الأمم المتحدة
والاحياء الانساني لذكرى المحرقة
بقلم: عوني فرسخ
أحيت الجمعية العامة للامم
المتحدة مؤخرا ذكرى المحرقة النازية بمناسبة مرور ستين عاما على تحرير من بقوا
احياء في معسكر اوشفيتز غداة احتلال القوات السوفياتية له . ولقد جاء ذلك الاحتفال
استجابة لطلب المندوب الامريكي في المنظمة الدولية ، والذي ايده مندوبو كل من :
روسيا والاتحاد الاوروبي وكندا واستراليا ونيوزيلندا ، ووافقت على ذلك 138 دولة من
بين 191 عضوا في الجمعية العامة للامم المتحدة . وهذا الاجراء غير المسبوق في
تاريخ المنظمة الدولية له أكثر من دلالة على موازين القوى الاقليمية والدوليـــة ،
وانعكاساتها على الصراع العربي – الصهيوني ، خاصة في المرحلة الراهنة .
وأول ما ألاحظه بمناسبة هذا
الاحتقال دولي الطابع ، والذي يراد به تكريس الشعور بالذنب عالميا تجاه ما اقترفه
النازيون الالمان بحق يهود بلادهم ، أن ظاهرة ابادة البشر ، كما هي حال العنصرية
ومعاداة السامية ، ظاهرة أوروبية لم تمارسها الشعوب غير الاوروبية . كما لم يرد
لها اي ذكر عند المؤرخين والمستشرقين الذين تناولوا بالدراسة المعمقة والنقد
الصارم تاريخ الفتوحات العربية الاسلامية ، التي انطلقت قبل بدايات الاستعمار
الاوروبي بنحو تسعة قرون ، وامتدت من شواطىء الاطلسي حتى اواسط آسيا . فضلا عن أنه
ليس لدعوة ابادة الآخر والعدوان على الابرياء اي ذكر في الادبيات العربية ، وبخاصة
القومية منها .
وفي ضوء حقائق التاريخ العربي
، وما تأسست عليه الثقافة العربية الاسلامية ، يمكن الجزم بأن إدانة جريمة ابادة
الجنس ، ورفض الدعوات العنصرية ، وتحريم المساس بالابرياء غير المعتدين على اختلاف
اجناسهم وأديانهم وانتماءاتهم السياسية . كل ذلك يقع في صلب مفاهيم الاسلام ، والقيم
العربية ، والفكر القومي العربي . وانطلاقا من هذا الفهم ينظر لتحفظ عدد من
المفكرين العرب على مبادرة الامم المتحدة باحياء ذكرى المحرقة النازية ، والتشكيك
في دوافع هذا الاحياء وغاياته ، والتنبيه لدلالاته الخطرة على الصراع العربي –
الصهيوني .
وثاني ما ألاحظه أن الجرائم
العنصرية غير محصورة فقط في الابادة المادية للبشر ، وانما تشتمل ايضا على ابادتهم
المعنوية ، المتمثلة باحتلال اراضيهم ، وانتهاب مواردهم ، وقهر ارادتهم ، وحرمانهم
من أول حقوق الانسان واهمها ألا وهو حق الشعب في تقرير مصيره على ترابه الوطني .
وحتى يكون احياء ذكرى المحرقة النازية انسانيا وليس عنصريا المفروض به أن يكون في
صالح البشرية كافة ، وبالذات الشعوب
المحتلة اراضيها والمغتصبة حقوقها ، وليس فقط في صالح من وظفوا المحرقة
النازية في تبرير العدوان واغتصاب الحقوق .
وثالث ما ألاحظه ان توقيت
احياء ذكرى المحرقة النازية ، بعد ستين عاما من انفضاح امرها لم يأت صدفة ، كما أن
التجاوب الواسع مع الدعوة لذلك ليس بريئا . فما شهدته شعوب العالم الثالث خلال
السنوات الستين الماضية من عدوان سافر على حقوقها كان يستدعي مبادرة من الامانة
العامة للأمم المتحدة من هذا القبيل قبل سنوات . ولكن حين تؤخذ في الحسبان استطلاعات
الراي خلال العام المنصرم التي اوضحت ان 69 % من الاوروبيين و 43 % من الامريكيين
يعتبرون اسرائيل الاخطر على السلام العالمي ، بعدوانها على الشعب العربي في فلسطين
، تتضح الدوافع الحقيقية لمطالبة الأمم المتحدة بإحياء ذكرى المحرقة النازية ، وأن
الغاية المستهدفة من هكذا احياء ، انما هي الاسهام في امتصاص شعور الرفض المتنامي
لارهاب الدولة الصهيوني في الاراضي العربية المحتلة .
والذي يذكر أنه في العام 1975
اصدرت الجمعية العامة للامم المتحدة ، وبأغلبية ساحقة من الاعضاء ، القرار 3379
بمساواة الصهيونية بالعنصرية . وهو القرار الذي جرى الغاؤه منذ بضع سنوات . وذلك
بعد أن تراجعت فعالية الدول العربية ومجموعة عدم الانحياز ، وانتهت الحرب الباردة
وتفكك الاتحاد السوفياتي ، وتفردت الادارة الامريكية – حليف اسرائيل الاستراتيجي –
بالقطبية الدولية . وعليه يبدو منطقيا للغاية ما قاله مندوب اسرائيل في المنظمة
الدولية من حدوث تغيير في اجواء المنظمة جعلت بعض الدول التي لا تعترف ببلاده تصوت
لعقد الجلسة . ذلك لأن انعقادها على المستوى الذي عقدت عليه ، وللغرض الذي عقدت
لاجله ، انما يدل دلالة قاطعة على أن مركز اسرائيل في المنظمة الدولية ، وموقف
المنظمة من الصراع العربي – الصهيوني في العام 2005 ، هما على النقيض تماما مما
كانا عليه في العام 1975 ، وفيما سبقه من اعوام . ولقد كثر خلال السنوات الاخيرة
الباحثون المختصون الذين يرون أن الاعتراف باسرائيل وتطبيع العلاقات معها ، بل
والاقبال عليها الصادر عن كثيرين من صناع قرار دول آسيا وافريقيا ، حيث كانت للعرب
كلمة مسموعة ، سببه الاول والأهم تزايد الشعور عند اؤلئك الساسة بأن الطريق الايسر
والاجدى للوصول الى قلب وعقل واشنطن ، وبالتالي المؤسسات المالية الدولية في
نيويورك ، انما يأتي عبر تل ابيب .
وحين يكون الخلل الاستراتيجي
في ميزان القدرات والادوار على صعيد الصراع العربي – الصهيوني على النحو الذي
يعكسه احياء الجمعية العامة للامم المتحدة ذكرى المحرقة النازية ، ففي ذلك دلالة عبثية
توقع ان يصدر عن أركان ما يسمى "المجتمع الدولي" موقف متحرر مما تمليه موازين
قوى طرفي الصراع . وليس في الافق الدولي ما يدل أدنى دلالة على أن التفاؤل المروج
له في بعض الساحات العربية من أن الفرصة مواتية لتحقيق تسوية تلبي الحد الادنى من
المطالب العربية له ما يبرره . ويعلمنا التاريخ – استاذ الانسانية الاكبر – أنه
حين يمتدح الخصم اداء خصمه فان في ذلك مؤشرات تدعو للقلق والتحسب مما يجري وراء
الكواليس .
ثم إن الجمعية العامة للامم
المتحدة حين تحيي ذكرى المحرقة النازية باعتبارها حقيقة تاريخية يجدر بالبشرية
الاستفادة من دروسها بعدم تكرارها ، فان الغاية المرجوة مستحيل ان تتحقق ما لم
تقدم الحقيقة التاريخية كاملة غير منقوضة . أما حين تسلط الاضواء على الفعل
الاجرامي النازي ، وتكثف الظلال من حول القعود عن التصدي له بالقدرات الممكنة
والمتاحة ، وتواصل السكوت على ذلك القصور ، فاسهام صريح في عملية التضليل التي مورست
ولا تزال من قبل الذين لا تقل مسؤوليتهم التاريخية عن الجرائم التي شهدها معتقل اوشفيتز وسواه من قبل
عتاة المجرمين النازيين الذين دعوا للابادة والذين مارسوها .
ومن بين ما توضحه الوثائق التي
كشف عنها الستار في تل أبيب ولندن وواشنطن وبون أن الادارة الامريكية أخذت تتشدد
في تطبيق احكام نظام "الكوتا" تجاه المهاجرين من المانيا والنمسا خلال
سنوات تصاعد الممارسات العنصرية النازية . في حين اعلنت حكومة استراليا عدم السماح
بهجرة ما يزيد عن خمسة عشر ألف يهودي خلال ثلاث سنوات . وكانت بوليفيا قد أعلنت
استعدادها لاستقبال مائتين وخمسين مهاجرا يهوديا شهريا غير أنها لم تنفذ ذلك عمليا
. ولم تحرك الوكالة اليهودية يومذاك ساكنا تجاه اجراءات الدول الثلاث ، وانما
اتخذت منها وسيلة للضغط لأجل فتح ابواب فلسطين لمزيد من المهاجرين الشباب والصبايا
الملتزمين بالعقيدة الصهيونية بالدرجة الاولى .
وعندما نشطت الدعوة لمقاطعة
المانيا اقتصاديا ، للضغط على النظام النازي لوقف ممارساته العنصرية ، وبخاصة ضد
اليهود دعاة الاندماج ، عارضت الحركة الصهيونية دعوة المقاطعة بسبب تاثيرها السلبي
على هجرة اليهود الالمان الى فلسطين . فيما يقرر ناحوم غولدمان ، رئيس المؤتمر
اليهودي العالمي الاسبق ، في مذكراته ، ان غالبية المؤسسات اليهودية ، خاصة في
الولايات المتحدة ، امتنعت عن الالتزام بقرار المقاطعة . وفي ادانة صريحة للزعامات
اليهودية يومذاك يقول : "لا يمكننا أن نقدم ذريعة بأننا هوجمنا بشكل غير
متوقع . فكل شيء فعله هتلر ونظامه لنا قد اعلن عنه مسبقا بصراحة سافرة . وأدت
سذاجتنا وتفاؤلنا الى تجاهل هذه التهديدات . وفي هذه الصفحة المميتة لتاريخ الشعب
اليهودي فانه لا يوجد هناك عذر لجيلنا برمته ، أو لمعظم زعمائنا . ويجب ان نقف ليس
لنشجب فقط شهودنا إبادة ثلث عدد شعبنا ، وانما نحن مذنبون لقبولنا به دون أية
مقاومة تستحق أن تذكر " ويقرر انه وجد احيانا من بعض الزعماء غير اليهود
تفهما اكثر من الذي وجده من الزعماء اليهود . ويعطي مثالا على ذلك محادثته في جنيف
مع وزير خارجية تشيكوسلوفاكيا ، الذي احتج على عدم صدور ردة فعل يهودية قوية تجاه
إعلان قوانين نورمبرغ العنصرية شديدة العداء لليهود . وسبق أن بينت في مقال قبل
اسبوعين أن الصهاينة رأوا في قوانين نورمبرغ عاملا محفزا لهجرة يهودية واسعة .
ومما يذكر أيضا أن وزير
الخارجية الامريكية كورديل بعث في آذار / مارس 1943 رسالة الى انتوني أيدين وزير
الخارجية البريطانية ، طلب فيها ايجاد حل لمشكلة ستين الى سبعين الف يهودي بلغاري
. فكان رد إيدن : إن مسالة اليهود في أوروبا صعبة للغاية ، وإذا وافقنا على الحل
المطروح ليهود بلغاريا فسرعان ما سنواجه قضايا أخرى شبيهة . وسيستغل هتلر هذا
التوجه . كما اننا بحاجة الى السفن التي تنقل هؤلاء ، وهي غير متوفرة لدينا . في
حين اصرت الادارة الامريكية على رفض نقلهم ، ولو مؤقتا ، الى الولايات المتحدة على
السفن التي كانت تعود اليها فارغة بعد انزال حمولتها من الاغذية والاعتدة في
أوروبا . ولقد تزامن ذلك مع حصول الوكالة اليهودية على توقيع 53 عضوا في مجلس
الشيوخ الامريكي و 152 من اعضاء مجلس النواب ، لتاييد اقامة الدولة اليهودية في
فلسطين فورا . وفي ذلك مؤشر على صحة قول أحد أبرز مؤرخي المرحلة بانه كان من
الواضح أن الحركة الصهيونية ومعها الادارة الامريكية لم تكونا معنيتين بانقاذ يهود
المانيا ، بقدر ما كان يهمهما تنفيذ المشروع الصهيوني وتوظيف مأساة يهود أوروبا في
هذا السبيل .
وهذا ما كان حريا بالهيئة
الدولية أن لا تتجاهله ، إن هي ارادت ان يكون احياء ذكرى المحرقة النازية منزها عن
الغرض ، ولا يصب في قناة تدعيم العدوان الصهيوني . فالجريمة النازية وقعت على
الارض الاوروبية ، واقترفها مجرمون اوروبيون ، وكان ضحاياها أوروبيون يهودا وغير
يهود . فيما الذي دفع الثمن الباهظ لهذه الجريمة النكراء إنما كان شعبا عربيا ، لم يكن له اي دور في ممارسة الجريمة او القعود
عن التصدي لها ، كما فعل من كانوا يملكون الامكانيات المادية والقدرات البشرية
والدور المؤثر على المسرح الدولي آنذاك . في حين أن الحركة الصهيونية ، التي
تعاونت مع النظام النازي ما بين 1933 – 1940 ، ولم تعن بمصير اللاجئين اليهود طوال
سنوات الحرب بقدر ما عنيت باستغلال مأساتهم هي المستفيدة الوحيدة من الجريمة
النازية التي تحيي المنظمة الدولية ذكراها .
وإذا كانت المحرقة النازية قد
أودت بحياة ستة ملايين يهودي اوروبي كما يقال ، ومن حقهم أن تحيا ذكراهم . فاليس
من حق التسعة ملايين عربي فلسطيني ، ضحايا العدوان الصهيوني ، وتوظيف المحرقة
النازية سياسيا ، أن تؤخذ مأساتهم والعدوان على حقوقهم المشروعة المتواصلين بالحسبان
؟ وهل من المبادىء الانسانية ، التي يراد باحياء ذكرى المحرقة النازية حمايتها ، أن
تسلط الاضواء على المحرقة النازية فيما تكثف الظلال من حول استغلالها في اغتصاب أرض فلسطين وحرمان شعبها العربي من حقه في تقرير
المصير وممارسة كامل حقوقه السياسية المشروعة ، بما في ذلك حق العودة الحرة لجميع من هم في
الشتات لأرضهم المحتلة ؟ أم أن التخندق وراء الادعاءات الصهيونية وقبولها على
علاتها ودون مناقشتها موضوعيا هو وحده الذي باتت معنية به المنظمة الدولية ؟
تساؤلات أترك الاجابة عنها
لمندوبي دول العالم الثالث ، وبخاصة العربية منها ، الذين شاركوا في احياء ذكرى
محرقة ، لما يزل الصهاينة وحماتهم على جانبي الاطلسي يستغلونها دون مراعاة لحقائق
التاريخ وحقوق الشعب العربي الفلسطيني الضحية الحية للجريمة النازية النكراء .