شهادة للتاريخ وللتصحيح حول السجناء الإسلاميين في تونس
إعداد : عبد
الستار بن عبد الله
توطئة: يأتي نشر هذه
الشهادة في خضم المحاصرة والتشويه الإعلامي والضغط والمتاجرة الدبلوماسية للتعتيم
على مأساة طال أمدها كما تأتي في خضم اللغط والمغالطات التي تستهدف تضليل الرأي
العام المحلي والدولي حول طبيعة وخلفية استهداف الإسلاميين في تونس منذ عقد ونصف من
الزمن ( انظر تصريح المستشار الاعلامي بسفارة تونس بلندن إلى صحيفة الشرق الأوسط
بتاريخ 19 ديسمبر 2004 )، كما تأتي في وقت تتضاعف فيه المأساة ويستمر فيه استهداف
أي نفس إسلامي أصيل ويتجدد فيه الإصرار على الاستئصال وتجفيف منابع التحرر في زمن
بدأت تتساقط فيه تقاليد الممارسات الغير الإنسانية ضد الخصوم السياسيين وفي وقت
شرع فيه البعض في محاكمة الماضي المظلم حتى يتم تحصين المجتمع من تكرار تلك
الممارسات كما يحصل في الشهادات العلنية التي تبث مباشرة في المغرب الأقصى حاليا
وكما يتهيأ له كذلك المجتمع الجزائري لطي صفحة الماضي تجاوبا مع مشروع العفو العام
الذي اقترحه الرئيس بوتفليقة
في خضم التفاؤل الذي
أبداه البعض إثر الإفراج عن حوالي ثمانين سجينا سياسيا من بين قرابة 600 سجين من
حركة النهضة ، بالرغم من أن جل المفرج عنهم لم يبقَ لهم إلا بعض الأشهر بعد أن قضى
بعضهم قرابة الـ15 سنة في زنزانات انفرادية كما هو الحال للمهندس علي العريض
الناطق الرسمي باسم حركة النهضة (حتى أن تلك الخطوة المحدودة والمغالطة اعتبرها
البعض من باب المتاجرة بمعاناة المساجين السياسيين حيث تم اتخاذها للتغطية عن
انتخابات لم تختلف عن سابقاتها رغم التطبيل والوعود) ، و في خضم الأمل من قبل
البعض الآخر بأن يمتد الإفراج ليشمل بقية المحتجزين الذين طالت مظلمتهم و معاناتهم
ببعدها الإنساني و الأخلاقي ، فاجأ رئيس الدولة في خطابه بمناسبة أداء اليمين
الدستورية في مجلس النواب يوم 17 نوفمبر 2004 الرأي العام المحلي و الدولي
بالإصرار على أنه لا يوجد في تونس سجناء رأي أو سجناء سياسيون ، و أن العمل
السياسي حر . و في إشارة إلى سجناء حركة النهضة والدعوات الملحة للإفراج عنهم، أكد
على عدم التمييز بين مواطن و آخر في المعاملة الإنسانية مراعاة لحقوقه و احتراما
لمبدأ تساوي الجميع أمام القانون و أمام العدالة.
إلا أن المتتبع إلى
مختلف مراحل الأزمة بين السلطة و حركة النهضة لا يمكن إلا أن يعتبر أن تصنيف قضايا
مساجينها ضمن قضايا الحق العام يُجانب الحقيقة و يقفز على واقع مترد غير إنساني
أجمعت المنظمات الحقوقية في الداخل و الخارج على ضرورة إنهائه و اتخاذ إجراء فوري
بشأنه عبر إصدار العفو التشريعي العام للحد من هذه المظلمة المستمرة على مئات
المواطنين المحتجزين و لرفع المعاناة عن عائلاتهم و نسائهم و أبنائهم و آبائهم و
أمهاتهم الذين حرموا من فلذات أكبادهم أو من عائليهم بدون جرم اقترفوه.
و للتصحيح، و الكل
يدرك، فإن قضية المساجين الإسلاميين هي سياسية بالأساس ولا تمت بقضايا الحق العام
بصلة، و يكفي الإشارة إلى الملاحظات التالية التي تعكس الظروف التي اكتنفت مختلف
المراحل التي مر بها السجناء لاستيضاح هذه الحقيقة مع التنبيه إلى أن كل المعلومات
المدرجة في هذا المقال مستخرجة من بيانات وتقارير وشهادات منشورة للعموم من قبل
منظمات دولية ومحلية معنية بقضايا حقوق الإنسان عامة والمساجين السياسيين
خاصة :
1- لقد تم في بداية
العقد الماضي اعتقال الآلاف من أبناء و أنصار حركة النهضة في مرحلة جاءت إثر
انخراط الحركة في التجربة الديمقراطية
الوليدة والمفترضة والمتوقعة في أواخر الثمانينات ومشاركة الإسلاميين في
الانتخابات ضمن قوائم المستقلين و قد أقرت وقتها السلطة بأن هذه القوائم تحصلت على
ما يقارب الـ20 في المائة من الأصوات ولم تحصل على أي مقعد بالبرلمان نظرا لطبيعة
النظام الانتخابي، و إن كانت الحركة قد عبرت عن احترازها من تلك النتائج و أكدت
وجود العديد من الخروقات و التلاعب، و إن نسبة المصوتين لفائدتها تتجاوز ذلك بكثير.
إلا أنها وبالرغم من ذلك و حرصا منها على السلم المدني، آثرت المصلحة العليا
للبلاد و لم يصدر منها أي من ردود الأفعال العنيفة كما حصل مثلا في الجزائر.
و قد استعملت السلطة
آنذاك تلك الانتخابات لإحصاء و للتعرف على العناصر المؤيدة لحركة النهضة وخاصة تلك
التي شاركت في الإشراف على مكاتب الاقتراع ممثلة للمستقلين و التي كانت المستهدفة
الأولى في حملة الاعتقالات.
و قد اعتبر البعض أن
العملية برمتها كانت فرصة سانحة للسلطة للتعرف على أنصار المعارضة الإسلامية مما
ساعد على الانقضاض عليها وتصفيتها عند ساعة الصفر. فهل أن سجناء الحق العام يقع
استدراجهم كـــشركاء سياسيين ثم يقع الإيقاع بهم متلبسين بمشاركتهم في جريمة ممارستهم
لحقوقهم المدنية و السياسية و التي يظن البعض أن تلك الممارسة منة تمتن بها السلطة
على من تقوم بتزكيتهم وأن كل من يحاول تجاوز الخطوط الحمراء التي تضعها لهم يقع في
جب الخطيئة و يصنف ضمن الخارجين على القانون .
2- إن الآلاف من
أنصار حركة النهضة الذين تم اعتقالهم و
إحالتهم على المحاكم لم يرتكبوا أي فعل مادي يجرمه القانون، و لم ترتكب في تونس أي
أعمال عنف بالرغم من شدة المظالم حيث اتسمت الحركة بقدر عال من ضبط النفس حرصا
منها على حقن الدماء و نبذ كل مخاطر الانحراف في متاهات العنف الذي يجرها إليها
البعض جرا قصد تبرير الحملة . و لم نسمع عن ردود فعل عنيفة، بل دعوات مستمرة إلى
الصبر. و إذا كانت السلطة قد روجت إلى بعض الأعمال المنسوبة إلى بعض الأفراد، و
التي اعتبرتها تصب في خانة العنف، و هي وبالرغم من أنها كانت محدودة جدا، فيمكن أن
تعكس ردود أفعال
شخصية غير مسؤولة على شدة الضيم و التنكيل الذي لحق
بالمعتقلين آنذاك، و لا يمكن نسبتها لحركة النهضة التي أنكرت و نددت بكل الأفعال
العنيفة.
من جهة أخرى ، فإن معتقلي حركة النهضة لم يحاكموا على أفعال
ارتكبوها بأيديهم بل على نواياهم وتوجهاتهم العقائدية و الفكرية حيث كانت التهمة
العامة هي الانتماء إلى جمعية غير معترف بها ، و هذا أمر موثق في سجلات وزارة
العدل و لا ينكره إلا مكابر ولم يحاكموا من أجل سلوك مشين أو جرم ولو يعرف جلهم في
محيطهم الأسري أو المهني أو الدراسي هذا
إلا بالتزامهم بقيم أخلاقية و سلوكية مميزة، كما شهد بذلك شركاؤهم في المعتقلات من
سجناء الحق العام الذين فوجؤوا بشركاء من نوع خاص لم يألفوهم سابقا. فهم، وبالرغم
من الظروف السجنية القاسية، يحرصون على
أداء واجباتهم الدينية في أوقاتها و التقرب إلى بارئهم بالصيام و حفظ و تلاوة
القرآن. و قد اهتدى على أيديهم داخل السجون عدد من سجناء الحق العام و عزموا على
الإقلاع عن الجريمة. و لا يخفى ما تسرب من تضايق مسؤولي بعض السجون من هذا التغيير
السلوكي و الأخلاقي لدى بعض سجناء الحق العام، و من تقربهم من السجناء الإسلاميين
و حرصهم على أداء الصلاة معهم ، و هو ما حدَا بالبعض معاقبتهم على هذا السلوك
المشين و تحذيرهم من مغبة التمادي في ذلك ولا يزال شاخصا مشهد ذلك المسؤول الذي
يسحب احد مساجين الحق العام بسجن صفاقس من صف صلاة الجماعة مع مجموعة من المساجين
الاسلاميين بجذبه من أذنه محذرا إياه من مغبة تكرار صنيعه.
هذه هي تهمة الانتماء
التي من أجلها تمت محاكمتهم و حشرهم مع أطياف مختلفة من سجناء الحق العام ممن
حوكموا لارتكاب خطايا في حق المجموعة الوطنية كالجرائم المرتبطة بالسكر و السرقة
والمخدرات و الاغتصاب و غير ذلك. فهل يعقل أن نُساوي بين هؤلاء و أولئك، و نعتبرهم
في خانة واحدة خانة سجناء الحق العام.
3- أن الطريقة التي
تم بها إيقاف العديد من الإسلاميين تنم على إصرار في التشفي والتنكيل وفي انتهاك
الحرمات حيث اتسمت عامة بملابسات و ظروف غير إنسانية ومرعبة ويكفي أن نشير كمثال
لذلك ظروف إيقاف عادل الطيب بعد عيد الفطر بثلاثة أيام سنة 1993
حين داهم البيت ثمانية أشخاص مسلحين بالمسدسات والرشاشات وجميع أفراد
العائلة نيام ،فأوثقوه وفتشوا غرفته وخزانته وأوراقه واحتجزوا شهاداته ثم اقتادوه
معهم موثوق اليدين ولم تستطع والدته معرفة مصيره إلا بعد أيام عصيبة من
المعاناة والانهيارات.
ولم تقتصر معاناة
الإيقاف على استهداف المساجين بل تعدتهم إلى التنكيل بعائلاتهم، حيث تم اتخاذ بعض
أفراد العائلات رهائن لإجبار الفارين من المطلوبين - الذين اضطروا إلى الاختفاء
تهربا من ويلات التعذيب والإيقاف وإلصاق التهم المجانية - على تسليم أنفسهم ومن
ذلك حجز ابنة "خالد النوري" التي لم تتعد 9 سنوات لإجبار زوجته الحامل
على الإدلاء بمكان اختفائه واعتقال زوجة "صالح الدريدي" وتعذيبها
لإجباره على تسليم نفسه، وأما زوجة السجين
علي النفاتي فقد عاشت هي وبناتها الثلاث
دون العاشرة وابنها الرضيع مأساة المداهمات والترهيب والتهديد وأخذوا كل شيء من
بيتها من كتب ووثائق ومراسلات شخصية وحتى العقود التي تثبت ملكية زوجها لمنزلهم تم
حجزها وقد وصل الحد إلى دفعها إلى تطليق زوجها,
تلك هي عينة من ظروف اعتقال الإسلاميين والتي أخالها تفتقد لأي حس من
الإنسانية وتنم على روح من التشفي ضد كامل أفراد عائلاتهم وهي ظروف لا تصحب إيقاف
سجناء الحق العام.
وأما السيدة مبروكة الطبّاشي حرم السجين السياسي
إبراهيم الدريدي المحكوم بـ 59 سنة وشهرين والتي لم تتعاون مع قوى الأمن للإدلاء
بمكان اختفاء زوجها– وهي التي تجهل مكانه أصلا-
فإلى جانب الترهيب الذي تعرضت إليه والاقتحام العنيف الذي تعرض له بيتها
وما صاحب ذلك من بعثرة الأثاث وتكسير ما يمكن تكسيره من خزائن و فرش و صحون فقد
مورس ضدها العنف اللفظي إلى جانب العنف
المادّي حيث وقع تعمد ضربها على مرأى من ابنتها أمل ( 6 سنوات ) وابنها نصر الدين (
4 سنوات ) ثم تم تخويفهما مما جعل ابنتها
أمل تعمد إلى الانبطاح على بطنها و تضع يديها على وجهها عند كل هجوم على بيتها
حتّى لا ترى أمها تتلقى اللكمات و الركلات بكل وحشية وقد دامت هذه الوضعية
المأسوية مدة 5 سنوات من 1991 إلى 1995!!! تاريخ تسليم السجين لنفسه بعد أن طف كيل
الممارسات وشمل العجّز من العائلة حيث لم تُحترم والدته العجوز الكبيرة السيدة
زهرة الدريدي وتعرضت للركل والضرب على
الرأس و على الوجه وهي إلى اليوم تشكو الصداع الحاد المستمر من مخلفات ذلك أما
والده وهو شيخ كبير يناهز عمره 75 سنة فقد تعرض بدوره للضرب بدون سبب ونقل إلى
منطقة قريبة من البحر تسمّى "رندو " بمنزل بورقيبة ببنزرت حيث تعرض
للتهكم و الإهانة وأرغم على الحفر في
الرمل مطالبا باستخراج المناشير المردومة هناك حسب الادعاء.
وأما عائلة السجين
الهاشمي المكي المحكوم بـ 31 سنة فقد تعرض
بيتها للمداهمة في أواخر شهر سبتمبر 1991
من قبل فرقة من منطقة بنزرت و مركز منزل بورقيبة قصد البحث عنه والقبض عليه، و لما
لم يجدوه تعرض البيت إلى بعثرة الأثاث، كما تم الاستيلاء على مبلغ خمسين دينارا و
بعض المصوغ التي كانت لزوجته والتي تعرضت بدورها للشتم و رفع السلاح في وجهها و
كان ذلك بحضور أبنائها الذين لم ينسوا هذا
المشهد الغير الإنساني. وفي سنة 1995 أخذت المضايقات منعرجا خطيرا حيث اعتقلت الزوجة بمنطقة بنزرت يوم 21 جوان
واحتجز بقية أفراد الأسرة داخل البيت ومنعوا من
الخروج مما حرم الأبناء من الالتحاق بالمدرسة لإجراء امتحان آخر السنة وكان
قد أوصاها والدها بالاعتناء بأبناء أختها
مبروكة التي اعتقلت بدورها في نفس اليوم بمنطقة الشرطة ببنزرت للضغط عليها في
موضوع اختفاء زوجها السجين السياسي
إبراهيم الدريدي
4 - إذا كان السجناء
الإسلاميون و سجناء الحق العام متساوون أمام القانون و العدالة كما يقال، فلماذا
لم يعاملوا في مراحل التحقيق معاملة مماثلة. فالتعذيب الذي تعرض له العديد منهم من
أجل استنطاقهم إكراها باعترافات لا يمتَ الكثير منها للواقع بصلة أصبح مُوَثَقا
لدى منظمات حقوق الإنسان في الداخل والخارج، و إن القضايا المرفوعة لدى المحاكم
الدولية في هذا المجال (ممارسة التعذيب) لا تزال قيد المتابعة سواء بالمحاكم
الفرنسية أو السويسرية و التي تخص من ارتبطوا بتلك الممارسات ، ومن بينها القضية
التي رفعت لدى القضاء المدني السويسري و التي حدد تاريخ النظر فيها في ربيع 2005 و
التي رفعها السجين السياسي السابق عبد الناصر نايت ليمام ضد عبد الله القلال
الشخصية المعروفة التي تركت بصماتها على عشرية الموت عندما شغلت منصب وزير
اللداخلية في بداية التسعينات وتشغل حاليا منصبا قياديا بالحزب الحاكم في لجنته
المركزية وقد تم توجيه استدعاء رسمي مضمون الوصول في الأسبوع الثالث من شهر ديسمبر
2004 من القضاء السويسري إلى المدعى عليه لحضور جلسات النظر في الدعوى التي ينتظر
أن تحظى باهتمام إعلامي كبير خلال شهر جوان القادم. و قد وصل حد ممارسة العنف و
التعذيب ضد السجناء الإسلاميين أن توفي بعضهم في المعتقلات كما سيذكر لاحقا. و أما
عديد القضايا التي ترفع في هذا الإطار لدى المحاكم التونسية، فــعادة ما تُحفظ و
لا يتم متابعتها. ولانعدام إمكانية ممارسة
حق التقاضي لدى المؤسسة القضائية في تونس التجأ عدد من المواطنين من ضحايا التعذيب
إلى الآليات الدولية والقضاء الدولي، ففي 9 ماي 2002 رفعت مواطنة تونسيّة (ز.م) دعوى قضائية لدى القضاء
الفرنسي و استنادا للمجلّة الجنائيّة و للمعاهدة الدّوليّة ضد التّعذيب و المعاملة
القاسية و اللاإنسانية و المهينة ( المصادق عليها من قبل الحكومة التّونسيّة ) ضد شخصية قنصلية رفيعة بستراسبورغ المدعو خالد
بن سعيد بصفته الذي شغل خطّة رئيس منطقة شرطة
لممارسة التّعذيب أثناء مباشرته لوظيفته و صدرت بطاقة إيقاف دوليّة في شأنه
إلا أنّه غادر التّراب الفرنسي قبل ذلك .
فهل بعد كل هذه
الظروف و الملابسات يمكن أن نصر في تصنيف قضايا المساجين السياسيين ضمن قضايا الحق
العام.
5- من غرائب وعجائب قضايا الإسلاميين والتي لا
يمكن أن توجد مثيلاتها لدى مساجين الحق
العام أن العديد منهم تتم محاكمتهم لنفس القضايا أكثر من مرة وتتراكم الأحكام حتى
أن أحدهم وبمجرد خروجه من السجن بعد أن قضى أكثر من عشر سنوات وقبل أن يفرح به
أبناؤه وعائلته يتم إيقافه بحجة أنه توجد قضية أخرى تنتظره مرفوعة لدى القضاء وتشتمل عادة على
نفس اتهامات الانتماء وغيرها فعلى سبيل المثال فإن السجين
السياسي لطفي العيدودي وجد نفسه يقضي عقوبتين صادرتين عن نفس المحكمة في قضية
واحدة الأولى صادرة بتاريخ 1996/1/31 ومدتها ثمان سنوات والثانية صادرة بتاريخ 1996/6/27
تحت عدد 56150/26236 ومدتها خمس سنوات وتسعة أشهر مع العلم وأن مضمون الاتهام الذي
تنصَ عليه محاضر البحث لا يعدو أن يكون
متعلقا بنشاط نقابي سنوات 1990/89 مضمونه معلقات حائطية واجتماعات طلابية عامة وهو
نشاط قانوني تماما بحكم حدوثه في إطار الإتحاد العام التونسي للطلبة القريب من
الإسلاميين و الذي كان يتمتع بالترخيص القانوني آنذاك .
وأما السجين عبد
اللطيف الوسلاتي فقد وقع سجنه منذ 1989
بتهمة الانتماء إلى حزب غير مرخص فيه ( النهضة ) وحوكم بسبعة سنوات و نصف. و عند
انقضاء المدة سنة 1997 عاد في اليوم نفسه الذي خرج فيه ووقع إرجاعه إلى السجن عند
منتصف الليل، قبل يوم عيد الفطر بثلاثة أيام تقريبا بحجة أن له أحكام أخرى واحدة
بخمس سنوات و نصف و أخرى بأربعة سنوات و نصف لتهمة الانتماء نفسها التي حوكم من
أجلها، والسيد عبد اللطيف الوسلاتي كان قد
ترك ابنه سنة 1989 و عمره إحدى عشر يوما.
و في 11 ماي 2002 نظرت محكمة الاستئناف في القضية عدد 4237 للمرة
الثانية, والمتهم فيها السيد منصف المحمدي, وذلك من اجل الانتماء إلى جمعية غير
مرخص فيها (حركة النهضة)، وقد سبق أن حوكم السيد المحمدي ثلاث مرات من اجل نفس
الأفعال، وفي 2 جوان 2002 مثل السيد عبد
الله إدريسة أمام محكمة الاستئناف ببنزرت،
من أجل أفعال سبق أن حوكم فيها بـ 57 سنة سجنا, بتهمة الانتماء إلى جمعية غير مرخص
فيها هي "حركة النهضة"، و في 10 جويلية 2002 أصدرت الدائرة الجنائية الأولى بمحكمة تونس
حكمها في القضية الاعتراضية ضد السيد مراد الحاج رمضان والتي قضت فيه بسجنه مدة
عامين مع النفاذ وبمثلهما مراقبة إدارية، وذلك من أجل الانتماء إلى جمعية غير مرخص
فيها ( النهضة )، وقد سبق للدائرة الجنائية الأولى النظر في هذه القضية غيابيا يوم
25 مارس، كما سبق أن حوكم السيّد مراد الحاج رمضان لنفس الأفعال.
6- إن محنة السجناء
الإسلاميين لا تنتهي مع التحقيق كما هو حال
مساجين الحق العام بل تدخل في منعرج جديد بمجرد وصولهم إلى السجون حيث تبدأ
هذه المرحلة من المعاناة بما درج على تسميته حفلات الاستقبال وهو ما يعده مسؤولي
السجون لنزلائهم الجدد من الإسلاميين فعلى سبيل المثال ما حصل لقافلة 27 ماي 1991 التي حلت بسجن الناظور (قادمة
من سجن تونس) وشملت 14 سجيناً إسلامياً
يصاحبهم المقدم محمد العتيري (المتفقد العام للسجون) والرائد علي بن عيسي، فبمجرد
الوصول إلى ساحة السجن كان كل شيء جاهزاً لما سمى ب "الاستقبال الخاص" إذ
تجمع قرابة (60) من أعوان الطلائع على رأسهم مدير السجن الملازم أول رضا بلحاج
مصحوبين بالكلاب، وبعد توزيع المقصات عليهم، بادر الأعوان بالقطع العشوائي لأظافر
السجناء (وأيديهم مكبلة إلى الخلف) مما نجم عنه سيلان الدم وانتفاخ الأصابع. ثم
ابتدأ التنكيل الجماعي بالصفع والضرب بالهراوات على كل أجزاء الجسم مع التركيز على
المناطق الحساسة والإجبار على الزحف مسافة 200م تقريباً! "ثم جمع المساجين ال
14 في زنزانة واحدة وتمت تعريتهم تماماً بعلة التفتيش مع إتلاف ملابسهم الداخلية،
وحوالي منتصف الليل داهم المدير وبعض أعوانه الزنزانة مسلحين بالرشاشات واقتيد أحد
المساجين إلى الخارج حيث أوثق بالسلاسل إلى النافذة لإيهام زملائه بأنه سيتم إطلاق
النار عليه ثم يأتي دور البقية.. وتكرر نفس سيناريو التعذيب في اليومين التاليين.
7- داخل السجون ،
عومل العديد من السجناء السياسيين معاملة سيئة و تم وضع العديد منهم في زنزانات
انفرادية لمدد طويلة على عكس ما يسمح به القانون و ذلك لتحطيم معنوياتهم و ممارسة
القتل البطيء ضدهم و حرمانهم من أبسط حقوق السجناء من المتابعة الصحية و قد أدى
تدهور صحة العديد منهم في السجون إلى وفاتهم مثل السجين سحنون الجوهري والشيخ
الزرن و غيرهم كثير. كما أُصيب العديد منهم بالأمراض الخطيرة و تدهورت صحتهم بدون
أن تحرك إدارة السجون ساكنا. و حالة الإغماء و الغيبوبة التي نقل فيها السجين
السياسي لطفي العيدودي إلى المستشفى مقيد اليدين – بعد أن أصيب بنزيف دماغي- لا
تزال شاخصة للعيان فقد أصيب يوم 18 اكتوبر
2003 بانقطاع عرق بالدماغ بمحل احتجازه
بسجن 9 أفريل بتونس العاصمة ولم يقع إسعافه في الإبان وبقي بحالة غيبوبة
الى يوم 25 أكتوبر 2003 حيث ادخل إلى معهد الأعصاب بالرابطة وقد طلب الأطباء نقله إلى المصحة المختصة
الكائنة بسكرة حيث تتوفر تجهيزات متطورة ضرورية
لإجراء عملية جراحية معقدة على الدماغ
لكن الإدارة العامة للسجون رفضت تحمل تكاليف العملية مما دفع أطباء معهد
الأعصاب بالرابطة إلى إخضاعه إلى عمليتين
جراحيتين يومي 1و2 نوفمبر 2003 بما توفر لديهم من إمكانيات. وبقي لطفي
العيدودي منذ ذلك التاريخ يعاني من شلل
نصفي ومن انتفاخ بالدماغ استوجب إزالة الغطاء العظمي للرأس. و قد توفي البعض منهم
إثر إطلاق سراحهم نتيجة تراكم التدهور المستمر في صحتهم منذ الفترة السجنية التي
قضوها. و أما الممارسات المنتهكة للكرامة البشرية و التي يقصد بها الحطَ من
المعنويات و التنكيل بالخصوم فلم يسلم منها سجناء حركة النهضة، و حادثة الاعتداء
الوحشية واللاأخلاقية على شرفه الذي تعرض لها السجين نبيل الواعر الذي سجن في ريعان شبابه و التي تمت بأمر و بإشراف من مسؤولي السجن لا
تزال حية في الأذهان و تتداولها المنظمات الحقوقية إلى اليوم.
فإذا كان هذا هو حال
المساجين السياسيين، فهل أن التساوي أمام العدالة و القانون يعني أن هذه الممارسات
تشمل كل نزلاء السجون التونسية بدون تمييز بين مواطن و آخر إلا بما يستحق من
معاملة إنسانية تراعي حقوقه.
8- كما تم التضييق
على المساجين وفرض المراقبة اللصيقة عند اتصالهم بزائريهم وتعرض الطرفان إلى أنواع شتى من الإهانة مما تتسبب
للبعض منهم متاعب نفسية كما حصل للسجين جلال مبروك الذي حوكم سنة 1991 ب21 سنة سجنا وهو مصاب بعدّة أمراض بدنيّة ( مرض القلب) ، و نفسيّة ( انفصام الشّخصيّة ) ، و حسب أطبّاء مسجونين معه فإن صحته
قد بدأت تتفاقم نتيجة
ظروف الإيقاف و السّجن و العزلة
الطّويلة التي وضع فيها و الصّدمة التي تعرّض لها عندما و قع تعنيف والدته المسنّة
أمام ناظريه في فسحة الزّيارة لاحتجاجها على وضعه وذلك بسجن بلاّريجيا بجندوبة عند
قدومها من قابس لزيارته أي بعد أن قطعت قرابة 700 كلم.
9- لقد أدت المعاملة
الرهيبة التي تعرض لها المحتجزون الإسلاميون إلى فضائع لم تشهد لها الربوع
التونسية مثيلا حتى في أحلك فترات الاستعمار أدت إلى تحطيم كامل لحياتهم وتحويلها
لجحيم دنيوي، ولم يقع التمييز بين المرأة والرجل في هذا الأمر وتشهد على ذلك قصة
السجينة هدى بن قيراط من مواليد 27/11/1967
أصيلة جزيرة جربة، والتي بدأت مأساتها وهي طالبة بكلية الشريعة وأصول الدين في شهر
مارس 1991 حين فرضت عليها ظروف الملاحقة البوليسية الانقطاع عن الدراسة وبقيت من
مركز شرطة إلى آخر تتلقفها بطاقات إرشادات ومحاضر بحث وحجز لا قانوني إلى أن تم
إيداعها السجن في ظروف مأساوية أدى إلى
تعرضها إلى انهيار عصبي خاصة بعد ما قامت إدارة السجن بإيداع سجينة حق عام معروفة
لدى الجميع بأنها سحاقية ( تدعى ع هـ ) في
نفس المكان مما سبب لها جوا من الرعب والخوف,
ورغم انهيار هدى والحالة هستيرية التي أصبحت عليها ومحاولات الانتحار
المتعددة التي قامت بها وذلك بخنق نفسها وعوض أن تنقل للعلاج تم ترحيلها إلى سجن
القيروان حيث تلقفها الأعوان والمدير
بالضرب والركل وطلبوا منها الانبطاح أرضا وبقيت كذلك لمدة نصف يوم معرضة للركل
والضرب من طرف كل داخل وكل خارج من الأعوان . وعند انقضاء فترة سجنها استمرت
مأساتها بفرض المراقبة إدارية عليها رغم أن الحكم لا يشمل عقوبة تكميلية مهما كان
نوعها. بقيت هدى تتردد على مستشفى الرازي للمداواة والعلاج وتمر
بفترات هلوسة واكتئاب ونوبات من الصرع والهلوسة والاضطراب النفسي لدرجة أنها تخرج من المنزل تجوب الأزقة
والشوارع وتهذي وكم مرة دخلت إلى مركز الشرطة في حالة هيجان وكم مرة حاول رئيس
المركز استصدار قرار إيواء بمستشفى الأمراض العقلية. وهكذا أصبحت هدى حطاما بعد أن
كانت طالبة بكلية الشريعة وأصول الدين تشع
حياتها بالنجاح والطموح.
10- لقد تدهورت
الظروف الصحية نتيجة للإهمال وسوء المعاملة التي تعرض لها المساجين الإسلاميون
والمماطلة في المتابعة الصحية ففي بداية 1992 أصيب أحد المساجين في سجن الهوارب
بالقيروان بفتق في مستوى أسفل البطن من الجهة اليسرى. وقد وعده طبيب من القافلة الصحية التي زارت
السجن بعرضه على جرَاح وحدد موعد العملية في 7-1-1997 فانطلق مسلسل النقل التعسفي الذي يسبق كل موعد
فقد نقل إلى سجن المنستير ولما حدد له موعد جديد نقل مجدداً إلى سجن تونس فقوبل بتسويف جديد، بل إن رئيس المصلحة آنذاك الملازم
أول نور الدين سمية، قال له بالحرف الواحد: "لا يمكن إخراجك إلى المستشفى إلا
إذا بلغ الفتق درجة من الخطورة تستدعي التدخل العاجل!!"، ولعل هذا ما حصل
للسجين الطالب لطفي العيدودي الذي ترك يعاني من
التدهور المستمر في صحته ولم ينقل
إلى المستشفى إلا عندما وصل إلى مرحلة الغيبوبة حيث نقل إلى المستشفى مقيدا بعد أن
أصيب بنزيف في الدماغ.
وقد أدت الممارسات
الفظيعة التي ارتكبت في حق المساجين الإسلاميين إلى إصابة العديد منهم بعاهات
دائمة بين الشلل وفقدان السمع أو البصر أو الاختلال العقلي ومن نماذج ذلك من باب
الأمثلة وليس الحصر فهناك من لأصيب بالشلل النصفي (رضا العلبوشي و جلال المبروك) أو
الانزلاق الغضروفي(رضا العلبوشي و بوراوي مخلوف) أو كسران في العمود الفقري مع شلل
نصفي(محمد المسدي) أو كسر في الأضلاع وانزلاق غضروفي وشلل في الساق اليمنى (الأسعد
الجوهري ) وقد وصل الحد إلى الاختلال العقلي (بشير القايدي و فيصل قربع)
11- لقد أدى
التنكيل الفظيع والمعانات الرهيبة التي
تعرض العديد من المساجين إلى وفاتهم فالقائمة الكاملة لمن قضوا نحبهم وهم في عهدة
السلطة تضم الكثير و يمكن التذكير فقط بالسيد
المولدي بن عمر (41 سنة) الذي توفي في الأسبوع الثاني من شهر جانفي 1992 بدهليز السجن المدني 9 أبريل والسيد إسماعيل
خميرة (40 سنة) الذي توفي في شهر رمضان من
سنة 1994 نتيجة الإهمال الطبي، فقد كان
مصاباً بالروماتيزم في الدم، ولذلك نقل من معتقل برج الرومي إلى معتقل 9 أبريل
بتونس لمعالجته بمستشفى شارل نيكول، وقد أقام بجناح المصحة دون علاج وبإهمال تام
من الطبيب لمدة شهرين إلى أن قضى نحبه والسيد سحنون الجوهري (42 سنة) كان مصاباً بالقرحة والتهاب المصران الغليظ،
وعندما فوجئ بظهور انتفاخ في جانبه الأيسر تحت الضلوع ظل طيلة صيف عام 1994 يلح على مدير سجن المهدية الملازم أول الهادي
الزيتوني بعرضه على إخصائي، غير أن طبيب السجن ومديره كانا يرفضان خروجه للتداوي
بعلة أمنية، وفي ديسمبر 1994 حيث نقل
لزيادة التحري والبحث بطلب من إدارة أمن الدولة، وبقى على ذمة البحث في العزلة
بسجن "9 أبريل" إلى تاريخ وفاته نتيجة حالة النزيف التي كان عليها وذهب
الإصرار العدواني لمدير السجن الرائد "التومي
الصغير المرغني" ورئيس المصلحة الصحية الطبيب "حليم بوشوشة" إلى حد رفض توفير الدم اللازم له عندما كان
ينزف بدعوى أنه لا يسعف "كلباً"! وقد ظل السجين ينزف من الساعة 8 من
مساء 25 جانفي 1995 حتى الساعة الثالثة
صباحاً من فجر يوم 26 جانفي حيث صعدت روحه إلى السماء. ومن الضحايا الذين رحلت بهم قافلة الموت كذلك يمكن ذكر عزالدين بن عائشة (35 سنة) والشيخ مبروك الزرن الذي لم يشفع له كبر سنه للتخفيف
من معاناته (70 سنة) و جميل وردة الذي توفي بسجن الكاف سنة 1997 نتيجة الإهمال والمعاملة القاسية والسيد رضا البجاوي الذي أصيب بمرض السل وتوفي نتيجة
إهمال علاجه.
كما تم خلال سنة 2002
تسجيل حالتي وفاة تخصّان السّجين عبد الوهّاب بوصاع المقيم بسجن برج الرّومي
ببنزرت ( و كان يبلغ 34 سنة من العمر والمحكوم عليه سنة 1991 بـ16 سنة سجنا) و السّجين لخضر بن حسين
السّديري ( وهو من مواليد سنة 1966 وكان حكم سنة 1991 بـ28 سنة سجنا ) بمستشفى فرحات حشّاد بسوسة و الذي نقل له- كما
نقل ملفّه السّجني إلى سجن المسعدين بسوسة- من سجن الهوارب بالقيروان وذلك
بعد تدهور حالته الصّحيّة ، وتعود أسباب الوفاة إلى إهمال صحّي و عدم
إسعافه بالعلاج المناسب و في الوقت المناسب
12- ولمن لم يمت في
السجن ممن عانوا من الأمراض السجنية فإن مضاعفات التدهور الصحي الذي بدأ في السجن
قتلته خارجه ومن ذلك وفاة السجين المسرح عبد المجيد بن طاهر- أب لطفلتين- يوم 13
أكتوبر2003 بعد مكابدة مع المرض الخبيث الذي خرج به من السجن في 1 أفريل2002 بعد قضاء مدة 12 عاما تعرض كغيره إلى ألوان شتى من التعذيب والتنكيل
والإذلال ممَا يعجز القلم عن وصفه وممَا يشهد على فظاعة ولا إنسانية المعاملة التي
تستخف بكرامة الإنسان وحريته. وقد وافاه الأجل في عمر يناهز 42 عاما وهو أصيل
القرية من معتمدية رأس الجبل ولاية بنزرت وكان قد اشتكى قبل عام من خروجه من السجن
من صداع شديد ولكنه حرم من العلاج الضروري ومنعت زوجته عدة مرات من زيارته، فازدادت حالته خطورة وأصيب بورم في الدماغ مما
اضطر السلطة إلى إطلاق سراحه، وقد أخبره الأطباء بأن حالته ميئوس منها لتأخر
التدخل لإنقاذه وقد قال بالحرف الواحد كما وود في شهادة على الانترنت "لست
نادما على أي شيء قدمته وأي جهد بذلته وها أني في الأخير أقدم روحي فداء لديني"
13- مع استمرار محنة
المساجين السياسيين داخل سجونهم ، تستمر محنة الأهالي في الخارج حيث يتم التنكيل
بالعوائل و الأمهات و الآباء و الأبناء بالنقل المستمر للسجناء من سجن إلى آخر و
إبعادهم من مدنهم حتى أصبح تنظيم زيارة السجناء يشكل كابوسا ماديا و معنويا على
الأهالي. و كم من مرة يتم إعلام الأهالي - عند وصولهم للزيارة و بعد تحمل مشاق
السفر- بأن سجينهم قد تم نقله إلى مكان آخر للامعان في التنكيل بالأهالي. فلا يكفي
أن تحرم تلك العائلات من عائليها أو فلذات أكبادها بل عليها أن تعاقب بالتبعية
فعائلة الخلصي التي ابتليت في ابنيها التوأمين ماهر ورمزي الخلصي الذين صدرت ضدهما أحكاما بالسجن لمدة أربعة وثلاثين
سنة (34) ولم يتجاوزا حينها الثمانية عشر
عاما من عمرهما و تم إيداع كل واحد منهما
في سجن يبعد عن الآخر مسافة كبيرة بما يحول دون قيام العائلة بزيارتهما بانتظام،
وقد تعمدت إدارة السجون حشر كل واحد منهما
فى غرف مكتظة بمساجين الحق العام دون
مراعاة لسنهما رغم أن قانون السجون يفرض تخصيص غرف خاصة لمن كان في مثل
سنهما، وأصيبت والدتهما السيدة طاع الله الخلصي نتيجة القهر بأمراض
عديدة بدنية و نفسية أعاقتها في الكثير من
الأحيان عن الحركة وعجزت تماما عن المشي والكلام لمدة سنتين كاملتين بسبب انهار
عصبي، كما انقطعت عن العمل وقد كانت موظفة
بديوان المناجم وساءت حالتها الصحية,
14- كما أن العائلات
تعرضت إلى المحاصرة الاقتصادية و التجويع بشكل مريع إذ تم تتبع كل من حاول أن يقدم
مساعدة إنسانية إلى عائلة فقدت عائلها، و كم من شخص وجد نفسه يواجه محاكمته بتهمة
الانتماء، لا لجرم ارتكبه سوى تقديمه لمساعدة مالية إنسانية لإطعام الأطفال و
النساء التي تأبى إنسانيته أن يتركهم يتضورون جوعا و خاصة بعد أن انسدت كل موارد
الرزق أمامهم. فتجربة السيدة صبحة الطيّاشي حرم السجين الهاشمي المكي كانت قاسية
وعاكسة لهذه الممارسات العجيبة, ففي محاولة منها لتوفير لقمة العيش لها ولأبنائها
التجأت في شهر رمضان سنة 1996 إلى شراء آلة خياطة و بعض الأقمشة من أجل إعداد
ملابس تبيعها في العيد و ساعدها في ذلك الأجوار ومن بينهم السيد حسن الطرابلسي مما
تسبب له في الاعتقال و التعذيب كما نسبت له تهم الانتماء و التمويل و حوكم
عليه بالسجن، وأما آلة الخياطة و الأقمشة فتم حجزها والاستيلاء عليها وأما الحرفاء
الذين اشتروا الملابس فقد افتكت منهم المشتريات و منهم من حوكم بستة سنوات سجن،
وأما السيدة صبحة فقد حوكمت في هذه القضية بعامين و نصف سجن مع تأجيل التنفيذ.
كما أن العديد من
العائلات تعرضت للضغط النفسي و المادي من أجل التبرؤ القسري من أبنائها أو أزواجها
المسجونين. و قد وصل الحد إلى ما لم يشهد له التاريخ البشري مثيلا من فرض تطليق
الزوجة لزوجها السجين إكراها و تشريدا للأبناء و تحطيما للأُسر ومثال ذلك ما حصل
لزوجة السجين علي النفاتي التي دفعت لتطليق زوجها كما ذكر آنفا وهي حالة ليست معزولة أو شاذة وإنما عينة تكررت العديد من المرات ولكن يستحي المرء من
ذكر مثيلاتها حفاظا على حرمة وكرامة الضحايا. وقد منعت بحكم الطلاق القانوني من
زيارة زوجها ورؤيته أكثر من 12 سنة حيث لم يتسنى لها إلا تبليغه مراسيل شفاهية عبر
أبنائه الأربع الذين تركهم في سن بريئة (8، 6، 4 و سنة ونصف) و الذين يقومون بزيارته ويوصلون له القفة التي
تعدها له شريكة حياته في معاناته واقعا ومطلقته عنوة قانونا. وحتى عندما توجهت إلى إدارة السجون لإعادة
الوضع إلى نصابه وإنقاذ العائلة الممزقة وانتشال الأطفال من المعاناة والضياع حيث
طالبت بإعادة عقد القران مع زوجها مرة ثانية وهذا أمر تسمح به مجلة الأحوال
الشخصية والأمر المنظم للسجون التونسية ويجيزه بالتالي القانون ولكن أي قانون
ينسحب على هذا الصنف من المساجين، فالمطلب الكتابي الذي تقدمت به إلى إدارة السجون
في هذا المضمار قوبل بنهرها عن فعلها الذي وصف بالمرفوض من قبل الموظف الذي
استقبلها والذي قام بتمزيق المطلب أمام عينيها وألقاه في سلة المهملات وحتى القاضي
المكلف بهذه المواضيع فقد كان موقفه –عندما رفع له الأمر – أن عمل على ثنيها على
مواصلة المطالبة بعقد قران مع مجرم خطير وضعه القضاء أين يجب أن يكون متجردا من كل
القيم الإنسانية ومتنكرا للعواطف الفطرية وقامعا لها بكل تشف وتنكيل.
كما حرمت بعض زوجات
المساجين من حق العلاج المجاني كما حصل مثلا لزوجة "المولدي العائش" رغم
تظلمها لدى عديد من الجهات: المعتمد، الوالي، وزير الصحة العمومية، الموفق
الإداري، وهي مصابة بمرض عصبي ويعاني ابنها السل.
وكما أن المحنة التي
عاشتها أخت السجين السياسي نبيل الواعر
المسماة بثينة هي مثال آخر لحالة متكررة
من التنكيل بالعائلات فقد كانت قد تزوجت منذ 7 سنوات من زوج مقيم في الخارج ولم
تمكن حينها من جواز سفر للالتحاق بزوجها وبعد سنتين من زواجها أعطيت جواز سفر
ولكنها منعت من السفر وقالوا لها في مركز شرطة الوردية أنت من جماعة الواعر
وتريدين السفر؟ تركها زوجها وهي عروس وسافر ليعود كل سنة ولم يسمحوا لها بالخروج
لتلتحق به إلا مؤخرا بعد أن أنجبت طفلين،
فهل هذه الممارسات ضد السجناء عادية أم هي خاصة بصنف متميز من السجناء،
سجناء الحالة الخاصة كما درج مسؤولي السجون على تسميتهم. و إذا كان الأمر كذلك،
فلماذا الإصرار على تصنيفهم في خانة واحدة مع سجناء الحق العام.
15- بعد إطلاق سراح
المساجين السياسيين من حركة النهضة و بعد انقضاء مدد أحكامهم، وفي يوم الإفراج
غالباً ما يقتاد السجناء السياسيون للاستجواب في مركز لقوات الأمن، ويعاد استحضار
الأسباب التي اعتُقل السجين السابق من أجلها وأُدين بها، يتعرض العديد منهم إلى المضايقة و الحرمان من
العمل حيث تفرض عليهم قسرا المراقبة الإدارية الممثلة في وجوب المثول أمام مركز
الشرطة العديد من المرات يوميا قد تصل إلى 6 أو حتى 8 مرات للإمضاء في كراس إثبات
الوجود في منطقة السكنى (و هو كراس يطالب السجين المسرح بشرائه من ماله الخاص في
عدة حالات و تسليمه ليُحفظ في مركز الشرطة). فهل يبقى مجالا للعمل مع هذا
الحصار و هل يقبل أي مشغل بهذه الظروف و
هل يبقى في السجين المسرح أي جهد أو استقرار نفسي لممارسة أي نشاط مهني. إنها
لعمري ممارسات لم يذكر لها التاريخ مثيلا حتى ضمن ممارسات النازيين ضد خصومهم. و
قد اضطر أحد السجناء المسرحين من منطقة صفاقس وهو السيد علي سعد الله أستاذ
التربية الإسلامية السابق والذي يشتغل حاليا في ترقيع الأحذية المستعملة وهو معاق ويتحرك بالاعتماد على قائمتين، اضطر
إلى ملازمة مقر مركز الشرطة كامل اليوم، خارجه طبعا، حتى يتسنى له القيام بالواجب
و حتى لا يعرض نفسه للأذى إذا تأخر لحظات عن الموعد المحدد له بالحضور و الإمضاء
في الدفتر، و خاصة بعد ما سمع الجميع كيف أن غفلة الشيخ المحترم عبد العزيز الوكيل
من جهة صفاقس عن الانضباط المطلوب كلفه إيقافا امتد عشرون يوما بسجن عقارب لتلقينه
و لإخوانه درسا لا ينسونه أبدا. هذا إلى جانب عمليات الدهم التي يتعرض لها
المسرّحون في بيوتهم في أي ساعة من الليل إلى حد الصباح للتأكد من تواجد
السجين في بيته وعدم مغادرته لمنطقة سكناه
و الويل و الثبور لمن لم يكن في منزله . فالتواجد خارج المنزل يشكل خطرا ومجلبة
لما لا يحمد عقباه حتى و إن كان الخروج
لحضور حفل زفاف شقيق أو لزيارة قريب أو لعيادة مريض يحتضر أو لزيارة الطبيب بسبب
طارئ صحي.
نعم إنها ممارسات أقرب منها إلى الخيال , و لكن ذاق
مرارتها المئات بل الآلاف من المواطنين وعائلاتهم و أبنائهم. ثم ألم يقم العديد من
عمداء المناطق في هذه السنة و قبل انتخابات أكتوبر 2004 الأخيرة بالإتصال مباشرة
بالمساجين القدامى (و الذين منهم من مضى على تسريحه أكثر من 10 سنوات) للتأكد من
عدم تسلمهم بطاقة ناخب و إلا فهو مطالب بإعادتها إصرارا من المسؤولين على استمرار
حرمانهم من حقوقهم المدنية و السياسية في مخالفة صريحة لقوانين البلاد و دستورها.
و أخيرا و ليس آخرا
تفتقت الأفكار لفرض الإقامة الجبرية على بعض العناصر الفاعلة عبر نفيها في أقاصي
البلاد و فرض المراقبة الإدارية عليها في مناطق نائية تحججا بأن أصل عائلة السجين
المُسرح تنحدر من تلك المنطقة كما حصل للصحافي عبد الله الزواري .
16- تستمر محاصرة
المساجين المسرحين إلى سجنهم الكبير حتى تتواصل معاناتهم فيتم التضييق عليهم بفرض
ظروف مراقبة إدارية قسرية لتجويعهم وحرمانهم من العمل الذي قد يوفَر لهم ولأبنائهم
لقمة عيشهم, وما التجربة المريرة التي
عاشها السجين الأمجد السبيعي إلا عينة من هاته الممارسات، فالسيد السبيعي وهو
مدرسا في التعليم الثانوي والتقني وزوجته السيدة عزيزة الجباري تعرضا إلى السجن
لفترات طويلة ومضنية جدا حوكم بـ 8 سنوات سجنا نافذة مع 5 سنوات مراقبة إدارية حيث
ترك ابنه الوحيد وعمره عام واحد, وأمه تم سجنها أيضا بخمس سنوات وكانت قد رفضت
الطلاق من زوجها، وتعمل في مكان لا يرغبون بوجودها فيه، وللامعان في حرمانه من
الشغل منذ خروجه تعرض إلى شتى أنواع العراقيل والمضايقات إذ كلما تطورت وضعيته إلى التحسن والحصول على شغل قار، يقع تغيير وقت
الإمضاء فيضطر إلى وقف العمل أو يمارسون ضغوطا على مشغله فيضطر للاستغناء عنه، تحصل
على شغل محترم في شركة فاضطر إلى
وقف العمل لأنه أمر بالإمضاء في الوقت
المحدد و إلا ستقع محاكمته من جديد، أما زوجته فقد وجدت عملا في شركة فتم الاتصال
برئيسها لطردها من الشركة. وأمام هول الحصار والإغلاق والطوق، وبعد استنفاذه كل
المحاولات الممكنة للانتشال من الموت البطيء والعذاب المستمر والحصار المتواصل
الذي تتعرض له أسرته الصغيرة فقد أصبح لا يرى أمامه سوى حل واحد لا غير هو
الانتحار الجماعي لأسرته الصغيرة طلبا للراحة ولوضع حد لهذا العذاب كما صرح هو
بنفسه في شهادة شخصية نشرت على الانترنت. وأما
السجين المسرح الهادي التريكي فقد وجد نفسه مطالبا بالإمضاء يوميا وبانتظام لدى
مركزي شرطة في المهدية وصفاقس في نفس الوقت وتعرض للإهانة والتنكيل لاستحالة قيامه
بذلك, وكلفه ذلك الإيقاف ليلة في زنزانة في المهدية لعدم احترامه وامتثاله للقانون؟.
17- لم يحرم المساجين المسرحين من حقهم في العمل فقط
بل منع العديد منهم وإلى يومنا هذا من بطاقة هويتهم الشخصية حتى أصبحوا نكرة لا يحملون شيئا يثبت من هم بعد
رفض تسليمهم بطاقة تعريف وطنيّة وقد
يتذرع لهم بضرورة الاستظهار بشهادة عمل لاستخراج البطاقة
الوطنية. ومن أين لهم هذه الشهادة وهم لا يملكون بطاقة التعريف باعتبار أن شهادة
العمل لا تكون إلا ببطاقة التعريف إذ لا وجود لأي عمل في أي ميدان بدون بطاقة
تعريف ولا وجود لبطاقة تعريف بدون شهادة عمل؟
وحتى من يحاول القيام
بعمل حر وخاص يتعرض إلى شتى أنواع العرقلة والتعطيل، والصيحة اليائسة التي أطلقها
السجين المسرح الهادي التريكي أخيرا على الانترنت تمثل إحدى أوجه تلك الممارسات
الخيالية في لا إنسانيتها, فنكبته في الواقع كانت قد بدأت بفقدانه شهائده العلمية
الجامعيّة والمهنيّة حين تمّ الاستحواذ على جميعها من قبل فرقة الأبحاث والتفتيش
وهذه الشهائد هي عصارة مسيرتة العلمية والجامعية وأمام انسداد الأفق التجأ إلى فتح
محل لبيع الدجاج حتى لا تموت عائلته جوعا ولكنه و بالرغم من قيامه بكل الإجراءات الإدارية واستيفاء كل
الشروط الصحية التي أقرتها التراتيب البلدية
فإن السلط الأمنية بمنطقة قرمدة منعته من اكتساب مورد رزقه وحذره رئيس
المركز قائلا " أغلق المحلّ حتىّ وان سمحت لك البلديّة بفتحه". وأما التجربة التي عاشها الاستاذ المرحوم منذر
بن حليمة من خريجي كلية الشريعة فقد كانت مأساوية في أبعادها فهو الذي حرم من
الانتداب في المعاهد العمومية وحوصر وطورد في المعاهد الخاصة حتى اضطر إلى فتح محل
"حماص" لبيع الفواكه الجافة سجله باسم والد زوجته تجنبا للتعطيل وقد
وافاه الأجل المحتوم في حادث مروري قرب مقر عمله وهو يكابد لتوفير كفاف العيش
لعائلته الحديثة بعد أن ترك أبنا وزوجة
حاملا وأبا– وهو خطيب جمعة سابق- مقعدا
وفاقدا للذاكرة من رواسب المعاناة التي مر بها نتيجة سجن أبنائه الثلاث في نفس
الوقت (أحمد ومحمد ومنذر) وعزلهم في سجون متباعدة. وقد فارق الحياة بعد سنة من
فقدانه لفلذة كبده.
18- إن مقارنة
المساجين السياسيين في تونس بمساجين الحق العام يعد أمرا مثيرا للدهشة لدى الرأي
العام الدولي و المحلي. فكيف يمكن تفسير وجود شريحة مثقفة و كوادر رفيعة في صف
سجناء يصنفون ضمن مساجين الحق العام . فمنهم الأطباء و الأساتذة و النقابيون و
المهنيون و حتى الأئمة و حفظة القرآن من أمثال السجين الدكتور لمين الزيدي والاستاذ الدكتور الصادق شورو، فما هي الجنايات
التي ارتكبها هؤلاء في حق المجتمع حتى يُحشروا في صف المجرمين و تجار المخدرات . لقد
تعمدت السلطات تشويه صورة الإسلاميين لدى الرأي العام الداخلي و الخارجي بكل
الوسائل المتاحة و إلصاق التهم الباطلة من أجل منع أي تعاطف مع قضيتهم أو نصرة
لمظلمتهم ، حتى أنه بعض أعضاء البرلمان الأوروبي عندما اتصلت بهم الحركات الحقوقية
التونسية لتوضيح حقيقة أزمة السجناء السياسيين و الطبيعة السليمة لتوجهاتهم فوجؤوا
بتلك الحقائق و عبروا عن استيائهم للمغالطة التي اعتمدتها السلطة في وصف غرمائها
الإسلاميين و ذكروا بأن هؤلاء قد قدموا لهم على أساس أنهم ارهابيون همجيون لا
يؤمنون بالحرية للغير و يعتدون على كل امرأة في الشارع لا تلتزم بالزي الاسلامي ،
هكذا ، و هاهي الحقائق الداحضة تكشف أن المرأة المسلمة و الملتزمة بحجابها هي التي
تتعرض للإعتداء اللفظي و البدني و ينزع حجابها عنوة في الشارع و تصادر حريتها حتى
في اختيار لباسها.
الخاتمة
بعد كل هذه الحقائق
الرهيبة التي تعكس حقبة مظلمة من التاريخ الحديث لتونس يتضح للعيان وبدون عناء ما
تخفي في عمقها من تراجيدية واقعية كارثية
في دنيا حقوق الإنسان وفي معاملة الانسان لأخيه الانسان تجعل المرء يتساءل عن
الطبيعة الآدمية لمن ساهم بصفة مباشرة أو غير مباشرة في نسج خيوط هذه المأساة من
مليشيات ولجان وأحزاب ومؤسسات سلطوية كان من المفترض أن تحمي المواطن وتوفر له
الأمن ولمن تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء
وهي كلها تتحمل مسؤولية تلك المآسي التي زرعت الألم والإهانة والقهر والتسلط وهي
تفعل كل ذلك مجانا نيابة عن من يحتفل باستمرار وفي كل المناسبات بأعياد حقوق
الإنسان ويرفع كل شعارات العدل والإنصاف والحرية... شعارات لا ظلم بعد اليوم
وحماية الكرامة الإنسانية...؟؟؟؟... مقابل لا شيء... بل مقابل المساءلة التي لا مفر منها مساءلة الله والتاريخ....
إن غفل أبناء هذا
الجيل عن هذه المآسي أو غيبوا عنها أو تحاشوا الخوض فيها أو دس البعض رأسه في
التراب حتى لا يرى الحقائق التي يقشعر منها جسده حتى ولو كان ذلك التراب ممرغا
بدماء الضحايا فإن الأجيال القادمة سوف
تطلع قطعا على حقيقة المأساة وعلى هذه اللحظات التاريخية المأساوية التي عاشها جزء
نابض من هذا المجتمع الذي لو لم يكن حريصا على كرامة المجتمع بأسره وحريته
وإنسانيته لما رضي بتقديم كل هذه التضحيات
من أجله.
إنه الجيل الذي سيكون
من بين أفراده العديد من أبناء الجيل الراحل ومنهم من ضحايا المرحلة من أمثال
الطفلة "مريم" ابنة السجين "عبد الحميد الجلاصي" التي تنام
وتستيقظ في حضن أمها، وهي لم تعرف من طفولتها المنهوبة سوى الطوابير المتراصة أمام
السجون، أو التنقل من مدينة إلى أخرى، ومن سجن إلى آخر للفوز برؤية والدها لبضع
دقائق من وراء القضبان كما سيكون من بين أفراده كذلك ما تبقى من عائلة الدكتور أحمد الأبيض السجين الذي تموت زوجته وهو بعيد عنها أربعة
مئة كيلومتر ويمنع من أن يلقي نظرة وداع عليها.
بعد الفراغ من كتابة
هذه الشهادة ولم يجف حبرها بعد حتى بلغ إلى مسمعي نبأ وفاة الطالب النقابي لطفي
العيدودي – المذكور في الفقرتين الخامسة والسابعة من هذه الشهادة-
يوم 12 جانفي 2005 بعد فترة من مصارعة الموت منذ أن تم تسريحه من
السجن في حالة ميؤوس منها بعد قضاء قرابة
الخمسة عشرة سنة من الاعتقال والمعاناة بعد أن كان طالبا في المرحلة الثالثة يشع
أملا وطموحا.
كما تلاحق سقوط
الضحايا بعد ختم الشهادة للمرة الثانية حيث التحق بالقائمة يوم 14 جانفي 2005
السجين السياسي السيد عبد الستار الجلاصي
عن عمر يناهز السابع والثلاثين عاما صرف جزءا منها مناضلا في الحركة الطلابية
ومتنقلا بين السجون التونسية من الشمال الى الجنوب ، لتتواصل مضايقاته ومطاردته في لقمة عيشه بعد خروجه من السجن بعد
أن أغلقت أمامه ابواب الرزق ليلقى الله تاركا ورائه ابنه معاذ وزوجه
المصادر:
-منشورات وبيانات
المجلس الوطني للحريات بتونس
منشورات وبيانات
الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان
منشورات وبيانات
الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين بتونس
تقرير منظمة العفو
الدولية عن تونس بعنوان "تونس.. دوامة
الظلم"
صحيفة الموقف
الاسبوعية التونسية
شهادات منشورة على
الإنترنات