الانتخابات العراقية بين البروباغاندا وشهود الزور
بقلم : ياسر
سعد
نجحت الآلة الاعلامية
الامريكية المتخصصة والمستعينة – على الارجح- بأعداد غفيرة من الخبراء والمختصين
في علم الاتصال والاعلام والاجتماع والتأثير النفسي في إنجاح الانتخابات العراقية
إعلاميا نجاحا لامعا وصفه الرئيس الامريكي بأنه مدو وأضافت عليه وزيرة خارجيته بأنه
إنجاز فاق التوقعات.
فهل كان الحضور
الجماهيري كثيفا فعلا أم أن الامر لم يتجاوز الاخراج الاعلامي المتقن والمبدع
والذي استطاع ان يحقق الصدمة والتزويق في المسألة الانتخابية والتي فاجأت
المعارضين للمشروع الامريكي وأربكت مواقفهم للوهلة الاولى؟
ففي بداية التسويق
الاعلامي الناجح للانتخابات نُقل عن فريد إيار الناطق الرسمي باسم "المفوضية
المستقلة العليا للانتخابات" قوله أن الاقبال على التصويت وصل الى 72%, وفورا
تطاير الخبر عبر وسائل الاعلام العالمية وأحتل موقع الصدارة :الانتخابات العراقية تحقق إقبالا
منقطع النظير!!, وتوج كل ذلك بتصريحات بوش واركان إدارته , بعدها بساعات عاد فريد
إيار ليتراجع عن تصريحاته وليقول أن الامر كان تخمينا وأن النسبة أقل من ذلك دون
ان يوضح السبب الذي دعاه للتعجل مضحيا بمصداقيته وصدقية تصريحاته, وبكل الاحوال تم
التعامل مع تصويباته كخبر ثانوي لا يستحق الاهتمام ليبقى الأثر الاكبر إعلاميا
منصبا على الاكذوبة الاولى. خبر آخر تصدر الاخبار في مواقعها المختلفة مثل موقع بي
بي سي بالعربية في الانترنت هو ان نسبة الناخبين في المهجر وصلت إلى 90% مع إهمال
أن تلك النسبة هي من المسجلين والذين لم يتجاوزوا
ربع من يحق لهم الانتخاب مع كل ما شاب عملية التسجيل من علامات استفهام حتى
أن كاتبا عراقبا متابعا للموقع الرسمي للانتخابات في العراق على الانترنت كتب أن
عدد المسجلين في الانتخابات في المهجر قفز في يوم واحد قبيل إنقضاء فترة التسجيل
الى الضعف لينتهي مع ذلك الى نسبة بقيت هزيلة وضعيفة.
نجح الاعلام في تصوير
بعض الصور المعبرة للعديد من الطاعنين في السن وهم يُجّرون ويدفع بهم الى قاعات
التصويت لإظهار الحرص الشعبي على التصويت دون أن نسمع تصريح لاولئك المصوتين, ربمالأن
بعضهم لا يدري أين هو ولا يعرف السبب الذي دفع بمن أحضروه لجلبه لذلك المكان! في احد شبكات التلفاز الامريكية الاخبارية تم
نقل صورة لمركز إقتراعي يفترض أنه في الفلوجة محاطا بأسلاك شائكة فيما إصطف
الناخبون والذين يشتركون في أنهم في سن الشباب – في العشرينات من أعمارهم- فيما
بعضهم يلبس الثياب العسكرية ليدلوا باصواتهم فيما أصوات المعلقين تتعجب من النجاح
الامريكي في إجراء الانتخابات في الفلوجة بعد "تحريرها" من سكانها, وإذا
صح أن النقل من الفلوجة فعلى الارجح ان المصوتين هم من القوات والمليشيات التي
ساهمت في تدمير المدينة المنكوبة.
وحتى تكتمل عملية
التركيز الاخباري والتمويه الاعلامي فإن لجنة الانتخابات العليا لم تفتح الا خمسة
مراكز اقتراع امام الصحافيين الاجانب، اختارتها بعناية فائقة، حتى تظهر حجم
الاقبال الكبير من قبل المواطنين العراقيين، لاعطاء ايحاء كاذب للرأي العام
العالمي بنجاح العملية الديمقراطية حسب الصحفي البريطاني الشهير روبرت فيسك والذي
أضاف قائلا ان كل محطات السنة لن تكون امام الكاميرات. واشار الي انه شاهد شاحنة
مليئة بالشبان العاطلين عن العمل، علي ما يبدو، ويحملون كلاشينكوفات، يقومون
بتعليق ملصقات تصورها العراقية التي تنفق عليها سلطات الاحتلال. الصورة البارزة
تماما في المشهد هي المقاطعة شبه الكاملة للعرب السنة للانتخابات المبرمجة امريكيا,
فلم تجري عملية التصويت في حوالي 25 مدينة عراقية كما أفادت جريدة " أخبار
الخليج" البحرينية, ولإن طريقة الاقراع تتم على اساس ان العراق هو دائرة
أنتخابية واحدة مما يطيح بمصداقية العملية بأسرها دون هذا العدد الكبير من المدن
العراقية, فإن هذه النقطة الهامة لم تستوقف المطبلين في عرس نكاح المتعة السياسي
من شهود الزور الاعلاميين.
من الصعب رصد كل
عمليات التمويه والتزييف والاخراج الاعلامي من بعد ولكن سأنقل مثالا من الداخل
العراقي منقولا من موقع "كتابات" العراقي, كتبه من البصرة سلمان هادي
البهادلي من وكالة أنباء الجنوب: "وفي نفس الوقت أفاد مراسل وكالة أنباء
الجنوب في الناصرية احمد المنشد أن اقبالا ضعيفا على مراكز الاقتراع على الرغم من
التضخيم الإعلامي الذي صور الإقبال في الناصرية. إلا إن ظاهرة إقبال النساء على
التصويت في الناصرية لا بد من ذكرها إذا ما علمنا أن نسبتهم وصلت إلى ما يقارب 80%
من نسبة المشاركين البالغة 17%.أما في محافظات السماوة والديوانية والحلة فأن
الإقبال كان ضعيفا جدا بالمقارنة مع محافظتي كربلاء والنجف الاشرف حتى ساعة إعداد
هذا التقرير الإخباري أي قبل أن يقفل الاقتراع بساعة."
عملية الخداع
والتزييف والتي كانت وستبقى أحد أعمدة وركائز الحملة الامريكية على العراق
وإحتلاله وتدميره, تلك العملية سبقت مسألة
الانتخابات وستلازم الوضع العراقي حتى يكتب الله أمرا كان مفعولا, ولعل الشريط
المنسوب لابي مصعب الزرقاوي ( والمرفوض من غالبية فصائل المقاومة والتي لا تملك
وسائل اعلامية توصل صوتها في الوقت المناسب والانتشار الكافي) والذي هاجم الشيعة
والديمقراطية ساهم بعض الشئ في دفع بعض المواطنين البسطاء من الشيعة
المستفزين للتصويت بالاضافة للفتاوي التي تهدد الممتنع بنار جهنم وتعتبر
المستنكف عن التصويت عاصيا وآثما مما دفع ببعض المواطنين للاقتراع خصوصا في
المناطق التي يغلب عليها التدين كما ان الشائعات والتي راجت في العراق تهدد من لا
ينتخب بقطع الحصص التموينية وبالطرد من الوظائف الحكومية دفعت أخرين للانخراط في عملية لا يؤمن بجدواها
ولم يستوعب فحواها.
الانتخابات والتي
أخرجها الاحتلال بتفوق إعلامي مثير للاعجاب قد ترتد كما تصريحات بوش بعيد سقوط
بغداد على ناقلة الطائرات " المهمة أُنجزت" سلبا ووبالا على من يحتفلون
اليوم بإنجازها, عندما لا يشعر المواطن بتحسن في اوضاعه المعيشية وعندما توقظه
الحقائق الموجعة من سبات الوعود الزائفة والفتاوي الباطلة فبلاده ما يزال محتلا
ومستباحا , يشارك في نهبه مع الاجنبي حلفاؤه وعملاؤه أضف الى ذلك الخلافات العاصفة
المتوقعة بين حلفاء الاحتلال على الغنائم والمناصب حتى بين أعضاء القائمة الواحدة.
حينها ستسقط اصنام كثيرة وتتهاوى دعاوى التزييف وسيقود الشعب قادته الحقيقون
والذين يضحون بارواحهم وممتلكاتهم لتحرير العراق والحفاظ على وحدته ومقدراته.