تحديد النسل بين الوطنية والأخلاق
بقلم :د : يحيى
هاشم حسن فرغل
yehia_hashem@ hotmail .com
http://www.yehia-hashem.netfirms.com
يشيع بعضهم ضمن
أدبيات الدعوة إلى تحديد النسل " أنه لا يريد أن يأكل واقفا " ، في
رمزية ساخرة ضد تكاثر النسل وردا على ذلك
نسوق ما قام به " وريجلي " أحد المتخصصين في الديموجرافية التاريخية
والذي درس حالة بريطانيا في عام 1968الذي نشر كتابه " تاريخ وسكان " حيث
ركز الفصل الأخير منه –- على البحث
الديموجرافي المتعلق ببلده ، وتدل حساباته على أن بريطانيا سوف تصل إلى مرحلة
التشبع السكاني في خلال 470 سنة وذلك انطلاقا من المبدأ القائل بأن المجتمع
الإنساني بصفة عامة يحتاج دائما إلى مساحات أكبر من الأرض كلما ارتفع مستوى
المعيشة : ملاعب الجولف والرياضة والحدائق الخاصة وكثافة السكان على الأرض إلخ ) أنظر
الانفجار السكاني – قضايا الساعة 2 - لروبيرت
لافون – جرامون – ترجمة : نبيه الأصفهاني مراجعة جورج عزيز ، نشر مؤسسة الأهرام – القاهرة
وعلى المستوى العالمي
يشير لافون في كتابه المذكور إلى الحسابات التي أجراها الأستاذ " ماكارولا "
في عام 1968 حيث يذكر : ( أن الأرض مساحاتها 130 مليون كيلو متر مربع ، وبافتراض
أن كل فرد يحتاج إلى 500 متر مربع بالتوزيع التالي : 50 مترا مربعا للسكن و 25
مترا مربعا للحدائق ، و200 متر مربع للزراعة ، [ وإن كانت مساحة 90 مترا مربعا
تكفي لإنتاج السلع الغذائية ] ، والباقي يترك للطبيعة ، فإن الكرة الأرضية تستطيع
أن تستوعب على سطحها 260 مليار نسمة . !! ) ثم يقول لافون ( ومع ذلك فإن الاتجاهات
الحالية لا تسمح بتوقع وصول سكان العالم إلى مثل هذا الرقم أبدا ) ص 77 ،
وإذا كان هذا هو
الموقف بالنسبة لمشكلة عدد السكان مع مساحة الأرض فإن مشكلة إمكاناتها في إنتاج
الطعام" في القمح والذرة " ووفقا (
للتقدم العلمي في المجال الزراعي الذي تولدت عنه " الثورة الخضراء "
تقدم لنا الأرض إمكانيات إيجابية لدرجة تجعلنا لا نستطيع اعتبار التغذية مشكلة في
حد ذاتها على المستوى النظري ، ووفقا لرأي " كولين كلارك " فإن تطبيق
العلوم التكنولوجية الحالية سوف يسمح بتغذية 40 مليار نسمة على حين أننا لم نصل
بعد إلى تعداد 4 مليارات ) [ كتبه منذ أكثر من أربعين عاما ] أنظر الانفجار السكاني لروبيرت لافون – جرامون
–نشر مؤسسة الأهرام – القاهرة ص 131 – 132
و مصداقا لقوله تعالى
( وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) يقدم
مؤلفو كتاب " المائة سنة القادمة "
خلاصة الأفكار التي انتهوا إليها بعد عدة اجتماعات عقدوها سنة 1956 مع كبار
الموظفين التنفيذيين التابعين لثلاثين مؤسسة من المؤسسات الصناعية الأمريكية بقصد
استكشاف مستقبل الموارد الطبيعية للأرض "
وقد جاء فيها : ( إذا استقصينا الحقيقة والواقع فيما يختص بإنتاج الطعام في
العالم فسنجد أن العالم يمدنا بكميات هائلة من الطعام قد تزيد على 150 طنا لكل فرد
في السنة ، في حين أنه لا يحتاج الفرد إلا إلى 03ر% من الطن فقط . ومن هنا حق
القول بأنه لولا الخسائر التي تحدث في المجال الزراعي وسوء استعمال الطعام لكانت
لدينا كميات وفيرة من الطعام ) وهم يرجعون
سوء الاستعمال إلى سوء توزيع المنتج الزراعي بين الإنسان والحيوان والحشرات والجراثيم ، وسوء
استعمال ما يستفاد ومالا يستفاد منه من أجزاء النبات ، كما يرجعه إلى سوء الإنتاج
وسوء التوزيع بين سكان الأرض في المناطق المختلفة " أنظر " المائة سنة
القادمة " تأليف هاريسون براون وآخرين ، ترجمة الدكتور صلاح نامق ونشر مؤسسة
فرانكلين بالقاهرة ونيويورك ، طبع مكتبة النهضة المصرية عام 1961 . ص76 – 81
وهذا يضعنا أمام
تساؤل عن الحقيقة المخفية في الدعوة إلى تحديد النسل وكونها خطة عنصرية ضد سكان
العالم الثالث وطنا وأخلاقا
وهي أي الدعوة إلى تحديد النسل – من هنا ليست من
الوطنية في شيء ، فالذين يتحدثون عنه من خلال خطط هيئة الأمم المتحدة وأبواق
المؤتمرات الدولية ومنها مؤتمر السكان بالقاهرة في سبتمبر 1994 يفضلون أن يتم
إنفاق سبعة عشر مليارا من الدولارات على سياسة الحد من النسل في الدول كثيرة النسل
على أن يوجه منها شيء إلى سياسة التنمية في تلك الدول ، والمضحك في الأمر أن الدول
المتقدمة المستفيدة أساسا من تحجيم سكان الدول النامية لا تمول من هذا المبلغ أكثر
من الثلث ، بينما الضحايا هم الذين يمولون الثلثين .
وتنفضح عدوانية
العالم المتقدم في نظامه الرأسمالي بدعوته إلى تحديد النسل عندما نلاحظ الإحصائية التي تبين تغوله في الحصول على ثمرات الدخل العالمي، حيث أن 15% من سكان الأرض يحصلون على 75 % من الدخل
العالمي بينما أن 85% من سكان العالم يحصلون على 25% من الدخل العالمي . ومن هنا
كان من البديهي أن يتوجه نظام العولمة إلى
تخفيض سكان العالم الثالث ، لا إلى رفع دخولهم ، لتكون الحصيلة النهائية في خزائن
العالم المتقدم وفي صالحهم : لتكون في
صالحهم خفضا لعدد سكان العالم الثالث ، ولتكون في صالحهم خفضا لمستوى المعيشة لدى
سكان العالم الثالث معا.
إن المجتمع الإسلامي
يتوفر له الضمان الإلهي بأرزاق الله الكريم الغني الذي لا تنفد خزائنه ، وهو
بإسلاميته – مجتمع يسوده أخلاقيات العدل ، ويؤمن بالعمل ، ويتحرك ضمن سياسة
إسلامية ، وعلى هذا الأساس فإن التزايد السكاني في المجتمع الإسلامي يصبح له ولا
يحسب عليه . إن الكثرة سبب ضروري للتقدم التنموي ، وإن لم يكن سببا كافيا ، وفي
الحالة الإسلامية بالذات أصبحت الكثرة اليوم هي السلاح في معركة البقاء ، وهي - أي
الكثرة- أصبحت في الحالة الفلسطينية بصفة أخص
السلاح الفعال لتحقيق الحلم الوطني الفلسطيني ، وإن الأمر الذي سيضطر
الصهاينة إلى القبول بالدولة الفلسطينية – بل إلى السعي إليها – هو تكاثر عدد
العرب حتى يهلع اليهود من أن يصيروا قلة في دولتهم ، وهم يحاولون إبعاد ذلك اليوم
بتصدير سياسة المؤتمر السكاني ، وفلسفة مالتوس الزائفة . وللأسف فالبعض منا يروج
لهم هذه البضاعة المغشوشة .
وخصومنا يدركون أهمية
زيادة السكان في بناء الحضارة ، يقول أحد تقارير الأمم المتحدة : ( إن الدول
القابلة لمجاراة الأزمنة المتغيرة في القرن الواحد والعشرين سوف تكون تلك الدول – أو
اتحادات الدول – التي لا يقل تعداد سكانها عن مائة مليون ) ،
والدعوة إلى تحديد النسل تخفي - بطريقة غير أخلاقية - هذه الحقيقة .
ومجمل ما تقدم يعني
أن الدعوة إلى تحديد النسل – على المستوى العام – دعوة إلى تجريد الشعوب النامية
من سلاحها الوحيد الذي زودها الله به لتتوازن مع طغيان القوى الغاشمة . وهذا هو
محور كونها دعوة مغشوشة مبنية على الخداع والنفاق ، فمن ثم هي دعوة لا تتفق مع
الأخلاق بقدر ما أنها لا تتفق مع الوطنية . إذ هي مجرد خديعة تصدرها الأمم
المتقدمة المهددة بتناقص النسل إلى الأمم المتخلفة المسلحة بزيادة النسل لتجردها
بذلك من سلاحها الوحيد الذي تصارع به الفناء الشامل وتلك الأسلحة التي يملكها
أعضاء النادي الذري العالمي .. ووفقا لتقديرات الخبراء فإن سلاح الذرية سوف يكون
هو السلاح ضد سلاح الذرة .
ذلك أن خطر تناقص السكان
في العالم المتقدم يهدد حلف الأطلنطي نفسه ، ففي دراسة أعدها بعض الخبراء
العسكريين عن مستقبل هذا الحلف أن أمامه مشكلة سكانية خطيرة ، ذلك انه أخذ يسحب
قواته أخيرا من بحيرة متناقصة – كما يقولون – إذ يواجه نقصانا في شبان سن التجنيد
، مما اضطر ألمانيا الغربية إلى زيادة مدة التجنيد من 15-18 شهرا ابتداء من العام 1989
، بينما أخذت تستعين بعض الدول الأوربية بتجنيد النساء في الخدمة العاملة .
ولقد جاء في تقدير
بعض الخبراء العسكريين أنه إذا وقعت حرب نووية فإن أربعمائة مليون أمريكي وسوفيتي
سوف يقتلون .
نعم هذا هو الفزع
الأكبر الذي يجعلهم يلتفتون إلى خطورة وضعهم السكاني في مقابل بلايين السكان في
البلاد النامية .
ونحن لا نذهب في هذا
وراء الخيال ، فقد حصلت صحيفة نيويورك تايمز على نسخة من مذكرات جروميكو ، وزير
خارجية الاتحاد السوفيتي السبق يتفق فيها
مع اعتقاد الزعيم الصييني الكبير ماو - كما تقول الصحيفة - بأن الصين يمكنها
الانتصار في حرب نووية حتى لو خسرت 300 مليون نسمة ، لأنه أي ماو كان يؤمن بأن بلاده تقدر على الخروج من الحرب
النووية لتواصل الحرب بالأسلحة التقليدية ، بينما تكون قد قضت على الرأسمالية
الغربية .
ومن هنا يرهب
الأقوياء الذريون سلاح الذرية ، ويرون أنه ليس – كما يظن الكثيرون – أضعف من سلاح
الذرة . ويصبح المستقبل بناء على هذا التحليل للأمة الأكثر عددا . إنه عندما
يتقاتل عمالقة القنبلة الذرية والهدروجينية والمكروبية فمن سوف يرث هذه الحضارة ؟
إنها الأمة التي يظل لها بالرغم من ذلك كله فائض سكاني .
وقد بينت دراسة
تناولت أبعاد هذه القضية منذ عشر سنوات الأخطار التي تهدد الغرب نتيجة تناقص
السكان لديه :
وذلك أن عدد المواليد
في ألمانيا الغربية يتناقص سنويا بمقدار أربعمائة ألف ، وإذا لم ينجح الخبراء في
مواجهة هذا التناقص فإن عدد سكان ألمانيا الحالي الذي بلغ ستين مليونا ، سيتراجع
ليصبح ثمانية وثلاثين مليونا فقط عام 2030 .
وهو يتناقص في فرنسا
بمقدار مائة ألف سنويا ، بينما تشير الحسابات المستقبلية إلى أن عدد من تجاوزت
أعمارهم خمسة وثمانين عاما سوف يتضاعف في المستقبل .
وتقول الأستاذة مها
عبد الفتاح في بابها " قليلا من الدبلوماسية " في جريدة الأخبار :
نحن هنا نبدو مشغولين
بهموم ما يسمى بالانفجار السكاني أوكثرة المواليد وحملات تحديد النسل المسماة
بتنظيم الأسرة ، والتي ينفق عليها وفيها الكثير ..مع أن العالم المتقدم من حولنا
له فيما يختص به وبشعوبه رؤية أخرى ومفهوم مختلف ، فقد نشرت صحيفة ( يو –إس – نيوز
إند وورلد ريبورت ) الأمريكية واسعة
الانتشار سلسلة تحقيقات في عام 1985 حول ما أطلقت عليه " سياسة الإخصاب
وإنتاج الأطفال " عرضت فيه لظاهرة تناقص المواليد عن المعدل المتعارف عليه في
أمريكا وفي أوربا ، وعرضت للأسباب ، وكيفية التغلب عليها …
وانعقدت ندوة أيضا في
واشنطن في نفس العام ، ولذات الأسباب ، وكانت مهمتها أن تكون جرس إنذار يرن وينبه
إلى أن القوى العظمى تحتاج إلى شعوب عظمى أو كبرى من حيث الكم والتعداد ، وعلى حد
ما ذكر في الندوة : أن إمكانات الولايات المتحدة في الحفاظ على قاعدتها الصناعية
والاقتصادية إنما تعتمد على قوة الكم تماما كما تعتمد على إمكانية الكيف ، هذا
وتتطلب ضرورات الحفاظ على الأمن القومي للبلاد
توافر القوة البشرية جنبا إلى جنب مع التكنولوجيا المتقدمة ، فأمة مقدارها
مائتان وخمسون مليونا تستطيع أن تبني غواصات وطائرات وتغزو الفضاء وتهبط إلى القمر
، ولكن الأمم ذات الشعوب المحدودة الكم يكون طموحها بالضرورة محدودا ، ومهما كابرت
تلك الأمم أو حاولت أن تضرب بالكيف النوعي قانون الكثرة العددية .
.. وفي الإحصائيات
الألمانية الغربية ما يفيد أن في عام 1975 قلت نسبة المواليد إلى حد أن زاد عدد
الوفيات على عدد المواليد بحوالي 235 ألف نسمة .
وفي السويد أيضا .. فمنذ
عام 1976 بدأ عدد الوفيات لديها يزداد عن عدد المواليد لأول مرة في تاريخ السويد .
وفي إيطاليا كان معدل
المواليد منذ خمسين عاما 4, 29 في الألف ، وفي عام 1990 صار 2, 10 في الألف .
وفي ألمانيا الغربية
تقول إحصائيات عام 1990 أن الذين يموتون يوميا يصل إلى 1883 شخصا يوميا ، أما عدد المواليد فهو 1749
يوميا ، ومعنى هذا أن عدد سكان ألمانيا الغربية يتناقص بمعدل 143 يوميا
وفي بريطانيا كان عدد
المواليد في الستينات 8, 18 في الألف ، أما في عام 1990 فقد صار 6, 13 في الألف .
أما رومانيا فقد كان
هناك منذ عام 1990 حملة حكومية دعائية واسعة ناشدت الرومانيين " أن يستخدموا
روحهم الوطنية للحفاظ على مستقبل البلاد " وسنت قوانين تمنع الإجهاض .
أما في المجر فقد
انخفض معدل المواليد من 23 في الألف في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى 11
في الألف عام 1984
وتشير الإحصاءات – كما
جاءت في مقال الأستاذ فهمي هويدي – إلى أن سكان الولايات المتحدة كانوا يمثلون 6% من
العالم في سنة 1950 ، وهذه النسبة انخفضت إلى 5% في سنة 1988 ، ومن المتوقع أن
تتراجع إلى 4% في بداية القرن الواحد والعشرين ، ثم تتدهور أكثر وأكثر في سنة 2020
، وليس الأمر مقصورا على الولايات المتحدة ، ولكن أوربا معرضة للمصير ذاته ، فقد
كانت تمثل 15% من سكان العالم في عام 1950 ، ووصلت هذه النسبة إلى 10% في عام 1985
، ومن المتوقع أن تنخفض إلى أقل من 7% في عام 2025 .
وإذا استمرت تلك
المعدلات كما هي فإن شعوب العالم النامي ستصبح هي الكتلة البشرية الأكبر والأعظم
في الكرة الأرضية .
وعلى سبيل المثال فإن
سكان أفريقيا الذين كانوا يمثلون 9, 8 % من سكان العالم في سنة 1950 ، سترتفع
نسبتهم في عام 2025 إلى 20% حسب تقديرات خبراء السكان بالأمم المتحدة .
ومع نهاية القرن
الواحد والعشرين سيكون في مقابل كل فرد أوربي أو أمريكي 18 فردا من أبناء العالم
الثالث .
وإذا رجعنا إلى
الماضي الأبعد قليلا سنجد أنه فيما بين أعوام 1800 و 1940 كان الشغل الشاغل لكل
دولة غربية باستثناء الولايات المتحدة هو زيادة معدل مواليدها وتكبير شعوبها .
ففي عام 1800 لم يكن
شعب فرنسا يزيد على 28 مليونا ، وكان همهم ومثار انشغالهم هو زيادة معدلهم
الديموجرافي – أي السكاني – ليصبح ندا للامبراطورية الروسية . وما بين عامي 1870
إلى 1940 أي خلال سبعين عاما صعد تعداد الشعب فوصل إلى حدود 40 مليونا .. وبعد احتلال
قوات النازي للعاصمة باريس ندب الماريشال بيتان حظ فرنسا بقوله " مواليد أقل
، وأسلحة أقل ، وحلفاء أقل ، هذه هي أسباب هزيمتنا " .
باختصار كان الشغل
الشاغل لكل دولة أوربية فيما بين أعوام 1900 إلى 1940 هو زيادة نسبة مواليدها وبعد
انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت معدلات المواليد في الارتفاع في كل العالم
الغربي عموما ، وبدت في السبعينات وكأنها استقرت أعلى قليلا من معدلها السابق في
الخمسينات ، والستينات ، .. ولكن بدءا من عام 1964 بدأ معدل المواليد في أوربا
والولايات المتحدة يهبط مرة أخرى .. وحدث المثل في المجتمعات الاشتراكية بأوربا
الشرقية
وتبين من الدراسات أن
السبب يرجع إلى تكنولوجيا منع الحمل وتداولها في الأسواق ، والتشريعات بإباحة
الإجهاض ، والنسبة العالية في الطلاق .ويقول خبراء السكان في فرنسا : إذا أخذنا في
الاعتبار أن نسبة الوفيات ستستمر في الانخفاض فإن المصير المحتوم للشعب الفرنسي
سيكون الشيخوخة ، أي مجتمع يسيطر عليه الشيوخ سيطرة كاملة . ذلك أنه ابتداء من عام
2005 سيزداد عدد من تجاوزت أعمارهم ال 70 عاما ، وتتناقص في الوقت نفسه أعداد
الشباب .. بل إن من تجاوزوا ال 85 عاما سيصل عددهم إلى أكثر من مليون .. مقابل 700
ألف فقط الآن ، وسيشكل من تجاوزت أعمارهم ال 60 عاما حوالي ثلث السكان مقابل 18% الآن ، والنتيجة الحتمية هي تناقص أعداد من هم
دون ال 20 عاما ، وازدياد هائل في عدد المتقاعدين ، مما يعني حدوث انقلاب مذهل في
الهرم التقليدي لأعمار السكان في كل بلد ، .. أي التقلص في قاعدة الهرم .
وفي استفتاء أجرته
مؤسسة علمية فرنسية شمل خمسمائة خبير في العلوم الاجتماعية حول آفاق سنة 2005
أجمعوا على أنه لا مفر من حدوث زلزال عنيف في الخريطة السكانية .. بسبب التأثير
المتزايد للمسنين الذين قد يقاومون كل تجديد ، ومن الصعب استبعاد احتمال يبدو
غريبا الآن .. وهو أن يسيطر قانون صراع الأجيال على كافة العوامل المحركة للصراع
الاجتماعي في أوربا وفي بريطانيا أطلقت
الحكومة حملة عام 1990 حذر فيها وزير العمل من انخفاض المواليد ، قائلا : " خلال
التسعينات لن تزيد قوة العمالة في بريطانيا إلا زيادة طفيفة ، ذلك أننا نتحرك صوب
فترة من التغيرات الديموجرافية العميقة "
ولقد أدى ذلك إلى
مشكلة الإعالة بين الأجيال ، إذ يعد كل جيل مسئولا – أدبيا - عن رعاية الجيل الذي
سبقه ، وهنا تذكر الإحصائيات أنه في ألمانيا – عام 1990 – خرج على المعاش 49% من
العمال ، ويقدر الخبراء هناك أنه في عام 2010 ستتصاعد النسبة لتصبح 74% .
وطبقا لدراسة قامت
بها السوق الأوربية المشتركة سيكون 4, 18% من سكان دول السوق في سن المعاش ، ( 65
عاما ) ، أما اليوم فلا تصل هذه النسبة إلى أكثر من 4, 12 % ،
وتقرر الدراسة أنه عندما تصل نسبة أرباب المعاشات إلى 4, 18 % فسيستهلكون 55% من
الموارد الطبية .
وفي رأي عدد من خبراء
السوق أن زيادة نسبة المسنين وتدهور المواليد سيؤدي إلى تدهور الأعمال والتجارة ،
فالمسنون لا يستهلكون كثيرا مثل الشباب ، إنهم لا يشترون سيارة جديدة ، ولا يغيرون
أدواتهم المنزلية ، ولا يعيدون طلاء منازلهم .
وقد أجرت وزارة
الدفاع الأمريكية في عام 1988 سلسلة من الدراسات حول تأثيرات النمو السكاني في
العالم على المصالح الحيوية الأمريكية ، وقد نشرت جامعة جورج تاون هذه الدراسات من
خلال مركزها للدراسات الاستراتيجية ، حذرت فيها من خطورة تناقص قوات حلف الأطلنطي
نتيجة لتراجع معدلات الإنجاب في أوربا وزيادة نسبة المسنين . ومن أهم ما خلصت إليه
الدراسة أن النمو السكاني في العالم يهدد بصورة كارثية المصالح الاستراتيجية
الأمريكية ، وأن جهود ضبط النسل ووقف نمو العالم الثالث ينبغي أن تلقى اهتماما
يعادل ما توجهه الولايات المتحدة لإنتاج الأسلحة الجديدة.
وتواجه أوربا المشكلة
بالتشجيع على زيادة النسل :
وكل من زار فرنسا في الشهور الأخيرة من عام 1986
لاحظ الحملة القومية المركزة لدفع الشعب الفرنسي إلى زيادة الإنجاب .. لافتات كبرى
في كافة مواقع التجمعات ، في الشوارع ، في أنفاق المترو ، في المصانع ، وفي كل
مكان ، تحث و تعلن عن المزايا والحوافز التي تقدمها الحكومة للطفل الثالث والرابع
، حتى بلغ آخر ما وصلت إليه الحوافز مبلغ ألفي فرنك شهريا ، تقدمها الدولة إلى
أسرة الثاني ، أما الرابع فله من المزايا
ما هو أكثر .
ولم تبدأ هذه الحملة
في فرنسا ما بين يوم وليلة ، وإنما في خلال عام 1983 صدر بيان من وزير الشئون
الاجتماعية في الحكومة الاشتراكية السابقة دعا إلى إصدار برنامج عمل جماعي بين دول
المجموعة الأوربية يدعو – جماعيا – شعوبهم إلى زيادة الإنجاب ، وجيسكار ديستان وهو
رئيس للجمهورية طرح مفهومه في أن المجتمع الذي لا يستطيع أن يضمن تجدده بالوفرة
المطلوبة هو مجتمع " محتوم المصير " . والرئيس الفرنسي ميتران طرح هذا
الموضوع ، واعتبره نذير شؤم للغرب . ومسألة زيادة تعداد الشعب الفرنسي تتخطى حواجز
ما بين الحزبين ، وتدخل دائرة الإجماع السياسي ،وتعتبره مشروعا قوميا له جذور.
وقد صدر في فرنسا عام
1986 قانون خفف من القيود التي كانت على الدعم المقدم للأطفال استفادت منه مائة
وستون ألف عائلة جديدة ، وتم منح الوالدين العاملين منحة تصل إلى أربعمائة دولار
شهريا ، حتى عيد الميلاد الثالث ، لكل طفل.
وليست فرنسا وحدها هي
التي توالي مثل هذا الاهتمام الشديد لزيادة معدل مواليدها . وإنما ألمانيا
الاتحادية أيضا : فبدءا من عام 1966 وبعد أن لاحظت حكوماتها أن عدد العائلات التي
تنجب ثلاثة أطفال فما فوق قد هبطت بنسبة الثلثين . بدأت فأوقفت باب الهجرة أمام "
العمال الضيوف "، ورفعت ألمانيا الغربية – سابقا- المنحة المعروفة باسم "
ألكسندر جيلت " – أي منحة الأطفال التي تعطى عند ميلاد طفل ثان – من 736 إلى 858
دولار سنويا . وتأسست هيئة جديدة أطلق عليها اسم " الأم والطفل " وهي
تشبه رعاية الأمومة والطفولة ، وتقدم مساعدة مالية لكل سيدة حامل تصل إلى 368
دولارا شهريا .
ومنذ عام 1986
والعائلات الدانمركية تتلقى منحة مالية تصل إلى 815 دولارا لكل طفل تحت أربعة عشر
عاما .
وفي الاتحاد السوفيتي
– إلى عهد قريب قبل سقوطه – كان الزوجان يمنحان علاوة شهرية تصل إلى ربع المرتب
الشهري ، وذلك لمدة ثلاث سنوات بعد ميلاد طفلهما الأول . وتزيد هذه العلاوة لتصل
إلى 31% من المرتب ، الشهري ، إلى أن يصل الطفل إلى العام السادس .
وتقدم تشكوسلوفاكيا -
إلى عام 1990 – قروضا ذات فائدة منخفضة للمتزوجين الجدد ، وتلغي جزءا من القرض في
أول عيد ميلاد للطفل الأول ، وتلغي جزءا أكبر من القرض في أول عيد ميلاد للطفل
الثاني .
أما ألمانيا الشرقية –
قبل الاتحاد كمباشرة – فتقدم منحة شهرية للطفل الأول ثم منحة أكبر للطفل الثاني ،
وهكذا ..
وهذا التراجع في
المواليد في البلاد " المتقدمة " مرتبط ارتباطا وثيقا بالانحطاط
الأخلاقي ، كما يشهد بذلك روبيرت لافون في مجموعة كتبه ضمن " قضايا الساعة "
التي حرصت مؤسسة الأهرام على ترجمتها إلى العربية وهو يقول : ( هناك عوامل يجب
أخذها في الاعتبار عند دراسة العلاقة بين التحضر والمواليد ، وهناك ملاحظة عن
الحرية الجنسية تفرض نفسها : وهي ظاهرة
بدأت في البلاد الغربية ، ثم انتقلت إلى عدد غير قليل من الدول النامية ، كذلك فإن
الحرية الجنسية ليست مقصورة على البيئة الحضرية ، بل إننا نجد في بلاد لا تسمح
بهذه الظاهرة أن المجتمع بأكمله أخذ يتحمل نتائج تلك الحربة وإن كان بدرجة أقل في
الريف ، هل ننتمي في الواقع إلى مجتمع ينتسب إلى فرويد ؟ الرأي عندي أن الحرية
الجنسية هي أفضل الموانع ضد الإنجاب !! فإن الثقافة الجنسية كما تفهم في أوساط
كثيرة ما هي إلا وسيلة لتفادي المواليد في نطاق الزواج أو خارجه . وبعض السلوك
النمطي في مجتمعنا إنما يفسر بانفصال اللذة عن الإنجاب ، لا من زاوية ما يسمى "
الإنجاب المسئول " ولكن باسم " عبادة الجنس " وفي بريطانيا وفي
الولايات المتحدة والدول الاسكندنافية تتشكل العلاقة بين الجنس والإنجاب في نطاق
مختل الحركات ذات الأهمية الاجتماعية
المتزايدة ، فإلى الحملة من أجل " طفلين فقط " تحت شعار " طفل لي
وطفل لك " أضيفت حملة " المنظمة الوطنية لرفض الإنجاب " وكل من
الحملتين ركزت نشاطها في صورة ضغط ثقافي ، ينعت الأزواج الذين أنجبوا أطفالا كثيرين بأنهم أكثر أنانية وسطحية وعصبية "
عن الأزواج الذين ليس لديهم إلا عدد قليل من الأطفال أو الذين لم ينجبوا إطلاقا . كذلك
فإن حركة تحرير المرأة ليست سوى مظهر لهذا الاتجاه نحو تخفيض معدلات الزواج ! وأخيرا
فإن كثرة حالات الطلاق هي نتائج هذه التيارات الحديثة المرتبطة بمنع العلاقات
المستقرة بين الرجل والمرأة ، وهذه الاتجاهات الحديثة تمثل بالنسبة لملايين
الأشخاص الأساس الرئيسي لمفهوم منع النسل . ) المرجع " الانفجار السكاني "
العدد الثاني من قضايا " الساعة "
نشر مؤسسة الأهرام بإشراف يوسف السباعي ص 84-87
ولا يقتصر هذا الربط –
بين تحديد النسل وتدهور الأخلاق - على
البلاد المتقدمة إذ انتقلت – كما شهد بذلك لافون فيما نقلناه عنه أعلاه – إلى عدد
غير قليل من الدول النامية ، كذلك فإن ما يسميه ( الحرية الجنسية ليست مقصورة على البيئة الحضرية ، بل
إننا نجد في بلاد لا تسمح بهذه الظاهرة أن المجتمع بأكمله أخذ يتحمل نتائج تلك
الحربة وإن كان بدرجة أقل في الريف) وفي هذا السياق نضع ما تعده وزارة العدل
حاليا أخيرا ( 26\1\2005 ) للعرض على مجلس
الشعب من مشروع قانون غير خجول يهدف إلى رفع سن زواج الفتيات من ستة عشر عاما إلى
ثمانية عشر بدعاوى كاذبة عن الصحة ، ومعارضة خجولة من بعض التيارات في المجلس
ومشكلة المشاكل في موضوع تحديد النسل بوجه عام كما قلنا سابقا :
أنك لا يمكنك أن تغير اتجاهات السكان فيها بقرارات تصدر بين يوم وليلة ، بمعنى أنك
بسياسة التحديد إذا وصلت إلى وضع خطر يتناقص فيه عدد السكان بوجه عام حيث تزيد
الوفيات على المواليد فإنك لا تستطيع أن تغير الاتجاهات السكانية التي زرعت بسياسة
تحديد النسل بقرار يدعو المجتمع إلى زيادة النسل ؛ هنا : لقد أفلت الزمام . ومن
هنا فإن كل الحوافز التي وضعت في أوربا لزيادة النسل ولأنها جاءت بعد تجذر الاتجاه
إلى تخفيض النسل لم يكن لها إلا تأثير محدود – كما تقول الدراسة السابقة وهكذا
فضَّل كثير من السياسيين الغربيين – في صدد معالجة الوضع المتفاقم في بلادهم – توجيه
انتباههم إلى الناحية الأخرى من الكرة الأرضية ،إلى الجنوب ، وإلى المناطق
الإسلامية بالذات بحثها على تخفيض النسل ليعود التوازن إلى أوضاعهم السكانية .
وتم تتويج هذا
الاتجاه بعقد المؤتمر الدولي للسكان بالقاهرة في سبتمبر 1994 وهو المؤتمر الذي لا
يزال صالحا للاستعمال في تصريحات القادة حتى اليوم وإلى إشعار آخر