المقاومة هي التي تتحكم بالتطورات في العراق
بقلم :د. عادل
سمارة
اصر العدو الاميركي
على إجراء الانتخابات في العراق على هواه محاولاً الظهور بمظهر صاحب الكلمة
النهائية في مصير العراق، ليؤكد للعرب أجمعين ان الاحتلال هو الذي يقرر كل شيىء
هناك وليكشف عن جوهر "الديمقراطية" بالمفهوم الاميركي اي الديمقراطية
بالاستعمار. وعلى هذا الاساس بقيت الخريطة السياسية في العراق على حالها رغم إجراء
الانتخابات وبغض النظر عن نسبة المشاركة في التصويت.
فالخريطة السياسية في
العراق، وإن حاول الاعلام الامبريالي الغربي والرسمي العربي والصهيوني بالطبع
قرائتها على اساس طائفي وإثني، هي خريطة
مضمونها الوطنية العراقية وإطارها السياسي الامة العربية ومضمونها الثقافي
عربي إسلامي، بينما شكلها طائفي إثني فسيفسائي في التحليل الاخير. وهكذا تتكون
الخريطة السياسية في العراق من ثلاثة مكونات رئيسية:
هناك شِقَيْ السلطة
السياسية في العراق (الحكومة الانتقالية في بغداد وحكومة الاكراد) وهي نخب ترتبط
مباشرة بالمعسكر الاحتلالي سواء بكونها محمية من الاحتلال او لكونها تنفذ مخططه
التفتيتي للعراق. ومن هنا تتضح خطورة الانتخابات والاصرار عليها وموافقة تيار
الاحتلال عليها بمعنى انها محاولة لشرعنة التفتيت خدمة للمستعمر الجديد الذي يحمل
تحت جلده أهدافا صهيونية.
وهناك نقيض السلطة أي
المقاومة التي تحاول وسائل الاعلام بتوجيه مخابراتي وبتشويه فكري وثقافي وصفها
بأنها مقتصرة على العرب السنة ومتجاهلة وجود العرب الشيعة في المقاومة ووجود اكراد
ايضا ناهيك عن التركيز والمبالغة عن جود مقاتلين عرب وغير عرب في العراق في زعم
بأن العراقيين لا يقاوموا! هذا وكأن هناك حيف في جود مقاتلين مدفوعين بانتماء قومي
او ديني. وبالطبع لا يدرك هؤلاء تهافت مزاعمهم التي تتجاهل الاجانب الحقيقيين في
العراق وهم جيوش الاحتلال بمن فيهم من مرتزقة وصهاينة ومخابرات الانظمة العربية. والمهم ان مشروع المقاومة هو منع قيام نظام
سياسي عراقي قوي على يد الاحتلال، ونسف سور الحماية الذي تضربه هذه القوات حول جيش
الاحتلال حيث تقدم نفسها للموت بالنيابة عنه كي تتجرع هي الموت والهزيمة ولكي لا
يلاقي ابناء الجنود الاميركيين الذين قتلوا في فيتنام مصير آبائهم، ومع ذلك فهم
يلاقون. فأية مهمة واي شرف!
وبين العمالة
والمقاومة تقف احزاب سياسية ترفض التعاطي مع الاحتلال وتبني لحمة سياسية اجتماعية
ثقافية حول المقاومة لحمايتها من جهة، وحماية مشروعها من جهة ثانية. ومن ممثلي هذا
الموقف هيئة علماء السنة والحزب الشيوعي العراقي (غير المشارك في سلطة الاحتلال) وغيرهما.
وهذا الموقف على جانب كبير من الاهمية لأنه يؤسس للنظام العراقي الجديد المقاوم
للاستعمار والمتمسك بوحدة العراق والذي يعطي المقاومة المسلحة بعدها الاجتماعي
الشعبي والديمقراطي.
تجدر الاشارة في هذا
الصدد ان الصورة تغيرت في العراق كثيرا. فلم يعد بوسع الاعلام (والاعلام يعني هنا
اجهزة المخابرات) استخدام النظام العراقي السابق لتمرير التعامل مع العدو. فقد
اصبح حزب البعث ولا سيما مقاتلوه وخبرائه العسكريون جزء اساسي من المقاومة
العراقية. كما بدأ يتضح للكثيرين ان نظام الرئيس صدام حسين كان يعرف ان مصير
العراق هو نفسه سواء استعاد الكويت ولامس الحلم القومي في لحظة شرف مهما كانت
التبعات والنتائج، أو لو استسلم واستخذى كما فعلت سائر الانظمة العربية. بكلمة
أخرى، لم تعد هناك آذاناً تصغي للاتكاء على نقد نظام الرئيس الاسير، لا سيما بعد
ان لمس المواطن ان هذا النظام اصبح نظام مقاومة.
ان المقاومة وحدها هي
التي تتحكم بتطورات الامور في العراق. لقد حالت المقاومة دون تمرير مشروع الاحتلال
بأن يُبقي جنوده في مهاجعهم بعيدين عن نار المقاومة ليعلن انتهاء الاحتلال، دون ان
ينتهي حقاً. نقول هذا لأن الاحتلال لن ينسحب من العراق إلا قتيلاً. ولا جديد في
هذا، فالاحتلال يعلن يوميا انه لن يخرج من العراق وأن الانتخابات الحالية لا علاقة
لها بخروج الاحتلال! فلم يكن ابداً شأن الاستعمار ان يترك ثروة بلد دون ان ينهبها
عن آخرها. كان حلم الاحتلال أن يحتل العراق ويختفي في قواعده وحصونه، ليبدو العراق
كما لو كان مسخاً من مسوخ الخليج الاخرى كالسعودية مثلا التي تبدو مستقلة في حين
ان كل رسمي سعودي او جندي مركوب من رسمي او جندي اميركي. هذا ما رفضه صدام حسين
وهو في السطة، وهو ما ترفضه وتحول دونه المقاومة اليوم.
لقد قضت تطورات
العراق على تحليلات المخاصي العرب من مثقفين وحتى بعض المواطنين العاديين الذين
طالما رطنوا بأن النظام البعثي العراقي هو الذي باستعادة الكويت قد جلب الكارثة
للعراق. هذا ما يذكرنا بسفاهة كاتبي كتب التاريخ للمدارس في الوطن العربي بأن
احتلال فرنسا لتونس في ثلاثينات القرن التاسع عشر كان بسبب قيام (الباي) بضرب
السفير الفرنسي بالمروحة! والحقيقة ان من لم يقتنع بعد بأن نظام العراق كان
مستهدفا في مطلق الاحوال هو في الحقيقة حامل "جينات ثقافية عميلة".
وفي حين تزعم
الولايات المتحدة بأن الاقبال كان هائلا على الانتخابات وتضع نسبة المشاركة على
تخوم ال 80 بالمئة تؤكد أطراف وطنية عراقية ان هذه النسبة لم تتجاوز 35 بالمئة وأن
التلاعب التقني في تصوير طوابير الناخبين لا يعني ان الاكثرية قد شاركت في
الانتخابات. وحتى المشاركة العالية في المناطق الكردية ليست مؤشرا على ان جميع
الاكراد شاركوا في الانتخابات بدافع الرغبة في الانفصال.
وبعيداً عن هذا وذاك،
فإن الامر الاكثر أهمية هو ان هذه الانتخابات ليست استفتاء على الموقف من نظام
الرئيس الاسير ولا الموقف من المقاومة. كما ان مشاركة المواطنين فيها ليست مقياساً
على قبولهم للاحتلال، وهذا متشابه مع ما جرى في الارض المحتلة. فليس مستبعدا ان
يعتقد المواطن بأن الانتخابات قد تجلب بعض التحسن في الوضع المعيشي، وعلى اية حال
ليس هذا السبب الوحيد للمشاركة.
ولكن الذين يزعمون
بأن المشاركة كانت عالية جداً، إنما يرمون الى امور ابعد بكثير من مشاركة المواطن
او عدمها. فلم يكن هاجس العملاء والاستعمار تحقيق الديمقراطية والاطمئنان عليها.
إن الهدف من إجراء
الانتخابات والمبالغة في المشاركة هو تمرير المخطط التقسيمي للعراق بمزاعم ان
النظام الجديد منتخب بمشاركة الاكثرية، وأن تفكيك العراق الى كانتونات هو إرادة
الاغلبية الشعبية. هذا التفكيك الذي يتحدث عنه الجلبي وعلاوي حتى قبيل ظهور نتائج
الانتخابات وكأنهم يعرفون انهم سينجحون في هذه الانتخابات مسبقا مما يوضح حدود التزوير المصمم مسبقا
لنتائج هذه الانتخابات.
ولا يقلل من هذه
المؤامرة الخطيرة ثرثرة إياد علاوي عن المصالحة في العراق. وحتى لو كان صادقا في
ما يقوله، فمن الذي يمكنه تصور المصالحة بين المقاومة ونظام عميل في الوسط والجنوب
وبين المقاومة وبين نظام "متصهين" في الشمال؟
لقد جاء الاحتلال مدفوعا بنهمه لنهب
العراق، وسهلت له الامر ما أُسميت بالمعارضة العراقية حيث عرضت مفاتن العراق لأكثر
من عقدين مما زاد من قناعة العدو بسهولة المهمة. ولن يخرج الاحتلال كما اشرنا إلا
قتيلا. لذلك يحاول قتل العراق بالتفتيت، وهو الامر الذي دونه جسد المقاومة، فهي
التي تتحكم بالتطورات في العراق وانتصارها هو الذي يحدد هزيمة المشروع الاستعماري
الجديد على المستويين القومي والدولي.