ردود الفعل العربية بذكرى المخرقة اليهودية
بقلم :د. ابراهيم
علوش
أحيت الأمم المتحدة
في الربع الأخير لكانون ثان / يناير 2005 الذكرى السنوية لتحرير اليهود من
المعسكرات النازية في الحرب العالمية الثانية، وخلدت ما يسمى «المحرقة» اليهودية
بشعائر كالعبادات، مما أثار ردود فعلٍ عربية تأرجحت بمعظمها بين التعاطف مع معاناة
اليهود في «المحرقة»، مع المطالبة بالاعتراف بمعاناة غير اليهود، وهو توجه
الليبراليين العرب، والتركيز على طريقة استغلال «المحرقة» سياسياً لابتزاز العالم
وفرض جدول الأعمال الصهيوني عليه.
ويقع النمطان، على
تباين دوافعهما، في الفخ نفسه إذ يتجنبان وضع «المحرقة» نفسها تحت المجهر إلا
نادراً. ففي الحالتين، يتبنى الكاتب عملياً أضاليل «المحرقة»، ثم يتعاطف معها
محاولاً ربطها بمعاناة غير اليهود، أو يسعى للنيل منها بمقارنتها بمعاناة غير
اليهود هنا والآن.
المشكلة في الحالتين
أننا ما زلنا لا ندرك ماذا تعني «المحرقة»! فهي ليست مجرد حدث تاريخي أو معاناة
بشرية أخرى، ولا مجزرة كدير ياسين أو صبرا وشاتيلا أو العامرية حتى تقارن بهما
مجرد مقارنة.
«المحرقة» في العقل
الغربي حدث فريد من نوعه منذ بدء الخليقة كلها، لا مثيل له لا قبل ولا بعد، لا في
الشرق ولا في الغرب. ويغيب عن الذين يعترفون بأساطير «المحرقة»، على اختلاف
استراتيجياتهم في تناولها، أنها اختلقت اختلاقاً لتكون أهم وأخطر وأعظم منعطف في
التاريخ البشري برمته. فهي ليست شيئاً تقارن به باقي الأشياء، بل هي أفعل تفضيل
المجازر كلها تقف فوق كل شيء، لتسخف كل ما عداها. ولنلاحظ أنها لا تسمى «محرقة
اليهود» في الغرب، بل«المحرقة»، فهي القصة، والقضية، والتاريخ، والمسألة، دونما
حاجة لإضافتها لشيء أو لربطها باليهود، فهذا مفهومٌ كتحصيل حاصل. فهي النقطة
المرجعية، وأل التعريف! وهي تدرس هكذا في المناهج الغربية... والعربية قريباً!
ومن لا يستوعب هذا،
يفوته المنبع الدفين للتعاطف الأخلاقي والمعنوي في الغرب مع اليهودي، وبالمعية، مع
الحركة الصهيونية العالمية و«إسرائيل». فلنأخذ مثالاً راهناً: عندما تثار الاعتراضات
المسعورة على صفقة الأسلحة الروسية لسوريا، ومدى خطورتها، تثار معها دائماً أصداء
خفية لمعاناة «المحرقة» التي لا يجوز أن تتكرر أبداً، حسب الشعار المتبنى عالمياً
بصددها Never Again!
وعندما ركز
الأمريكيون على خطورة «أسلحة الدمار الشامل» العراقية على «دول المنطقة»، أي «إسرائيل»،
ارتبط ذلك في الذهن الغربي، بشكلٍ أو بأخر، بضرورة عدم تكرار المعاناة اليهودية في
«المحرقة». فأمن «إسرائيل» هو الذي يحتفي به العالم اليوم إذ يحتفل بذكرى المخرقة (بالخاء)...
ويحاول الطرف
الأمريكي-الصهيوني عبر الأمم المتحدة أن يعولم «المحرقة» كموضوعة مهيمنة، بعدما
كانت رواية غربية فحسب، وقد سبق ذلك توقيع بوش الابن قراراً رئاسياً يلزم وزارة
الخارجية الأمريكية بمتابعة كل مظاهر «معاداة السامية» حول العالم، مثلاً، التعرض
للمخرقة بالنقد!
إذن ليست المشكلة في
المخرقة أن عدد ضحاياها مليون أو اثنان بدلاً من ستة، كما يزعم اليهود، أو حتى
طريقة تجييرها سياسياً، كما يظن معظمنا. والمشكلة في «المحرقة» ليست أنها كلام حق
يراد به باطل، بل هي باطل خرافي يراد به باطل سياسي. فهي أيديولوجيا لا تاريخ ،
بالتحديد، الأيديولوجيا العالمية للحركة الصهيونية تبرر عبرها نفوذها المحلي
وسياسات «إسرائيل» وترفعهما فوق النقد، وكل قانون، أمام الأغيار من غير اليهود،
بينما الصهيونية نفسها أيديولوجيا اليهود لليهود.
إذن مات اليهود
كغيرهم، ولكن ليس هكذا. ولا ننكر أنهم ماتوا، كخمسٍ وأربعين مليوناً غيرهم، بسبب
الحرب والجوع والمرض، في الحرب العالمية الثانية. ولكن ننكر «المحرقة»، أي تلك
الرواية الخارقة ذات الدوافع الأيديولوجية والسياسية.
حجر الزاوية في
أساطير «المحرقة» هو غرفة الغاز السحرية التي يفترض أن اليهود قضوا فيها. فإذا
وافقنا عليها، ضد العلم والعقل، نوافق على حدث لا مثيل له في التاريخ، على وهمٍ
تصغر أمامه كل حقيقة، ومنه فلسطين والعراق. فلو قبلنا أنهم قضوا: 1) في غرف غاز، 2)
نتيجة سياسة إبادة منهجية، 3) مما أدى لإبادة ستة ملايين منهم من أصل خمسة عشر
مليوناً، نكون قد قبلنا بأسس رواية «المحرقة» العجيبة. وقد أثبتت دراسات العلماء
المراجعين أن أي واحدة من الأسس الثلاثة هي محض هراء.
... ولا تنسوا أن
تكتبوها مخرقة (بالخاء)، أو أن تضعوها بين مزدوجين... .