الشجرة التي تحجب الغابة

 

 

 

بقلم :د. فيصل القاسم

 

لا شك أنه مازال أمامنا وقت طويل جداً حتى نكتشف فنون وألاعيب وأساليب الإعلام الغربي صاحب الباع الطويل في الخداع والتعتيم والتجهيل ولي عنق الحقائق. وللأسف الشديد فأنه ما زال قادراً على التلاعب ليس فقط بنا نحن المتخلفين إعلامياً بل أيضاً بالشعوب الغربية ذاتها وخاصة الشعب الأمريكي الذي تفعل فيه وسائل الإعلام فعلها نظراً لدهائها الشديد وقدرتها الفائقة على صنع الرأي العام كيفما تشاء وارتباطها الوثيق بدوائر صنع القرار. وقد قال أحد السياسيين الأمركيين قبل أكثر من خمسين عاماً إنه بحاجة فقط لصحفي متمرس واحد حتى يطوع الملايين من العامة، فما بالك إذا كان الإعلام الغربي يمتلك امبراطوريات إعلامية كاملة تستحوذ على أحدث وسائل التكنولوجيا وقنواتها وأدهى العقول الشيطانية والاستراتيجيات الاعلامية المرسومة بالورقة والقلم. وهناك مقولة للإعلامي الاسترالي الكبير جون بلجر الذي أخذ على عاتقه فضح الإعلام الغربي مفادها أن وسائل الإعلام في الغرب تلعب نفس الدور الذي تلعبه أجهزة القمع في العالم الثالث وبنجاح أكبر، أي أنها تستطيع تطويع الشعوب الغربية وتسييرها دون أن تحرك ساكناً وذلك من خلال فنون الدعاية والإقناع الملعوبة بمكر رهيب. وبالرغم من الثورة المعلوماتية الجديدة المتمثلة بالعولمة الإعلامية التي أسقطت الحدود الثقافية والإعلامية بين الدول وجعلت المعلومة متاحة للجميع عبر الأقمار الصناعية والانترنت وأدوات الاتصال الأخرى إلا أن الإعلام الغربي ما زال يلعب نفس الألاعيب القديمة ويمررها على رؤوس الأشهاد ببراعة يُحسد عليها حتى هذه اللحظة. بعبارة أخرى فإن الخدع الإعلامية ما لبثت تنطلي على الملايين وآخرها بالطبع خدعة تعذيب المساجين في سجن أبي غريب وجعلها الشغل الشاغل لوسائل الإعلام العالمية ومنها العربية طبعاً. لقد طبـّل الكثير من الليبراليين العرب الجدد لوسائل الإعلام الغربية والأمريكية تحديداً لأنها برأيهم كانت سباقة إلى فضح ممارسات الجنود والضباط الأمريكيين في ذلك السجن العراقي الرهيب. وعندما كان البعض يحاول فضح الهمجية الأمريكية والبريطانية بحق الأسرى والمعتقلين العراقيين كان الليبراليون العرب يقطعون عليهم الطريق بالقول: "لولا وسائل الإعلام الأمريكية والشفافية الديموقراطية الغربية لما كنا سمعنا عن جرائم سجن أبي غريب." وبدلاً من إدانة ما حدث بأقسى العبارات كنا نراهم يحولون الأنظار عن الجريمة إلى "روعة الديموقراطية الغربية" التي تسمح حتى بأن تفضح نفسها. وعلى ما يبدو أن هذه اللعبة انطلت على البعض حتى الآن وكأن القضية بأكملها تخص شفافية الإعلام الغربي مع العلم طبعاً أن الأمر بمجمله عبارة عن لعبة إعلامية خبيثة تخدم في نهاية المطاف المحتلين الأمريكيين والبريطانيين في العراق لا أكثر ولا أقل. لماذا صوروا لنا فضائح سجن أبي غريب على أنها سبق صحفي عظيم؟ لا يمكن أن نصدق أبداً أن أقوى وسائل الإعلام الأمريكية كان بإمكانها الوصول الى فضيحة أبي غريب ونشرها لولا أن هناك من يريد نشرها في الاروقة السرية. إن التوقيت تم في لحظة مخيفة : إنتهاء قضية أسلحة الدمار الشامل واحتمال تحولها إلى قضية ضد المحتل فاذا بأبي غريب يمتص كل المرحلة الضرورية للقفز فوق هذه القضية والتعتيم عليها. إن الفضل في الكشف عما يحدث في بعض السجون العراقية لا يعود إلى شفافية وسائل الإعلام الغربية كما روج بعض الليبراليين العرب بل إلى الدوائر السرية التي توجه الأحداث الإعلامية بما يخدم أغراضها. ليس من المعقول أن تنقلب وسائل الإعلام الغربية التي كانت تغطي وقائع الغزو الأمريكي من على ظهر دباباته وطائراته على المحتلين فجأة وتبدأ في فضح ممارساتهم خاصة وأن التاريخ لم يشهد تواطؤا بين وسائل الإعلام ووزارات الدفاع الغربية كما حصل في غزو العراق حيث عرفنا لأول مرة في تاريخ الإعلام والحروب ما يُسمى بظاهرة "الصحفيين المرافقين" أو ما يُعرف بالانجليزية ب embedded journalists الذين لم يكن مسموحاً لهم نقل أو تصوير أي عمليات إلا تلك التي يسمح بها القادة العسكريون الميدانيون بحجة أن أي نقل إعلامي غير مسموح به ميدانياً قد يضر بالقوات المسلحة ووسائل الإعلام المرافقة لها على حد سواء. لاعجب إذن أن رسم أحدهم كاريكاتيراً صور فيه الجنود والصحفيين الغربيين وهم ينامون في فراش واحد للتأكيد على التواطؤ المفضوح بين الطرفين أو لنقـُل العلاقة الغرامية بين الجانبين.كان حرياً بمن يسمون الليبراليين العرب الجدد أن يتوقفوا مع أنفسهم برهة لا لكي يكيلوا المديح "للإعلام الغربي الحر" حسب رأيهم بل للتعرف على الأغراض الكامنة وراء الكشف عن فضائح أبي غريب في وسائل الإعلام الأمريكية أولاً والبريطانية تالياً وخلق ضجة عالمية حولها. أكاد أن أجزم بأن الهدف من تعميم صور المساجين العراقيين على وسائل الإعلام العالمية وهم يتعرضون للتعذيب على أيدي الجنود الأمريكيين هذه الأيام وقبلها لم يكن بأي حال من الأحوال انتصاراً للمعذبين العراقيين وفضحاً لهمجية بعض المجندين الأمريكيين بل بالعكس للتمويه على أشياء أخرى ولتلميع صورة المحتلين وإظهار كم هم ديموقراطيون ورحيمون وشفافون، والأهم من كل ذلك للتعتيم على ما يجري فعلاً على أرض العراق من مجازر وبشاعات حقيقية تفوق في بربريتها ما حدث للسجناء في أبو غريب بمئات المرات وأيضاً لإخفاء المأزق الحقيقي الذي وجدت فيه قوات الاحتلال نفسها. إذن نحن بصدد عمليات تعتيم إعلامية خطيرة للغاية وليس عمليات فضح. فليس من الضروري دائماً أن يكون التعتيم بالحجب، فما المانع أن يكون بالنشر إذا كان يؤدي نفس الأغراض وأكثر. بعبارة أخرى فإن التركيز الإعلامي المكثف على جرائم سجن أبي غريب من خلال الكشف أولاً عن أناس عراة يتعرضون لسوء المعاملة ومن ثم مهزلة التحقيق مع بعض الجناة من الضباط والجنود الأمريكيين وبعد ذلك إدانة أحدهم بالسجن لمدة عشر سنوات وتالياً إعادة نفس الشريط لكن هذه المرة من خلال التركيز على عمليات التعذيب التي اقترفها الجنود البريطانيون، كل ذلك ليس أكثر من مسرحية إعلامية ملعوبة جيداً وستستمر على ما يبدو لشهور وشهور لغرض واضح وضوح الشمس وهو أولاً تحويل الأنظار عما يجري فعلياً على أيدي قوات الاحتلال من بشاعات يندى لها الجبين وثانياً للتمويه على وضع قوات الاحتلال ذاتها. فإذا جاء الكشف الأول عن قيام الجنود الأمريكيين بتعذيب معتقلين عراقيين للتغطية على فضيحة أسلحة الدمار الشامل التي لم تكن موجودة، فإن الكشف الثاني عن قيام الجنود البريطانيين بتعذيب الأسرى العراقيين جاء بدوره هذه الأيام في توقيت ملعوب جيداً للتعمية والتعتيم على تصاعد المقاومة العراقية الهائل، فأتت الضجة الثانية حول أبي غريب لإظهار قوة المحتل وقدرته على إذلال شعب يقاوم عنه أبو مصعب الزرقاوي ولا يقاوم بنفسه "لأنه ذليل ومعرض نفسياً للقهر والانهيار". القصة تهدف إلى خلق انتصار نفسي زائف لدى قوات الاحتلال والشعوب الغربية على حد سواء وحرف الأنظار عما آلت إليه أوضاع الاحتلال على الأرض . أليس حرياً بكل ذي عقل سليم أن يتساءل بعد كل ذلك:" هل يُعقل أن القوات الأمريكية والبريطانية ومن لف لفها من قوات غازية أخرى أن يكون همها معاقبة جندي أمريكي أو بريطاني ضرب بعض المساجين العراقيين بالسياط وهم عراة وأظهرهم بوضعيات جنسية قبيحة وهي التي اجتاحت العراق من أقصاه إلى أقصاه وأفرغت فوق رؤوس أهله آلاف الأطنان من القنابل والصواريخ والأسلحة المحرمة دولياً؟ كيف نصدق عطف الغزاة وحنانهم على مساكين أبي غريب وهم الذين سووا مدينة بأكملها كالفلوجة بالأرض وشردوا أهلها عن بكرة أبيهم، وهم الذين يصطادون العراقيين كالعصافير، وهم الذين يرهبون النساء والأطفال والعجزة من خلال عمليات دهم ليلية رهيبة، وهم الذين يعاقبون مناطق بأكملها بالحصار والترويع والاعتقالات العشوائية وتدمير المنازل على الطريقة الإسرائيلية وعمليات التفتيش اللاإنسانية لمجرد أن أحد سكانها أطلق النار على المحتلين، وهم الذين يروعون المصلين في المساجد ويدنسون حرمة أقدس الأماكن الإسلامية لدى الشيعة والسنة على حد سواء، وهم الذين يهددون بتدمير الموصل وكل المدن العراقية التي يمكن أن تثور عليهم؟ لماذا بربكم يركز الإعلام الغربي على م حنة سجين عراقي في أبي غريب ويتجاهل الجرائم اليومية الحقيقية التي يتعرض لها الشعب العراقي من شماله إلى جنوبه؟ أليس ذلك هو التعتيم بعينه؟ هل يستطيع الغزاة أن يكفرّوا عن جرائمهم المروعة بمجرد الحكم بالسجن على أحد الجنود الأمريكيين لمدة عشرة أعوام كما حصل لأحد الضباط الأمريكيين المتهم بتعذيب المساجين في أبي غريب؟ لماذا اختزلوا لنا جريمة الغزو بأكملها بحادث فردي بسيط؟ من الذي يعوض العراقيين عن فقدان بيوتهم وممتلكاتهم ونفطهم المنهوب ودمائهم المنثورة في آلاف المقابر الجماعية وأمنهم من جراء أفظع غزو في التاريخ دمر الجامعات والتمور والبنية التحتية للبلاد ونهب المتاحف على الطريقة المغولية الشهيرة، يصيح معارض عراقي؟ هل أصبحت كوارث العراق الناتجة عن الغزو مختصرة في عملية تعذيب اقترفها أحد الجنود الأمريكيين بحق مواطن عراقي؟ هل نحن أغبياء إلى هذا الحد كي يضحكوا علينا ببعض المسرحيات الهزلية المتمثلة بمحاكمة جندي أمريكي شاذ إنسانياً وجنسياً عبث بشرف بعض العراقيين؟ إن هذا التركيز الإعلامي المنظم والمكثف على جرائم التعذيب في بعض السجون العراقية ومحاكمة مقترفيها يهدف إلى إعطاء صورة طيبة وحضاري ة عن الغزاة وكأنهم أناس في غاية الحضارة لا يقبلون بأن يُعتدى على حرمة أي إنسان عراقي وهم الذين فعلوا بأسلحتهم الفتاكة أبشع من ذلك بآلاف المرات؟ إن قوات الاحتلال ووسائل الإعلام الغربية التي تخدمها بحرفية بارعة تريد أن تعطي للعالم انطباعاً بأن عمليات التعذيب في سجن أبي غريب هي أسوأ وأبشع ما حدث في العراق منذ الغزو. وهذا طبعاً كذب مفضوح. لكن للأسف الشديد فإن هذه الخدعة الإعلامية الكبرى ستنطلي بسهولة على الشعوب الأمريكية والأوروبية نظراً لقوة الإعلام الهائلة في الغرب وسطوته على الجماهير. إن الأمريكيين والبريطانيين تحديداً سيأخذون الانطباع بعد أن يروا صورة الجنود الأمريكيين والبريطانيين وهم يعذبون بعض الأسرى العراقيين في وسائل الإعلام الغربية بأن قوات الغزو كانت رحيمة وطيبة وإنسانية إلى أبعد الحدود إلى حد أنها لم تسمح بعمليات تعذيب بسيطة بحق العراقيين، لهذا فإن مقترفيها يواجهون الآن عقوبة التحقيق ومن ثم السجن! أي ضحك على الذقون أدهى من هذا الضحك؟هل يريدون منا نحن العرب أن ننشغل بهذه الترهات المفضوحة وننسى الجريمة الأصلية الحقيقية التي ستظل ماثلة في التاريخ العراقي كما ظلت جرائم التتار والمغول، يتساءل كاتب عراقي؟ إن الذي يريد فعلاً أن يتعامل بشفافية حقيقية حول ما يحدث في العراق لا يمنع كل وسائل الإعلام العالمية وخاصة العربية المؤثرة من تغطية مجازر الفلوجة ويغلق مكاتب القنوات التي لا تسير على هواه ويشن ضدها حملات تشويه سخيفة ومثيرة للضحك؟ إن أبسط قواعد الشفافية أن يكون بإمكان الصحفيين التنقل والعمل بحرية في العراق لا أن تـُكسر كاميراتهم وتـُقطـّع أوصالهم وهم يقومون بواجباتهم الإعلامية البسيطة لمجرد أنهم نقلوا جزءاً يسيراً جداً مما يحدث فعلياً على أرض الواقع. هل لنا بعد كل ذلك أن نصدق مسرحيات التعذيب وتوابعها القضائية والإعلامية البهلوانية؟ لماذا يحاول الإعلام الغربي ومعه بعض الإعلام العربي أن يغطي عين الشمس بغربال؟ إن ضجة سجن أبي غريب الإعلامية تذكرنا تماماً بالمقولة الفرنسية الشهيرة:"الشجرة التي تحجب الغابة"!.