه، والمشاركة في الدفاع عن قضايا امته المصيرية.

صحيح ان هناك بعض الانظمة العربية التي لم ترق بعد الى مستوى العصر المتفجر بالعلم والتكنولوجيا، والحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، ولكنها ابدا لا تعيش في العصور الوسطى، ولا تعرف هذه العصور التي عاشتها اوروبا، والتي يعرفها برسلكوني جيدا، ومع اعترافنا بضرورة احداث اصلاحات ديمقراطية سياسية واقتصادية واجتماعية في الدول العربية، الا ان هذه الاصلاحات لن تتأتى بالاقتداء بالنموذج العراقي، والانتخابات العراقية التي جرت تحت حراب الاحتلال، بل بالعمل العربي الداخلي الرسمي وغير الرسمي، عن طريق تفعيل القوى والاحزاب والمنظمات السياسية الوطنية، وكذلك مؤسسات المجتمع المدني لاحداث هذه الاصلاحات التي تتناسب مع الحضارة العربية والثقافة العربية والشخصية العربية والتي تصب في بوتقة تصليب الاوضاع العربية، ودفعها للنهوض وامتلاك حريتها وديمقراطيتها على الطريق التي يمكن ان تحقق اهداف هذه الامة وتطلعاتها في التحرر والانطلاق، لا وفق الرؤية الاميركية التي يروج لها برلسكوني.