ردا علي الأنبا موسي أسقف الشباب

لماذا تغيب رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات علي مليار دولار تصل سنويا من أقباط المهجرللكنيسة؟!

هناك عدم مشروعية في طلب الكنيسة وعدم مشروعية لاستجابة الدولة في تسليم وفاء

أين هو الفرق بين عموم الصالح الوطني وخصوص الصالح الكنسي؟

يستحيل أن ينشأ عرف يكون مخالفا للحريات الأساسية والحقوق الدستورية

 

 

بقلم: المستشار طارق البشري *

 

غبطة الأنبا موسي أسقف الشباب بالكنيسة المصرية صديق عزيز، أدعو الله سبحانه أن يحفظ عليه نعمة الصحة، بعد الوعكة الصحية التي ألمت به في الأسابيع الماضية. وقد كتب معقبا علي حديثي الذي تفضلت صحيفة 'الأسبوع' بنشره لي في العدد قبل الأسبق، وأبي عليه ورعه الذي أعرفه منه، إلا أن يلخص حديثي السابق في تعقيبه تلخيصا هو خليق بأن يصدر عمن كان في مثل ورعه، ثم عقب علي حديثي بما رآه من وجهة نظر مخالفة. وهو علي دوام كما يعهده عارفوه سمح ودود هادئ الطبع رضي النفس.

وكنت تابعت أحاديثه في الصحف السيارة علي طول شهري ديسمبر ويناير الماضيين، وخالفت غبطته في الكثير مما قال، متعلقا بهذا الموضوع المثار، موضوع تسليم الدولة السيدة وفاء قسطنطين إلي الإدارة الكنسية وايداعها في أحد بيوت التكريس بضاحية عين شمس، ثم نقل الإدارة الكنسية لها إلي دير الأنبا بشوي، ولا يعلم أحد عنها شيئا منذ سلمت حتي اليوم إلا ما يصدر عن حضرات المطارنة وإدارة الدير.

وتفضل سيادته مشكورا بإعادة بيان وجهة نظري في مقاله وعقب عليها بما رآه، وظهرت وجهتا النظر جنبا إلي جنب، وهما معروضتان علي القارئ، وإليه نحتكم. والخلاف قائم في ظني بين ما اجتهدت أن أعبر عنه من 'عموم الصالح الوطني'، وبين ما يلتزم به غبطته بحكم مركزه السامي في الإدارة الكنسية من التعبير عن 'خصوص الصالح الكنسي' الذي تتبناه هذه الإدارة، والذي يلزم به رجلها الأوحد المتفرد جميع المحيطين به.

(2)

وأنا أترك الأمر للقارئ يقدره بغير إضافة مني، إلا أن أشير إلي نقطتين فقط تبدوان لي مجالا لفضل حديث: أولاهما­ أني كنت استند إلي عدم مشروعية ما طلبته الإدارة الكنسية، وعدم مشروعية ما استجابت به الدولة من تسليم إحدي المواطنات لرجال الكنيسة مما يعتبر ضبطا واعتقالا، وإنه ليس من قانون ولا تشريع قط يسند هذا الصنيع من طرفيه، فأجابني غبطته بأن ثمة عرفا يسند هذا الطلب، وأنه يتعين عليٌ بحكم تخصصي المهني القانوني أن أكون عارفا بأن 'العرف أحد أهم مصادر القانون'. وطبعا لا يفوت أحدا من طلبة الحقوق أن يكون عارفا بهذه 'المسلمة' القانونية. وكنت أوضحت في حديثي في 'آفاق عربية' إجابة علي سؤال أنه يتعين التفرقة بين العرف الملزم وبين العادة غير الملزمة.

وليس ذلك هو المهم. المهم أنه حتي إذا صدر قانون من قوانين الدولة مخالف للحريات الأساسية وللحقوق الدستورية، الأمر الذي ما تلبث المحكمة الدستورية أن تلغيه، وهي أمور حادثة وجارية، فإنه يستحيل أن ينشأ عرف يكون مخالفا للحريات الأساسية وللحقوق الدستورية، وهذا أولي بالمعرفة من غيره فيما أظن.

ولا أظن أن عرفا ينشأ بين الجماعة ويتبناه الناس، ويعتقدون بإلزامه، ويجيز للدولة أن تمسك مواطنا بغير جريرة ارتكبها ولو خطأ وقع منه، ثم تسلم هذا المواطن إلي هيئة أهلية كان تركها وابتعد عنها، ولا أظن أن يقوم عرف يفيد ما لازلت أصفه بأنه ضبط واعتقال.. إن خلافي مع السيد الكريم هو في هذا التوصيف للحدث الذي جري ولايزال يجري.

ومن وجهة أخري، فلا أظن أيضا أن ثمة عرفا يقوم يقيد الإنسان في حرية الاعتقاد ويمنع المرء من التحول من دين شاء أن يتركه إلي دين شاء أن يقبل عليه، ولعلنا نتفق علي أنه من الصعب في مثل جماعاتنا المسلمة أو المسيحية أن ينشأ عرف يناقض عقائدنا في أمر يمس جوهر الدين ذاته.

النقطة الثانية التي أود الاشارة إليها هي أن غبطة الراهب الجليل الانبا موسي، استفاد رضاء السيدة المذكورة بما حدث، لأنها كانت تستطيع أن تعبر عن رفضها بعدم نزولها من السيارة للفيلا، أو بصراخها من نوافذ الفيلا، أو بالاتصال بالتليفون المحمول الذي كانت تحمله، وأن المتابع للأحداث لا يعرف هل بقي الجهاز المحمول معها بعد أن سلمت وفرض عليها ما فرض من عزلة، ولا أحد يعرف عنها شيئا ممن امسكوا بها ولم يتركوها قط حتي اليوم، ولم يعرف أحد عنها شيئا، وهي كانت محصورة بين من أسلموها بأمر صدر إليهم بذلك ومن تسلموها بطلب ألحوا في وجوب الاستجابة له ثم أخفوها. وإن عدم صراخ الإنسان لا يفيد بذاته رضاء بما جري معه، فالأمر يتوقف علي طبيعة الشخصية وهول المفاجأة وملابسات أخري كثيرة. وقد تصلح هذه الحجة مع من كانوا خارج المكان الذي أودعت فيه السيدة وفاء، ولكنها لا تصلح مع غيرهم مثلنا، وقد ذكر غبطة الانبا موسي في صحيفة 'الحياة عدد 16 ديسمبر سنة 2004': 'كانت في حال احباط وتوهن، ما استدعي الدخول معها في نقاش في حدود المعقول لئلا ترهق' وأضاف: 'وفي اليوم الرابع استيقظت وأظهرت استعدادا كاملا للارتباط بالمسيحية والكنيسة...'. والسؤال هو: كيف يكون عدم الصراخ دليلا وقد كانت في حالة وهن واستيقظت بعد أربعة أيام؟

انتهي حديثي المتعلق بتعقيب الحبر الجليل الانبا موسي، ولا أزال عندما أري غبطته بنفسه الراضية السمحة أتذكر الآية القرآنية الكريمة 'ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون' ولذلك فهو من أشد الناس مودة لنا، حسب نص القرآن الكريم أيضا.

(3)

كان من توابع حادث الكاتدرائية أن ثار موضوع 'الإدارة الكنسية' ودورها ونشاطها، وتراكم في هذا الشأن من الوقائع ما يعرفه القارئ المتابع، علي مدي السنوات الأخيرة. فقد توحدت الكنيسة في الإدارة الكنسية، وتوحدت الإدارة الكنسية في التعبير عن الشأن القبطي الاجتماعي وامتد ذلك إلي التوحد في التعبير عن الأقباط في إطار الجماعة الوطنية، والحال أن ليس للمسلمين الغالبية الغالبة من السكان مؤسسة توحدهم في التعبير عن شأنهم في إطار الجماعة الوطنية، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلي قيام حركة بذلك تتجاوز التنظيمات السياسية إلي الدعوة لتمثيل جماعي.

ومن جهة ثانية، تمارس الإدارة الكنسية الشأن السياسي، وامتد نشاطها في هذا الأمر إلي حد أن صارت جماعة تمارس نوعا من السلطة، بتسلم المواطن والقول إن ذلك من حقوقها بما يعتبر نوعا من الضبط والاعتقال. والعجيب أن الدولة تتعامل معها بهذه الأوصاف، بعلاقة ندية لا علاقة حاكم بمواطنين، وأن الدولة بتسليمها مواطنين للإدارة الكنسية إنما تتورط في تأكيد أن ثمة ندية في العلاقة، وتتورط في قبول أن الإدارة الكنسية هي من يعبر عن 'أبنائها' كما ذكر بعض السادة المطارنة، أو هي 'الأم' كما ذكر غبطة الانبا شنودة في حديثه مع السيدة سناء السعيد ، والذي نشر في 'الوفد' وفي 'الأسبوع' (6، 10/1/2005)، وبذلك اكتسبت الألفاظ الدينية محتويات سياسية وقانونية، فالنصح والارشاد يعني في الواقع التسليم المادي للمواطن وهو عملية ضبط واعتقال، ولفظا الابناء والأم يعني أن علاقة سياسية للإدارة الكنسية بالأقباط يحسبانها وسيطا بينهم وبين الدولة، وحين تسلك الدولة سلوكا يفيد الاستجابة لهذا الأسلوب، تصدر التصريحات بأن هذه الاستجابة 'حق' وأنها قانون، فإن لم تكن قانونا فهي 'عرف'.

والأكثر من ذلك في سلوك الدولة أنها الدولة التي لم يثبت في سياستها شيء قط علي مدي العقود الثلاثة الأخيرة، أو بالأقل ربع القرن الأخير، إلا أنها ترفض بإصرار كامل الربط بين الدين وبين السياسة وتمنع بإصرار يصل إلي حد القسوة أي نشاط أو محاولة أو أية دعوة لإنشاء حزب سياسي يقوم علي أساس ديني، وتمارس في ذلك الضبط والاعتقال بغير مدد محددة، ويطرد المنع الحاسم المصمم في تصريحات المسئولين. هذه الدولة تتعامل مع الإدارة الكنسية لا باعتبارها مؤسسة سياسية فقط، ولكن بحسبانها سلطة أيضا فتسلم لها المواطنين. والمفارقة أنها أنكرت العمل السياسي عمن يقول: إن الإسلام دين ودولة، وأعطت حق ممارسة السياسة لمن يقول: إن المسيحية دين لا دولة، وتمنع السياسة عمن يقولون: إنه ليس لدينا رجال دين يشكلون واسطة بين الأرض والسماء، ويعطونها لمن هم رجال دين وكهنوت بموجب تنظيماتهم العقائدية، وتعطي هذا الحق لرجال الكهنوت ولا تعطيه للمسيحيين المدنيين.

(4)

وفي مجال الحديث المثار عن الإدارة الكنسية، استطرد حديث البعض إلي الإدارة المالية للمؤسسة الكنسية، فخصصت صحيفة 'صوت الأمة' في 27 ديسمبر سنة 2004 مقالا لهذا الأمر، أشارت فيه إلي الكتاب الذي كان أصدره القس الراحل إبراهيم عبدالسيد عن 'أموال الكنيسة القبطية'.. وذكر موارد لدخل الكنيسة ومصارف وغير ذلك، كتب الأستاذ جمال أسعد في صحيفة 'العربي' في 2 يناير سنة 2005 رسالة وجهها إلي البابا شنودة، وذكر فيها 'الأموال التي لا تحصي ولا تعد والتي يتم ارسالها للكنيسة، تلك الأموال التي كانت سببا في فض العلاقة الكنسية بين الشعب وبين الإكليروس، حيث أصبح الاكليروس في غير احتياج للشعب لأن البديل كان أموال الخارج' ثم استطرد موجها الحديث إلي البطريرك 'هنا لا ننسي مقولتك عندما قلت: (لقد انتهي اليوم الذي يمد فيه البابا يده لأغنياء الأقباط) ولكل ذلك ضاع الأمل في إصلاح كنسي كنا نتمناه وانتهي دور العلمانيين (يقصد المدنيين من الأقباط) في الكنيسة وسيطر الاكليروس علي كل شيء، فلم يعد هناك دور لا لمجلس ملي ولا للجان كنسية...' وفي 19 يناير سنة 2005 نشر الأستاذ ماجد عطية مقالا عاب فيه علي من يحرضون علي اخضاع الكنيسة وماليتها لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، وهم يتغاضون في ذات الوقت عمن يملكون مصادر تمويل خارجية من نوع بنك التقوي في جزر البهاما، ثم قال 'ومصادر تمويل الكنيسة من صناديق التبرعات لا تكفي معيشة الكهنة أو نفقات الكنيسة من فواتير المياه والكهرباء'، 'والأقباط في الخارج يحولون إلي الوطن ما يقرب من مليار دولار سنويا، لأن الانتماء الوطني يعيش في داخلهم'. وأنا لا أدري إن كان هذا الرقم قريبا من الصحة أم لا، ولكنني أراه رقما هائلا، وهو أن هيئة مصرية من هيئات المجتمع الأهلي يأتيها مليار دولار سنويا من الخارج، وهو ما يعادل نصف 'المعونة' الأمريكية للحكومة المصرية، والرقابة المالية هي أصل من أصول المحاسبة ومن أصول بناء النظم المحاسبية لأية هيئة عامة أو خاصة، والنظم التي ترسم أساليب الرقابة علي الدخل والصرف نظم لا تفرق بين مواطن ومواطن، ولا بين هيئة مسيحية أو هيئة مسلمة، إنما هي وسائل رقابة وضوابط لها أساليبها العلمية والفنية ولها قوانينها المنظمة والضابطة لسلامة أعمالها. وحتي الهيئات الخاصة المملوكة ملكية خاصة لذويها تخضع لهذه النظم، فشركات المساهمة مثلا تراقب حساباتها من مراقب حسابات معتمد فنيا ومعين من جمهور المساهمين الملاك الحقيقيين للشركة والممثلين في الجمعية العمومية ويجتمعون سنويا لنظر ملاحظاته وميزانية الشركة، ولا تبرأ ذمة أعضاء مجلس إدارة الشركة من المسئولية إلا بقرار الجمعية العمومية بعد نظر الميزانية وملاحظات مراقب الحسابات، وكذلك الشأن بالنسبة للجمعيات الخاصة والجمعيات التعاونية. وكل ذلك يخضع أيضا للجهات المسئولة في الدولة، مثل 'مصلحة الشركات' أو وزارة الشئون الاجتماعية أو الوزارات المختصة بنوعية الجمعيات التعاونية، استهلاكية كانت أو إنتاجية أو زراعية أو اسكانية أو تعليمية، كل جهة حسب اختصاصها. وثمة قوانين ضابطة لكل أولئك.

والنقطة الثانية، أن من يراجع النظم والتشريعات واللوائح الخاصة بإدارة الشئون العامة، وكذلك شئون الهيئات العامة والجماعات وغيرها، يلحظ في الغالب من ذلك أنه إذا كان من مواردها قبول التبرعات فيتعين أن تكون سلطة قبول التبرع سلطة رقابية في أي من هذه الكيانات التنظيمية، لأنه يخشي أن يكون التبرع مما يستر نوع سيطرة أو نوع هيمنة علي الجهة المتبرع لها، أو أن يؤدي ذلك بأي الوجوه إلي انصراف الهيئة المعنية عما انشئت من أجله، وإلي توخي أغراض ليست خالصة لما انشئت من أجله، وذلك يتأكد علي وجه الخصوص في الهيئات التي لا تبغي في نشاطها الربح المادي، فهي تحتاج إلي المال ولا تقصد ربحا تجاريا، وهي ما يخشي عليه من التبرعات، إلا ما توافق عليه أكثر جهاتها حيدة وانضباطا، وكثيرا ما يكون قبول التبرع مشروطا بموافقة الجمعيات العمومية التي تضم كل أصحاب الشأن. أو جهة من جهات الدولة ذات السلطة الرقابية أو الوصائية، سيما إن كان الأمر يتعلق بالأمن القومي.

والنقطة الثالثة تتعلق بأمر التبرعات التي تأتي من الخارج، فإن هذا الأمر توليه التشريعات عناية خاصة جدا، لأن منها ما يكون ماسا بالأمن القومي للبلاد، ويرد في صيغة تبرعات لجمعيات أو هيئات خاصة، ومن هنا وجب أن يكون للدولة وجه اشراف ورقابة علي هذه الموارد، والرقابة والاشراف هنا أمر سائغ ومقدرة أسبابه، ونحن نلحظ ذلك في قوانين الأحزاب والجمعيات وغير ذلك.

(5)

إن الجهاز المركزي للمحاسبات هو الهيئة المنوط بها تحقيق الرقابة المالية ليس علي أموال الدولة فقط، ولكن علي كل ما يسمي في القانون بالأشخاص الاعتبارية العامة الموكل إليها أداء خدمات عامة، أو القيام علي شأن من شئون الجماعات المختلفة من جماعات المواطنين، وكذلك يناط به الرقابة المالية علي أموال هيئات خاصة إن وجدت الدولة أن هذه الهيئات تقوم بخدمات عامة أو لها تشكيل ومهام وظيفية يهتم بها الشأن العام.

والقانون المنظم للجهاز المركزي للمحاسبات الآن هو القانون رقم 144 لسنة 1988، وهو يجعل الجهاز شخصية مستقلة ويعاون مجلس الشعب ويمارس الرقابة المالية المحاسبية والقانونية والرقابة علي الأداء، ويمتد نطاق رقابته ليشمل كل وحدات الجهاز الإداري للدولة، والحكم المحلي، ويشمل أيضا الهيئات العامة جميعها، وهيئات القطاع العام وشركاته وأية شركة يساهم فيها شخص عام أو قطاع عام بما لا يقل عن 25 % من رأسمالها.

ورقابة الجهاز تشمل أيضا جميع النقابات المهنية والعمالية، وجميع الأحزاب السياسية والمؤسسات الصحفية، سواء كانت المؤسسات الصحفية قومية أو حزبية، وأية جهة أخري تعينها الدولة أو ينص قانونها علي الخضوع لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، كما أنها تشمل كل ما يحال إليه من مجلس الشعب لفحص أعماله، حتي وإن كان جمعية تعاونية أو منظمة جماهيرية أو أي مشروع بمرفق عام.

المهم هنا ما هو دور الجهاز بالنسبة للمؤسسات الكنسية؟ والحال أن قانون الجهاز يخضع لرقابته كل الهيئات العامة وأشخاص القانون العام لمراقبة الدخل والمنصرف وللرقابة المالية بشقيها المحاسبي والقانوني. والهيئات العامة ليست هي فقط وحدات الحكومة المركزية أو جهات الحكم المحلي التابعة للدولة ولكنها تشمل النقابات المهنية لأنها تعتبر في التعريف القانوني هيئات عامة باعتبارها تقوم علي أمور تنظيم المهن ورقابة أداء أعضائها لهذه المهن، وتعتبر قراراتها قرارات إدارية تخضع حسب الأصل لاختصاص محاكم القضاء الإداري.

والحاصل أن القضاء الإداري مستقر علي اعتبار المؤسسات الكنسية هيئات عامة، وفي سنة 1962 قضي باختصاصه بنظر دعاوي إلغاء قرارات المجلس الانجيلي العام للمسيحيين البروتستانت، لأنه مجلس يقوم علي مرافق المسيحيين البروتستانت من النواحي الدينية والإدارية، ومن ثم يعتبر هيئة عامة (الدعوي رقم 432 لسنة 14 قضائية جلسة 6/2/1962)، وفي سنة 1980 قضت المحكمة الإدارية العليا بأن الكنائس الانجيلية المعترف بها 'تعتبر من أشخاص القانون العام المنوط بها إدارة مرفق عام من مرافق الدولة مستعينة في ذلك بقسط من اختصاصات السلطة العامة' (المحكمة الإدارية العليا طعن 1190 لسنة 20 قضائية 20/12/1980). وفي سنة 1984 حكمت المحكمة العليا باختصاصها بنظر قرار 'الفرز' أي الفصل من عضوية الكنيسة والذي يعتبر أقسي قرار لما يتضمنه من حرمان المفصول من أية رابطة تربطه بالكنيسة الانجيلية، ومعني ذلك أن المحكمة العليا تعتبر الكنائس هيئات عامة وأن قراراتها تعتبر قرارات إدارية مما تختص بنظر مدي مشروعيته، حتي بالنسبة لقرار الحرمان الذي تصدره الكنيسة بطرد فرد من اتباعها (حكم في الطعن رقم 2178 لسنة 27 قضائية جلسة 31/3/1984). وكذلك أحكام المحكمة العليا الصادرة في الدعوي رقم 3282 لسنة 43 قضائية بجلسة 15/1/1991، والدعوي رقم 3450 لسنة 42 قضائية بجلسة 16/7/.1991 والأحكام كثيرة بالنسبة للأقباط البروتستانت لأنهم كانوا يطعنون في قرارات كنائسهم فكانت تصل إلي المحاكم. أما الأقباط الارثوذكس فطعونهم في قرارات كنيستهم أقل، علي أن من أوائل الأحكام التي صدرت في هذا الصدد حكم محكمة القضاء الإداري في الدعوي رقم 8 لسنة 7 قضائية بجلسة 6/4/1954، انتهت فيه المحكمة إلي أن بطركخانة الأقباط الارثوذكس تعتبر من أشخاص القانون العام وأن ما يتفرع منها يعتبر هيئات إدارية.

وفي هذا الصدد لا ننسي طبعا أن الرئيس أنور السادات كان قد أصدر قرارا في 1981 ضمن قرارات سبتمبر 1981 الشهيرة، بسحب القرار الجمهوري الذي يقضي باعتراف الحكومة بتعيين الانبا شنودة بطريركا علي الكنيسة القبطية الارثوذكسية وتعيين لجنة بابوية من خمسة مطارنة لإدارة الكنيسة وإلزامه المكوث بالدير وقد رفعت أمام القضاء الإداري دعوي لإلغاء هذه القرارات، وانتهت المحكمة إلي رفض الدعوي بحكم شهير قد نتعرض له في مناسبة مقبلة، من حيث وقائع الدعوي وما اشتملته من وجوه الدفاع، ولكن المهم الآن في صدد ما نتحدث عنه أن المحكمة أثبتت في حكمها أن بطريركية الأقباط الارثوذكس تعتبر هيئة عامة ومن أشخاص القانون العام، وأن غبطة البطريرك يعتبر موظفا عاما.

وهذا ما عليه الحكم والفتوي في فقه القانون، ومنه يثبت أن الرقابة المالية للجهاز المركزي للمحاسبات يتعين أن تخضع لها كنيسة الأقباط الارثوذكس وغيرها من الكنائس، وهي رقابة مالية ذات شق محاسبي وشق قانوني، كما تشمل رقابة الأداء وغيرها. وإن هذه الرقابة ثابتة في الكنائس ثبوتها علي كل الأشخاص القانونية العامة، والمادة 13 وما بعدها من مواد الباب الثالث من قانون الجهاز توجب علي الجهات الخاضعة لرقابته أن توافيه بميزانياتها وحساباتها الختامية وغير ذلك علي تفاصيل واردة في القانون ولائحته.

(6)

إن الأزهر يخضع لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، وكذلك كل هيئاته ومجالسه ومجامعه وكلياته ومعاهده، وكذلك الأوقاف الإسلامية، التي تتبع كلها وزارة الأوقاف تخضع لرقابة الجهاز، وفضيلة شيخ الأزهر يعتبر موظفا عاما، والطرق الصوفية وهي هيئات العبادة يقوم علي رأسها المجلس الأعلي للطرق الصوفية ويشكل من عشرة مشايخ للطرق منتخبين فضلا عن ممثل عن الأزهر، وممثل عن وزارة الأوقاف، وممثل عن وزارة الداخلية، وممثل عن وزارة الثقافة، وممثل عن الحكم المحلي، ويخضع لرقابة حكومية واضحة، ومنظمة بالقانون رقم 118 لسنة .1976

وكذلك فإن النقابات المهنية جميعا تعتبر هيئات عامة ومن أشخاص القانون العام، وكذلك الغرف التجارية والصناعية تعتبر هيئات عامة ومن أشخاص القانون العام، والنقابات المهنية كما نعلم منها نقابات المحامين والمهندسين والأطباء والصحفيين والزراعيين والمهن التعليمية والمهن العلمية ومهنة المحاسبين والمراجعين والصيادلة واتحاد الصناعات والغرف التجارية كلها.

وكذلك فإن الأحزاب السياسية المنظمة بالقانون 44 لسنة 1977 هي خاضعة بنص هذا القانون لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات وينص قانونها علي أنها أو صحفها كذلك خاضعة لهذه الرقابة فكيف تفلت إدارة الكنائس وحدها من هذه الرقابة؟

ومن جهة أخري فإن المادة 11 من قانون الأحزاب تنص في فقرتها الثانية 'لا يجوز للحزب قبول أي تبرع أو غيره أو منفعة من أجنبي أو من جهة أجنبية أو من أي شخص اعتباري ولو كان متمتعا بالجنسية المصرية' كما تنص في فقرتها الثالثة علي وجوب أن يعلن عن اسم المتبرع وقيمة ما تبرع به إذا زاد التبرع علي 500 جنيه في المرة الواحدة أو 1000 جنيه في العام الواحد. وكذلك ينظم مسألة حصول أية جمعية علي تبرعات من الخارج بما يمكن من الرقابة علي مصادر هذا الايراد وما عسي أن يختفي وراءه من أغراض.

إنني فيما أذكره لا أثير شكوكا من أي نوع، وهذا أبعد ما يكون عن أهدافي، وليست الشكوك طريقا لي في التفكير أبدا ولكنني أثير أمورا نظامية، فثمة قوانين يتعين أن تطبق وفقا لمبادئ المساواة بين المواطنين وبحسبان الموضوعية في التطبيق وأن يخضع للقانون كل من يشملهم من أفراد المواطنين ومن حالات يصدق عليها. وأنا لا أعرف أبدا كيف ساغ طوال هذه السنين أن تنحسر رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات عن البعض من الهيئات التي تخضع له بنص أحكامه، كما أن التمويل من الخارج بطريق التبرع يتعين أن يكون وفقا للضوابط القانونية المرعية في الحالات المماثلة وبالقدر المناسب من الشفافية، وليس أقدر من الجهاز المركزي للمحاسبات علي أن يمارس رقابته وفقا للقوانين السارية والمعمول بها الآن.

والحمد لله

 

 ---------------

* المفكر الاسلامي ، نائب رئيس مجلس الدولة ، و رئيس جمعيتي الفتوي و التشريع السابق