عالم من دون اسرائيل

 

 

بقلم :د. محمد علي الفرا

mfarra@go.com.jo

 

ذكرنا في مقال سابق الدور الذي يقوم به الاعلام وبخاصة الصهيوني والمتصهين في الغرب في تضليل الرأي العام بطمس الحقائق او قلبها وتحريفها وتزويرها، وانتزاع الجمل والعبارات من اطارها واجتزائها من سياقها لاستخدامها في اثبات مقولاته ومزاعمه التي تخدم اهدافه ومخططاته وبرامجه، وتدحض وجهات النظر الاخرى التي لا تنسجم معه او تعارضه، ونظرا لهذا الدور الهام والخطر الذي يقوم به الاعلام اليوم فقد اطلق عليه كثيرون مصطلح »حرب الاعلام« وعدوه اشد خطورة من الحرب الحقيقية، لان عليه يتوقف، كثير من الحالات، كسب المعارك وتحقيق النصر في الحروب، وقد ادركت الصهيونية ذلك، فاستخدمت الاعلام في نشر اكاذيبها وادعاءاتها ومزاعمها، وسيطرت على جميع وسائله من صحافة واذاعة ومحطات فضائية وانترنت، وقد تمكنت من تحقيق نجاح كبير في هذا المجال.

كان ابرز موضوعات العدد الاخير من مجلة »السياسة الخارجية« Foreign Policy وهي دورية تصدر كل شهرين عن »منحة كارنيجي للسلام الدولي« ومقرها واشنطن، موضوعا مثيرا عنوانه »عالم من دون اسرائيل« لكاتب صهيوني اسمه »جوزيف جوفي«، وقد اولت هذه المجلة المقال اهتماما كبيرا فجعلته يتصدر غلافها، وقد احتوى هذا المقال الكثير من المغالطات والافتراءات، وسار كاتبه على نهج ما يسمى »لي الحقائق وقلبها«، وربما كان من المفيد ان نعرض للقارىء مقتطفات من هذا المقال ليتعرف على اسلوب الخداع والتضليل المتبع في الاعلام الغربي الذي يسيطر عليه الصهاينة والمتصهينون، ولا شك في ان ضحية هذا الاعلام ليس العرب وحدهم - ولو انهم هم الذين يقصدهم الاعلام - وانما ايضا جمهور الناس في الغرب الذين ليست لدى الغالبية منهم الخلفية الكافية عن قضايانا، ويجهلون الكثير من الحقائق عن نشأة اسرائيل ودورها في زعزعة الامن والاستقرار في المنطقة، وما ترتكبه من مذابح وجرائم في الاراضي الفلسطينية المحتلة.

ان هذا النوع من الاعلام يقوم بعملية غسل الادمغة واعادة تعبئتها بقصف العقول بأكأديب ومزاعم يسوقها على ضحاياه البسطاء على انها حقائق، ويقدمها بأسلوب ليصدقها كثيرون بمن فيهم عرب تنقصهم الخلفية الكاملة عن بداية الصراع العربي - الاسرائيلي، والنزاع الفلسطيني - الاسرائيلي وتطوره وابعاده واخطاره على المنطقة بأسرها.

يستهل »جوزيف جوفي« مقاله بافتراضات وهمية وخيالية قائلا: »لو تخيلنا ان اسرائيل غير موجودة، فهل سيزول الاستبداد والقهر السياسي، ويتلاشى التدهور الاقتصادي، وهي امور تدفع الشباب الغاضب نحو تحويل انفسهم الى قنابل متفجرة؟ وهل سيتمكن الفلسطينيون من اقامة دولتهم المستقلة؟! وهل تتحرر الولايات المتحدة الاميركية من عبء الحليف الاسرائيلي، لتجد نفسها محط اعجاب وحب العالم الاسلامي؟ ان تفكيرا كهذا بمثابة اماني، انه ابعد من ان يولد ضغوطا، وفي الواقع فان اسرائيل تحتوي عداوات تفوق تلك التي تتسب في حدوثها«.

ويستطرد هذا الكاتب في نشر اكاذيبه قائلا: »منذ الحرب العالمية الثانية لا توجد دولة عانت من حظوظ سيئة كاسرائيل، ولكنها نالت اعجاب الجميع في السبعينات على اعتبار انها دولة هؤلاء اليهود الشجعان الذين عاشوا وتحدوا جميع المشاكل، واقاموا الديمقراطية وحولوا الصحراء الى حدائق في جو معاد للحرية.. يتهمها البعض بأنها اسباب المشاكل في الشرق الاوسط، وان قيامها كان خطأ كبيرا، والفكرة السائدة هي اتهام اللوبي اليهودي والمحافظين الجدد بأنهم يسيطرون على ادارة الرئيس بوش لاتخاذ سياسة موالية لاسرائيل مما يتعارض مع المصالح الوطنية.. ان الادعاء بأن اسرائيل اساس المشاكل، ويجب دفعها نحو السلام بوسائل منها ممارسة ضغط عسكري عليها، وقطع المساعدات الاقتصادية والعسكرية عنها غير صحيح«.

وقد شكك »جوفي« في ان تؤدي ازالة اسرائيل من منطقة الشرق الاوسط الى استتباب الامن والاستقرار في المنطقة وتعزيز التضامن العربي، ويقول: »انه بعد انحسار القوى الاستعمارية كبريطانيا وفرنسا من المنطقة العربية في منتصف العشرينات من القرن الماضي، ظهرت حكومات عربية جديدة سعت الى اعادة رسم خريطة المنطقة«.

وقد حاول اثبات مزاعمه بالقول: »ان سوريا لديها مطامع في لبنان، وفي عام 1970 ردع الجيش الاسرائيلي سوريا عن غزو الاردن تحت ذريعة دعم الثورة الفلسطينية، وفي خمسينيات وستينيات القرن الماضي روّج جمال عبدالناصر لنفسه كزعيم للقومية العربية، وتدخل في اليمن، وفي السبعينيات دخل انور السادات في صراعات مع ليبيا، كما شن العراق حربين ضد دولتين مسلمتين هما ايران والكويت، وجميع هذه الحروب والنزاعات لا صلة لها بالصراع الفلسطيني - الاسرائيلي.. ان زوال اسرائيل سيؤدي الى توفير المجهود العسكري العربي فقط والدخول في خصومات ونزاعات داخلية.. العرب - اذن، وليست اسرائيل - هم سبب النزاعات في المنطقة ولذلك فهم - دون غيرهم - يستحقون اللوم، وقد اخطأ »سكوت ريتر« كبير مفتشي الاسلحة في العراق سابقا حينما قال مبررا صنع العراق لاسلحة الدمار الشامل لأجل التغلب على تفوق اسرائيل في السلاح النووي، وهذا يتعارض مع عدد من الحقائق منها ان العراقيين لم يستخدموا اسلحتهم هذه ضد اسرائيل، ولكن ضد ايران البلد المسلم«.

ويستطرد »جوفي« في نشر مزاعمه واكاذيبه ويقول انه لو بدأنا بعام 1948 الذي ولدت فيه اسرائيل، وهو العام الذي نشبت فيه الحرب العربية - الاسرائيلية، حيث زحفت ستة جيوش عربية بحجة تحرير فلسطين، ولكنها في الحقيقة كانت تريد الاستيلاء عليها، فلو حقق العرب هذا الهدف لما قامت دولة فلسطينية تحقق للفلسطينيين تطلعاتهم وطموحاتهم الوطنية، ولترتب على ذلك نزوح وتشرد كثير من الفلسطينيين عن وطنهم واصبحوا لاجئين، ويؤكد مزاعمه بضرب امثال خاطئة بالقول ان هذا ما حدث حينما غزا نظام صدام حسين في العراق عام 1990 الكويت فهرب معظم الكويتيين عن ديارهم.

ثم يقول: لو لم يعمل العرب على اقامة دولة فلسطينية في حالة انتصارهم في الحرب عام ،1948 فان وعيا وطنيا كان لا بد ان يظهر بين الفلسطينيين في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وان الانتحاريين الفلسطينيين سيفجرون انفسهم ضد اهداف في مصر وسوريا واقطار اخرى ما دامت اسرائيل غير موجودة.

مقال »جوفي« طويل جدا ويصعب علينا ايراد جميع ما ورد فيه من مزاعم ومغالطات، واكتفينا بابراز بعضها لندلل على دور الاعلام الغربي في تضليل الرأي العام العالمي وتشويه صورة العرب والمسلمين، دون ان يجد اعلاما عربيا وقوميا ولا حتى وطنيا يستطيع التصدي له والرد عليه ودحض طروحاته الخاطئة، علما بأن »جوفي« ناشر وكاتب كبير، ويعمل في معهد »هوفر«، وزميل متميز في معهد الدراسات الدولية، والمعهدان تابعان لجامعة »ستانفورد«، وهي من اشهر الجامعات الاميركية.