السياسة العنصرية الإسرائيلية والأمريكية في قفص الاتهام

 

 

 

 

بقلم : خالد سافي

 

     شهد الشهر الفائت حدثين ربما يحملان في طياتهما مغزاً سياسياً هاماً يبرز بشكل جلي تماهي وتطابق السياسة العنصرية الإسرائيلية والأمريكية.  ويتمثل الحدث الأول (5 يناير 2005) في تصويت الهيئة العامة للكنيست على اقتراح قانون تخليد ذكري الجنرال الوزير رحبعام زئيفي _الذي تم اغتياله من قبل عناصر من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في أكتوبر 2001 رداً على اغتيال أمينها العام أبو علي مصطفى ـ الذي أسس حزباً يستند بالدرجة الأولى على رؤية أيدلوجية عنصرية تدعو إلى ترانسفير (طرد وترحيل) العرب على طرفي الخط الأخضر إلى الدول العربية المجاورة. هذا إضافة إلى كونه من أكثر الجنرالات في الجيش الإسرائيلي التي تلطخت يديه بدماء الفلسطينيين في مجازر ترتقي لأن تكون جرائم حرب، وجرائم إبادة. ويشير انضمام الحكومة الإسرائيلية رسمياً إلى سن القانون أنها في طريقها ـ في حالة اكتمال سن القانون ـ إلى تبني تخليد ذكراه وميراثه الفكري والبرنامجي العنصري رسمياً من قبل الدولة وفي إطار ميزانيتها مثل مركزي رابين وبيغين وغيرهما. ويبرز ذلك بشكل جلي الوجه العنصري للحكومة والدولة العبرية، ويعري الأكاذيب التي ترددها إسرائيل بأنها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط. وربما يستدعي الأمر تحركاً فلسطينياً وعربياً ودولياً على صعيدين:

 

الصعيد الأول إعلامي: وذلك بفضح السياسة الإسرائيلية، وإبراز الوجه القبيح والثقافة العنصرية للدولة العبرية.

 

أما الصعيد الثاني: فهو سياسي يستوجب التحرك لاستصدار قراراً من الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتبار الدولة الإسرائيلية دولة تحتضن وتخلد الفكر العنصري، وأنها بذلك تشكل خطراً على المجتمع الدولي والإنساني. أو على الأقل استرجاع القرار الذي تم إلغاءه في سنة 1995م ـ في خضم أوهام سلام أوسلو ـ والذي يساوي بين الصهيونية والعنصرية.

 

     ويستدعي اتخاذ الكنيست والحكومة الإسرائيلية هذه الخطوة ضرورة قيام الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بإصدار تقرير سنوي يوثق المظاهر العنصرية في دولة إسرائيل. حيث تشهد المؤسسة السياسية والدينية والعسكرية الإسرائيلية ممارسات وتصريحات تفوح بالعنصرية والكراهية للعرب. وتشهد الساحة الإسرائيلية بين الفينة والأخرى تفوهات تحريضية تدعو إلى سحق وقتل كل ما هو عربي بحيث لا يستثني من ذلك طفل أو إمرأة أو أي مدني فلسطيني.

 

وأذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر أولاً: بيان رؤساء المدارس الدينية والعديد من حاخامات إسرائيل بينهم حاخامات المستوطنات الإسرائيلية الذي صدر ونشر في يوم الثلاثاء الموافق 7/9/2004 والذي "يبرر من وجهة نظر دينية التعامل مع المدنيين الفلسطينيين كمسلحين، وعدم الخوف من المساس بهم" وقد قاموا بإرسال بيانهم العنصري هذا إلى رئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان للجيش الإسرائيلي مطالبين بتغيير أوامر إطلاق النار تبعاً لذلك.

 

وثانياً: اعترافات الجنود الإسرائيليين على ضابطهم _ الذي أطلق النار على الطفلة إيمان الهمص في رفح في 5/10/2004 _ بأنه أعطى أوامر لأفراد وحدته بإطلاق النار حتى على الأطفال. حيث ورد في تسجيل صوتي لحظة إطلاق النار أن الضابط قال "إي شيء يتحرك في المنطقة حتى لو كان عمره ثلاث سنوات يجب أن يقتل". وما تبع ذلك من تصريح لعضو الكنيست من الليكود "أيوب قرا" بوجوب إعطاء الضابط القاتل وسام شرف عسكري. بينما صرح يوسي سريد عضو الكنيست" أن الجيش الإسرائيلي أفلس أخلاقيا".

 

وثالثاً: ما تناقلته الصحف الإسرائيلية من قيام الجنود الإسرائيليين بالتنكيل بجثث وأشلاء الضحايا الفلسطينيين وأخذ الصور التذكارية معها.

 

ورابعاً: ما تطفح به الكتب التعليمية الإسرائيلية_ وحسب دراسات عديدة من باحثين إسرائيليين_ من عبارات عنصرية تتضمن نزعة عقائدية تحريضية ضد العرب، وتبرزهم في صورة مجردة من الإنسانية وأنهم بدائيون، ومتوحشون، ورعاع.

    

      أما الحدث الثاني (5 يناير 2005) والذي ينم عن ازدواجية المعايير الأمريكية، فهو قيام وزارة الخارجية الأمريكية بإصدار تقرير عن أعمال العداء للسامية (الكراهية لليهود) الذي تعرّفه الوزارة بـ"الحقد تجاه اليهود، بصورة فردية أو جماعية، ويعزى للديانة و/أو القومية اليهودية". وقد تضمن التقرير رصداً لحالات معاداة السامية في 62 بلدا في الفترة من 1/7/2003 إلى 15/12/2004. ويشير تاريخ بداية التقرير أن عملية الرصد وكتابة التقرير قد تمت قبل المصادقة والتوقيع على القانون ـ  الذي يعرف بقانون استعراض معاداة السامية في العالم لعام 2004 الذي سنّ كرد على تصاعد أحداث معاداة السامية منذ بداية القرن الحالي ـ من قبل الرئيس بوش في تشرين الأول/ أكتوبر 2004. ولا أرغب هنا بالطعن الظاهري القانوني بشرعية التقرير على اعتبار أنه قد تم إعداده كله أو مجمله قبل التوقيع على القانون، لأنني في الأساس أطعن في القانون نفسه، وبالتالي فإن ما استند على باطل فهو باطل. ولا أرغب هنا بالدخول في تفاصيل ذلك فقد نشرت حول القانون مقالاً تحت عنوان "هل دخل الكتاب والمثقفون العرب عصر المحنة؟ ونشر في العديد من الصحف في النصف الأول من تشرين ثاني من العام المنصرم. فالقانون والتقرير يعبران بصورة أو بأخرى عن تطابق السياسة اليمينية الإسرائيلية الأمريكية. وربما كان الأجدى بالولايات المتحدة قبل ذلك توثيق ورصد انتهاكاتها اليومية لحقوق الإنسان والحريات الدينية في العراق وأفغانستان وغوانتنامو. وكان الأحرى بالحكومة الأمريكية التي تتباكى على حقوق الإنسان والحريات الدينية أن ترصد وتوثق الانتهاكات الإسرائيلية في مجال حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة تلك الانتهاكات التي تصلـ فيما ذكر العديد من المراقبين الأجانب ـ إلى جرائم حرب كما حدث في مجزرة جنين. وكذلك توثيق الانتهاكات الإسرائيلية في مجال الحرية الدينية وقيامها بقصف المساجد كما حدث في مخيم جباليا أو منع سكان الضفة الغربية وقطاع غزة من الصلاة في المسجد الأقصى... الخ. وفوق ذلك رصد التصريحات العنصرية الإسرائيلية التي تعبر عن ثقافة عنف وحرب وليس ثقافة سلمية إنسانية. والذي يشكل سن القانون الأخير مظهراً جلياً لذلك.

 

ومن هنا فإن سن القانون العنصري بتخليد ذكرى وميراث رحبئام زئيفي، وقانون معادة السامية الأمريكي ليس سوى وجهان لعملة عنصرية واحدة. فالقانون الأول يعبر عن سياسة عنصرية إسرائيلية، والقانون الثاني وما صدر عنه من تقرير يعد محاكمة لمن يتصدى لهذه السياسة العنصرية. ولذلك على القانونيين والحقوقيين والكتاب والمثقفين والأحرار في العالم أن يتصدوا لكلا القانونين ويضعونهما في قفص الاتهام والمحاكمة.