كوفي أنان وملف الفساد

 

 

 

بقلم :منير شفيق

 

الشعب الفلسطيني ربما كان من اكثر الشعوب تعاطفاً مع ضحايا النازية من يهود وبولنديين وروس وفرنسيين وأوروبيين عموماً بل وألمان جزئياً. وذلك لتعرضه من قبل دولة «اسرائيل» وجيشها وقيادتها يشبه ما تعرض له، مع الفارق دائماً، ضحايا النازية من يهود وغيرهم. وهذا التعاطف ينبع من المشاركة بالألم والظلم وليس من شعور بالذنب كما يفعل بعض الأوروبيين والأمريكيين، لكنه يرفض ان يدفع هو، بلا ذنب ولا علاقة مباشرة أو غير مباشرة، ثمن «الهولوكست» من وطنه وأرضه وحياته ومستقبله. ولا يستطيع ان يفهم الربط بين الهولوكست وتهجيره من أرضه وإقامة دولة «اسرائيل» عليها بل التعاطف مع الاحتلال الاسرائيلي في ما يقتطعه من الاراضي التي احتلت في حزيران 1967 وما يرتكبه من جرائم حرب بحق الشعب الفلسطيني.

 

ولهذا لا يستطيع ان يفهم كيف يجرؤ أمين عام الأمم المتحدة كوفي انان ان يقول ان «اسرائيل» «نهضت من رماد الهولوكوست» فهو بهذا لا يتعاطف مع ضحايا الهولوكوست فحسب وانما أيضاً يربط بين الهولوكوست وإقامة دولة «اسرائيل» وقد نسي التاريخ تماماً. فمشروع اقامة دولة «اسرائيل» أعلن عنه في 1898 الى قبل النازية وقبل الهولوكوست بعقود، وكذلك وعد بلفور، فكيف يحق لأمين عام الأمم المتحدة ان يقول هذا وتحته ركام من القرارات الدولية التي تكذب هذا التملق الرخيص لامريكا والدولة العبرية من أجل اغلاق الفساد.

 

وزاد كوفي انان الطين بلة عندما تحدث عن ضحايا كمبوديا ورواندا ودارفور وكوسوفو. ووصف ما جرى في تلك المناطق بانها «نماذج رهيبة للانسانية». ولم يذكر ما حل ويحل بالشعب الفلسطيني والشعب العراقي من مآسي ودويلات بسبب ارتكابات الاحتلالين الاسرائيلي والامريكي. وهذا «التجاهل» كان بالطبع من ضمن الثمن الذي توجب على كوفي انان ان يدفعه لاغلاق ملف الفساد الذي راح يلف الانشوطة على رقبته ورقبة ابنه وعدد من اقاربه. وقد بدأ اغلاقه وسترون كيف سيغلق بالكامل. وهذا نموذج للسياسة الامريكية - الصهيونية في عهد ادارة بوش: بفتح ملف الفساد او الاستبداد ابتزازاً لدفع الثمن للدولة العبرية مقابل اغلاقه. وعندما يدفع الثمن يغلق الملف فلا فساد ولا استبداد ولا «شفافية» ولا «حرية» ولا ما يحزنون. ومن يعود فيتخلف عن المطلوب يفتح ملفه من جديد.

 

كان مطلوباً من الأمانة العامة ان تخترع مناسبة مرور ستين عاماً على تحرير معتقل «اوشفيتز» لتحتفل الأمم المتحدة بهذه الذكرى وهي لم تفعل بالمناسبة الاهم في ذكرى الخمسين. لكن الاسوأ في هذا الثمن ما عبر عنه سلفان شالوم وزير خارجية اسرائيل حين اعتبر هذه الخطوة تمثل «تحولاً في دور الأمم المتحدة في الشرق الاوسط». أي الثمن الذي على كوفي انان سيكون متسلسلاً. ولم ينته مع احياء المناسبة ولا مع خطابه.

 

هذه المؤشرات ينبغي للجامعة العربية وللدول العربية والاسلامية ان تتنبه اليها والتحرك بسرعة لوضع حد لانجراف كوفي انان على طريق الانحياز للصهيونية مقابل ابقاء ملف فضائح الفساد المتهم بها مغلقاً. وكيف يسمح ان يحدث هذا في هيئة الأمم التي كانت فيها الدولة العبرية معزولة دائماً ومدانة دائماً.