كرنفال سياسي بقرار رئاسي
بقلم :هشام الناصر
تصنيف السلطة الحالية
توقفنا كثيرا عند مقال لأحد المفكرين المصريين وهو من السياسيين المرموقين، الذي نضعه في مصاف
رجالات الحكم والولاية وأرباب السياسة والدراية، عند تصنيفه لرؤساء مصر المحروسة
الثلاث، ناصر والسادات ومبارك، ناعتا الأول بالنمط (النابليوني)، والثاني بالنموذج
الفريد ورجل الدولة العتيد – فهو من طراز خاص وصاحب أكبر رؤية شاملة بعد (محمد علي)
لمعرفته كيفية اللعب بالمتغيرات الدولية والمراهنة علي التطورات الإقليمية، أما
الثالث وهو الحالي فقد نعته بالرجل الذي أعتمد دائما علي الخيار الوطني وراهن علي
مصلحة المواطن العادي (!!).
وقبيل التطرق إلي التعليق علي هذا
التصنيف الحصيف ننوه
بأن هذا الرجل قد سبق له توصيف مصطلح الـ (Crusade)،
الذي ورد مرارا وتكرارا علي لسان الرئيس الأمريكي اليميني الإنجيلي المحافظ (بوش)،
بأنها لا تعني (الحروب الصليبية) بمعناها التقليدي المتعارف عليه (!) بل هي تعني
الجهاد والعمل الجاد في مفهوم الثقافة الأمريكية (!!!!!!).
ورغم أن هذا الاجتهاد في الاستنتاج يتنافى وطوفان المقدمات التي
يراها الضرير قبل البصير في أقوال وأفعال الإدارة الأمريكية، إلا أننا التمسنا له
العذر في زلته وبررنا له سقطته، فلعله مدفوعا بحكم موقعه الحساس لتهدئة الناس،
بتلطيف الأجواء السياسية بطريقة دبلوماسية ولو علي حساب المصداقية والأمانة
العلمية.
أما التعليق علي تصنيفه لرؤساء المحروسة الثلاث فنوجزه في
الآتي:
أولا: بالنسبة للنعت (النابليوني) الذي أطلقه علي جمال عبد
الناصر، فحقيقة الأمر أنه قد التبس علينا الأمر، هل يقصد نابليوني من نبيل (Nobel)
أم من نابليون (Napoleon) ؟؟ - فالأولي تعني خلق الفرسان العرب
القدامى والتي تم تحويرها إلي أخلاقيات الفرسان النبلاء في القرون الوسطي، وسواء
هذا أو ذاك فالمثقفون الموغلون في التاريخ يرجعونها إلي الأبطال الأسطوريين في
الثقافة الهيلينية (الإغريقية). أما الثانية فلا يوجد في قاموس المصطلح السياسي أو
الاجتماعي ما ينسب إلي (نابليون) كأسم ولكن هناك ما يسمي (بالبونابرتية) كمصطلح
متداول.
وعموما فأن الحقبة الناصرية تُنعت كثيرا بهذا المصطلح، ويعنون
به (الحكم البونابرتي)، أي الحكم بأسم نظام (العدالة الاجتماعية) بواسطة رجالات
الدولة أنفسهم كأوصياء علي الشعب الذي لا يملك قدرا كافيا من حرية الممارسة
السياسية. وهو توصيف أقرب للصحة ونقر به غير غافلين لطبيعة المرحلة الحرجة التي
كانت تمر بها الثورة الوليدة، وغير مبررين أيضا للتجاوزات والانتهاكات، خاصة في
الفترة من عام 1952 إلي عام 1967. وكانت تلك الحقبة، كما شبهها البعض، كمن كان
يحمل بذرة فناءه في داخل أحشاءه (!!)، والتي كانت محصلتها الطبيعية هي إفراز الحقبة
الساداتية بعملية ولادة قيصرية.
ثانيا: بالنسبة للسادات وتصويره بتلك السمات العبقرية (رجل
الدولة – صاحب الرؤية الشاملة – اللعب علي المتغيرات الدولية – الرهان علي
التطورات الإقليمية - .. الخ)، فهي في نظرنا، واستنادا علي ما فعله السادات، لا
تعني إلا أن صاحب المقال (برجماتي ميكيافيللي) أولا، ومن المنتمين لشريحة
المنتفعين بانهيار الهرم الاجتماعي المصري (أبان حقبة السادات) ثانيا. ومن يدري
فلعله رأي ما لم نراه، ولم يعاني ما عانيناه.
والأمثلة كثيرة ينوء بها مقال واحد لسرد (التاريخ الأسود)
لتلك الحقبة، والتي ما زلنا نعيش آثارها الإقليمية والقومية والعالمية إلي الآن.
ولعل من الأفضل أن نحيله لمجموعة كتب هيكل، إن كان مازال يقرأ، وهي ثلاثية
(المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل)، خاصة الجزء الثاني و الجزء الثالث – وكذا إلي
كتابي (خريف الغضب) و (حديث المبادرة)، ومذكرات إسماعيل فهمي ومذكرات محمد إبراهيم
كامل ومذكرات الفريق الشاذلي عن حرب أكتوبر.
أو لعل من الأفضل أن نحيله إلي التقرير الإستراتيجي للأهرام
الصادر في عام 1982 والذي أوضح مديونية الدولة المصرية في حقبات ثلاث: 51/52 –
70/71 – 80/81 – في إسقاط واضح علي فترات ما قبل الحكم الجديد لمبارك، والتي رأينا
فيها كيف تحول الدين من 1.3 مليار دولار عند بداية عهد السادات السعيد إلي
(إجمالي) ما يربو عن 77 مليار في نهاية حكمه (المعلن هو 44 مليار) – ذهب معظمها
إلي صالح حكم الطبقة (الأوليجاركية) المالية التي نشأت من تحالفات رجالات الدولة
والفئة الطفيلية من رجالات المال والأعمال.
ثالثا: بالنسبة لحقبة مبارك، فمن المعروف أنها قد أتت في ظروف
درامية مثيرة، في أعقاب حادث المنصة الشهير، ولم ينتظر مبارك فترة الستين يوما،
المنصوص عليها بالدستور، بل سارع إلي تولي المنصب بإيحاء ماكر من السيد نبوي
إسماعيل (وزير الداخلية) والذي كان يطمح ويطمع في استمرارية تقلد الوزارة
السيادية، بالرغم من اعتراض السيد كمال حسن علي (وزير الدفاع الأسبق ووزير
الخارجية)، والأهم أن هذا التنصيب جاء في غيبة النخبة المصرية (جميعها)، الذين زج
بهم السادات في المعتقلات في أحداث سبتمبر المصري الأسود عام 1981.
حاول مبارك أن يعطي لنفسه شخصية مستقلة عن سابقيه، تمثلت في
إجابته علي سؤال صحفي << أسمي محمد حسني مبارك>>، ولكنه كان مكبلا
بمعاهدات دولية ومحاطا بمنظومة مالية نفعية مدعومة بقوي خارجية (منظورة وخفية) وهو
الأمر الذي أدي لأن يكون نسخة مٌحدثة من سابقه. ومما زاد الطين بله هو أسرة فخامة
الرئيس ذاتها (!!)، فقد أستمر منصب (السيدة الأولي) الذي استحدثته (جيهان
السادات)، واستمرت فخامة عقيلة فخامة الرئيس (!!) في القيام بأنشطة وأعمال يبدو
فيها الوزراء وكأنهم تحت رئاستها ورهن إشارتها، وبدون أي مرجعية قانونية أو صلاحيات
دستورية، أضيف إلي ذلك نشاط (مال وأعمال) ونشاط (سياسي) لنجليه لم يحاول فخامة
الرئيس تجنب ما دار حولهما.
وجاءت الطامة الكبرى في تشكيل الوزارة الأخيرة التي أعقبت
وعكة الرئيس الصحية، تلك الوزارة التي ظهرت فيها بصمات نجله السياسي مصحوبة
بأقاويل (لا تخلو من حقائق) عن إعداده لتولي رئاسة البلاد أسوة بما حدث في سوريا
(وليس المغرب أو الأردن) كمثال.
ومن الأفعال الأخرى التي تؤخذ علي حكم مبارك هو استمرارية
عملية (تصفية القطاع العام المصري)، الذي تحمل مسئولية التنمية الوطنية في
الستينات، تلك التصفية التي بدأها (الدكتور عاطف صدقي – المتوفي حديثا) وكان
مهندسها ومنفذها هو الدكتور (عاطف عبيد) الذي تولي رئاسة الوزارة لاحقا.
وكمعلومة اعتراضية نقول .. أن الثمن الإجمالي لبيع القطاع
العام الحكومي يقل عن ما تم نهبه من بنوك الدولة الرسمية، وهي مجموعة المليارات
التي تم اقترضها ولم يتم ردها – أي أن القطاع العام راح خلس وبثمن بخس – وسبحان من
له الدوام (!!).
تلك التصفية التي كانت أشبه بالإصلاح الليبرالي العبثي الذي
قاده الرئيس السكير (يلستن) في روسيا - والذي وصفه الكاتب (بيير
بيرنيس)،
في كتابه المتميز (القرن الحادي والعشرون لن يكون قرنا أميركيا). وهو بالمناسبة
كان مسئولا للشئون الخارجية للبرلمان الفرنسي وسبق عمله كمراسل لصحيفة (اللوموند)
في أفريقيا لربع قرن من الزمان، بالآتي:
<<
تم تنفيذ سياسة (الخصخصة) أي تحويل التراث الصناعي والمالي للدولة إلى بضع مئات من
أصحاب النفوذ والامتيازات الخاصة القدماء (من رجالات الدولة) مثل رئيس الوزراء الذي
آلت إليه ملكية واحد من أكبر الاتحادات الصناعية في البلاد العاملة في قطاع
المحروقات الاستراتيجي (الجازبروم) الذي لم يكن فيه سوى مديرا مأجورا وبدون أن
يدفع شيئا. وبذلك تحول بين عشية وضحاها إلى رجل ثري، فقد أحدثت هذه (التحولات
البنيوية) المطهرة كما يقال في المصطلحات الجديدة من قبل المؤسسات المالية الدولية
انخفاضاً هائلاً في الإنتاج وتضخماً كبيرا صورت علي أنها إصلاحات ذات أهمية عملية
ولكن دون تأثير على (تكافؤات الصرف). بذلك أصبح الملايين من الناس عاطلين عن العمل
وتعرّض الملايين من المدّخرين للإفلاس الذي تعرضت له الدولة برمتها أيضاً. ناهيك
عن الاختلاسات والتبذير والتبديد، بحيث باتت الدولة عاجزة على الالتزام بمعظم
تعهداتها بما في ذلك واجباتها السيادية مثل صيانة جيشها. رويداً رويداً أصبح
الاقتصاد الروسي هرماً ضخماً من السندات غير المدفوعة فبات بذلك أكثر فأكثر تعرضاً
للانهيار>>
وما أشبه ما حدث في روسيا يلستن بما حدث في مصر السادات
ومبارك (!!!!)
واستعرضا لبعض الأقوال التي تصف الحال وسوء المآل، نتناول ما
قاله هيكل (محاضرة في الجامعة الأمريكية - أكتوبر 2002) عن انتهاك المال العام
المصري بقوله: <<انه جرى عدوان متوحش على
حُرمة المال العام، وفاحش على أمانة النظام المصرفي، وهذا العدوان المزدوج أهدر
الحقوق واستباح القيم، وألحق أشد الضرر بالاقتصاد الوطني، فضلاً عن تأثيره على
الضامن الأخلاقي والقانوني لهذا الاقتصاد الوطني ولغيره من شئون المجتمع>>.
وكما قال عن انحسار الدور
المصري <<إن هناك بينات تشير إلى أن الدور الثقافي المصري يتراجع، وذلك مثير
للشجن، فقد كان لمصر دائماً، حتى بغير العنصر السياسي وأدائه، إسهام ثقافي خلاق
وملهم لم تشحب أنواره >>.
إضافة إلي ذلك فأن الدور الذي لعبته وزارة (عاطف عبيد) في
تخفيض عملة الجنية المصري من حوالي الثلث دولار (0.3) إلي السدس دولار (0.16)،
يعتبر (أكبر عملية نصب في التاريخ علي المواطن المصري) – فالحكومة مديونة داخليا
لشعبها (السندات – التأمينات – المعاشات - المدخرات بالجنية) بما يقارب من 700
مليار جنية مصري – أي ما يعادل حوالي 233 مليار دولار أمريكي (كوحدة نقد عالمية
قياسية) – وبانخفاض قيمة الجنية أمام الدولار انخفض بالتالي الدين الداخلي إلي
حوالي 117 مليار دولار، أي بحوالي 50%. وهذا الانخفاض الذي تباهت به الحكومة
كإنجاز من إنجازاتها هو في الواقع وعلي الطرف الأخر انخفاضا في قيمة مدخرات
المواطن المصري بنفس النسبة (!!) – بمعني أن كل من كان له 3000 الآف جنية مدخرات
كمثال، تحولت قيمتها الفعلية من 1000 دولار إلي 500 دولار (!!!) – بمعني أخر أنه
بدلا من أن يكون دائنا للحكومة بما قيمته 1000 دولار، فقد تحول هذا الدين (بشغل
الجلا جلا) إلي ما قيمته 500 دولار – أي كسبت الحكومة الضعف – وخسر المواطن النصف
(!).
ومن المخالفات الخطيرة الأخرى في حقبة مبارك هو ما يجري في
ملف المياه المصري، ذلك الملف الذي حاول السادات اللعب به رغم خطورته في مقامراته
السياسية أثناء محادثات السلام، وأشار به أكثر من مرة (كجزرة) للحصول علي تنازلات
من (مناحم بيجن)، رغم المشاكل المتصاعدة التي تثيرها دول حوض النيل – والتي سبق
حديثنا عنها في مجموعة مقالات عن ملف المياه المصرية.
وجاءت حقبة مبارك لتنفذ أشياء خفية غير مرئية يبدو أنه قد تم
الاتفاق عليها في بنود سرية – من بينها كمثال التقاعس الغير مبرر عن بناء مجموعة
السدود التي تحجز مياه السيول في سيناء وتركها تتسرب إلي إسرائيل (!!!!!!!!!) بحجج
واهية منها نقص الإمكانيات (!!!!) – وفي الوقت نفسه تقوم بمد ترعة السلام لهدف
ظاهري هو تنمية جزء من سيناء ويبدو أنه تعويض لأهالي سيناء عن كمية المياه
المتسللة إلي الكيان الصهيوني (!!!!).
الكلام يطول ويطول عن حقبة مبارك – وهو يحتاج لكتاب وليس
لمقال – ونختتم هذا الجزء في النقاط الآتية:
1 – أخطأ هيكل عندما كان يتحدث عن (الهوية المصرية) في حقبة
مبارك، عندما قال <<إن الهوية بدت في عديد
من الأحيان ملتبسة، فلا هي وطنية تلزم حدودها، ولا هي قومية تحمل مسئوليتها>>.
فنظرة إلي شعار الفضائيات المصرية (المركب الفرعوني بداخله الهرم الحجري) ينهي
التباس هيكل.
2 – هناك الكثير من التشابه بين
المنظومة المصرية ومثيلتها السوفيتية، منها التحول الليبرالي – الاقتصادي
والسياسي، ومنها الأهم هو سيطرة الفرد الواحد علي مقاليد الحكم من المهد إلي
اللحد، وننوه بأن الانهيار الحاد للقطب العالمي الثاني (سابقا) جاء داخليا وليس
خارجيا، لأسباب عديدة من بينها استمرارية (برجينيف) في الرئاسة إلي درجة الخرف، ثم
جاء العجوز (أندربوف) ومن بعده (تشيرنينكو) وهم غير قادرين علي الإدارة والإصلاح
للمرض ولقصر المدة نتيجة الوفاة، ثم جاء (جورباتشوف) من الصفوف الخلفية وبدون
تأهيل كاف أو شخصية ليقوم بمحاولات إصلاح سياسي عبثي انتهت بفنائه الشخصي وزوال
الكيان السوفيتي.
والقصد أن السيد الرئيس (أطال الله بقائه) في السابعة
والسبعين، ويطمح في تولي رئاسة خامسة للبلاد تنقله إلي العقد الثامن (!!) وبدون
وجود صف قيادي ثاني، وبدون أدني شك أن ذلك كان متعمدا (!!!!!!) لغرض في نفس يعقوب
(!!!!!) – وهو الأمر الذي ينبئ باحتمالات ثلاث:
أ – نوايا التخطيط (بعيد
المدى) لإرث رئاسي عائلي – يضمن مصالح الأسرة الحاكمة ويحقق لها الابتعاد عن
الحساب (المتوقع) في ولاية أخري لرئيس أخر – كما حدث في عهد مبارك نفسه من محاسبته
لرموز السادات وقططه السمان.
ب – أن يقفز العسكريون علي السلطة ثانية بدعوى أنهم وحدهم
القادرون على تفهم متطلبات الأمن القومي المصري ولأن الوضع الإقليمي يبرر استمرار
سيطرة المؤسسة العسكرية على السلطة، فهناك حروب في المنطقة من العراق إلى السودان وهناك
الصراع المستمر بين الفلسطينيين وإسرائيل وهناك (الفزاعة) العالمية الشهيرة
المسماة بالإرهاب.
ج – أن يأتي (في غفلة من الزمن) رئيس جديد من عباءة أو قل
مجموعة جمال مبارك، أو من مجموعة المارينيز السياسيين الجدد (!!)، وينتهي بنا
المطاف لنكسة جورباتشوفية أخري.
وأخيرا نقول .... إنه إذا كانت الحقبة الناصرية توصف بالبونابرتية –
فأن حقبة السادات قد أعادت مصر المحروسة إلي عصر (لويس السادس عشر) والملكة (ماري
أنطوانيت) – أما عصر مبارك فلم يصل إلي
عصر ديجول أو ميتران أو شيراك (!)، بل ظل علي كرسي (لويس) ولكنه ظل يخطب في الرعية
بلغة (نابليون) الإصلاحية
********************
كرنفال سياسي بقرار رئاسي
لم نهتم كثيرا بقرار السيد رئيس الجمهورية بإعلان منحته
السامية للشعب المصري ذي الأصل الفرعوني الذي أندثر أثره وإنمحا جذره منذ القرن
السابع قبل الميلاد (علي يد الفرس فالإغريق فالبطالمة فالرومان فالبيزنطيين) حتى
أنعم الله عليه بعطية العقيدة الإسلامية والهوية العربية التي نمت وتعايشت مع
الفروع القبطية التي تطور كثيرها وبقي قليلها ولكن الكل بقي جسدا واحدا يسبح لله
الواحد الأحد في صلوات مساجده وترانيم كنائسه.
هذا القرار المتمثل فى موافقة فخامته وتكرم سيادته علي تعديل
المادة 76 من الدستور ليكون تولي الرئاسة بالانتخاب بين أكثر من مرشح وليس باستفتاء
علي شخص وحيد، عتيد فريد، يختاره البرلمان المقصور من ساكني القصور ليحكم الشعب
المقهور ساكني العشش والقبور. هذا القرار الذي شبهه أحد الإعلاميين من جوقة
المنافقين بأنه << وجبة خير قدمها الرئيس للشعب فلا تساءلون عليها
!!!>>.
لم نهتم كثيرا رغم أننا توقعنا ذلك فى مقالنا السابق وقبل صدور
القرار بأيام – حيث قلنا: <<إن هناك اقتراحا ثوريا جذريا بقيام قوي المعارضة
الوطنية بترشيح رئيس للجمهورية ونائب له والقيام بمحاكاة المظاهرات البرتقالية
الأوكرانية أو مظاهرات المعارضة اللبنانية لإجبار النظام الحاكم علي قبول هذا
الترشيح والاستماع لبرنامجه الانتخابي أمام الجماهير وإدخاله كمنافس أمام الرئيس
الحالي فى انتخاب وليس فى استفتاء، وهو الأمر الذي يستلزم تعديلا سريعا بالدستور،
ثم أردفنا القول بأن هذا الاقتراح ثوري جذري، وهو متوقع الحدوث>>.
المهم .. هو أن ما توقعناه قد حدث بالفعل وبغض النظر عن طريقة
حدوثه فتلك قصة أخري (!!).
لم نهتم بهذا القرار الذي شبهه البعض بقرار تأميم قناة السويس
للزعيم العربي المصري جمال عبد الناصر، وقرار زيارة القدس للرئيس الأسبق السادات،
وشتان بين القرارين. بل أن هناك من ذهب بالقول بأنها المرة الوحيدة فى التاريخ
التي يُسمح فيها للشعب بممارسة حقه الطبيعي فى انتخاب أعلي سلطة رئاسية للبلاد – وباعتبار
أن انتخابات العهد الملكي كانت علي مستوي الوزارة وتحت هيمنة السلطة الملكية لأسرة
محمد علي الأبوية.
وتعليقا علي النقطة الأخيرة – كنقطة اعتراضية – أزيد فى
الإيضاح بالقول أن حقيقة الأمر هي أن البرلمان المصري لم يشارك فعليا فى حكم
البلاد إلا لمدة تسع سنوات فقط، خلال الفترة من 1924 إلى 1952، أما فى الفترات
الباقية فقد انفردت سلطة الاحتلال البريطاني (رغم الاستقلال الصوري لمصر عام 1922)
وجلالة ملك البلاد بمقاليد الأمور عن طريق برلمانات جاءت بها انتخابات زائفة مزورة
و بتآمر مباشر من جانب القصر. وعلى ذلك فأن الوزارات والبرلمانات لم تساهم فعليا فى
الحكم إلا فى السنوات التسعة المتفرقة التي شكل فيها حزب الوفد الوزارة. وكان
الوفد يخرج من الوزارة مطرودًا فى كل مرة، وكانت أطول فترة حكم فيها هي تلك التي
فرضه فيها الاحتلال على الملك فى حادث 4 فبراير 1942. ليس هذا فحسب، بل وكان كثيرا
ما يقوم الوفد بانتهاك الشرعية وهو فى الحكم، فيعتقل خصومه ويفصلهم، كما أنه فى
عهد وزارته الأخيرة (عام 1950) تم ضرب المظاهرات الشعبية السلمية بالرصاص وهو
الأمر الذي تسبب فى إسقاطه.
ونعود للحديث ونقول .. نعم لم نهتم كثيرا بهذا القرار
(الديكوري)، الصادر لغرض (خارجي) وليس لإصلاح داخلي !!، وهو الذي (باليقين) سيفقد
مضمونه ومحتواه عند تشكيلة وصياغته من قبل (ورش) العمل الحكومية وأسطوات
البيروقراطية، فحتى لو كان هناك من يتسم بالطهارة والنقاء فستلوثه وتحكمه وتجبره
ترسانة مواد الدستور الأخرى المشبوهة، إضافة إلي ثقافة السلطة (الأوليجاركية)
المالية النفعية الحاكمة المسيطرة.
الكرنفال السياسي الصاخب الذي صاحب صدور القرار، من قبل
رجالات السلطة نفسها ومن مجموعة النخبة المستأنسة ومن ثلة الحزيبات (تصغير حزب)
المستقطبة كالوفد والتجمع، وهما حزبان نقيضان متضادان أولهما يميني ليبرالي
والثاني اشتراكي مادي جدلي (!) لايجمعهما إلا (العلمانية) والعداء (للجماعات
الإسلامية) – والأهم – هو سمة البرجماتية الميكيافلية لنيل بعض من فتات السلطة.
هذا الكرنفال الذي أمتلئت به الفضائيات والصحف والمجلات هو الدليل علي الهدف
الديكوري لقرار الرئاسة المصرية.
نقول .. لم نهتم بهذا القرار لأن الهموم أكبر من ذلك بكثير،
فالعالم العربي، والديار المصرية منه وفيه، يعيش فى أزمة حقيقية، أزمة صنعتها
تراكمات من سياسات، قليلها بفعل خارجي وكثيرها من جهل ذاتي وطمع داخلي. وهذه
الأزمة (Crisis) فى طريقها لأن تكون نكبة (Disaster)
!! – والفارق كبير بين المصطلحين – والأنكد والأبكي ... أنهم يعلمون (!!).
إنها حقيقة يقينية لا يغفلها إلا من أفقده الله بصره أو أغشته
البصيرة. وإذا كان هيكل قد أجمل الموقف فى توقعه لعام 2005 بأنه سيكون (عام فزع)
للمنطقة العربية ككل.
وكما قال أيضا في حديث لأحدي الصحف (البيان الإماراتي):
<<أنا أخشى على هذا البلد من سيناريو الثورة، وأضع عيني باستمرار على بديل
أستطيع أن أطمئن إليه، ولم أستبعد بدائل، ولكني أحكي عن وسيلة للانتقال عن سيناريو
الثورة، نحن لسنا بحاجة لأحد يقول لنا انتظر المجهول، لا أريد ثورات أو انقلابات،
ولا هذا الزمن زمن ثورات أو انقلابات، لكنه زمن جماهير
تستطيع أن تعطي وتضغط وتجعل قيادتها تنصت إليها>>.
فأن يحيي الجمل (فقيه القانون الدستوري) كان أكثر تحديدا، بإظهار
خوفه علي مصر من فوضي دموية وبأنه (يشعر بالخوف علي أولاده وأحفاده لأن الصورة
الحالية اغلب جوانبها مؤلم ومخيف).
وفى مقالنا السابق تم رصد مجموعة التحولات والتغيرات التي
تدور فى الشارع المصري واستعراض سماتها العامة التي أستخلصنا منها حقيقة وجود
(أزمة) فى النظام المصري، كما تم عرض توقع لمجموعة احتمالات تصور كيفية تعامل
الحكومة المصرية مع تلك الأزمة، استنادا علي تركيبة النظام وسوابق أعماله، والتي
نعيد تلخيصها كالآتي:
1 – إنهاء
و تدمير حالة الأزمة بالقوة.
2 - تدمير
الأزمة ذاتيا وتفجيرها من داخلها أو تفريغها من مضمونها أو التحايل لتفتيتها.
3- افتعال
أزمة مضادة تقضي علي الأزمة الأصلية.
4 - احتواء
الأزمة بوضع حلول وقتية مزيفة أو وهمية.
وعلي القارئ الواعي أن يختار نقطة أو أكثر من النقاط الأربعة
السابقة لتصور التجسيد الحقيقي لقرار السلطة الرئاسية فى كيفية إدارة الأزمة
المصرية (!!!).