أصوات أمريكية صهيونية تعلو في لبنان

ذهب عن بالهم أن إخراج سوريا سيكون مقدمة لدخول أمريكا وإسرائيل

 

 

بقلم :  نافذ أبو يعقوب

 

منذ فترة بدأت تتعالى أصوات بعض أقطاب المعارضة اللبنانية وبالذات صوت الرئيس السابق أمين الجميل، الذي ركب الموجة الأمريكية الصهيونية التي تجتاح العالم العربي بعد سقوط بغداد وحصار دمشق واستسلام بقية الدول العربية للواقع الصعب وللضغوط الأمريكية والدولية. وقد استغل الجميل ومثله العديد من أقطاب المعارضة اللبنانية التي تبدل تحالفاتها كما "جرابات" زعمائها اغتيال الرئيس رفيق الحريري لشن حملة تبييض وجه عملاء إسرائيل في لبنان وللهجوم على سوريا ورئيسها ومواقفها القومية. ولم تأت تلك الحملة المنسقة والمنظمة ضد الحكم اللبناني والنظام السوري من فراغ، بل هي تسير بشكل منتظم مع ضغط أمريكي فرنسي وترتبط بتغييرات أعدتها الإدارة الأمريكية للمنطقة العربية.

للذين لا يعرفون تاريخ آل الرئيس أمين الجميل فأن هؤلاء تحالفوا مع الصهاينة علنا وعلى المكشوف، وهؤلاء مسئولون عن مجازر المخيمات الفلسطينية (تل الزعتر جسر الباشا، ضبية وبرج حمود) والأحياء الفقيرة في بيروت الشرقية وجبل لبنان (الكرنتينا و النبعة) إبان الحرب الأهلية اللبنانية،حيث قتل واغتصب وعذب وذبح آلاف الفلسطينيين واللبنانيين من الأبرياء والمدنيين والسكان المحليين، بالإضافة للمناوئين والمعارضين للنهج الكتائبي الانعزالي في لبنان، وكان الذبح يتم على الحواجز الكتائبية لمجرد أن الضحية من اللاجئين الفلسطينيين أو من المسلمين أو القوميين واليساريين اللبنانيين.

 

أمين الجميل هو ابن العائلة اللبنانية المارونية التي أسست وقادت حزب الكتائب اللبناني ذو الميول العنصرية، والذي شن حربا قذرة على الفلسطينيين واللبنانيين القوميين واليساريين والمسلمين ومن ثم على السوريين في لبنان، وقد تحالف الحزب المذكور الذي هيمن على القوات اللبنانية الانعزالية مع الصهاينة علناً وقاتل الى جانبهم في معاركهم العدوانية في لبنان. وارتكب عشرات المجازر وعمليات القتل العشوائي والتصفيات على الهوية. وقد عرف عن الشقيق الأصغر للرئيس السابق أمين الجميل عنصريته ضد العروبة و الفلسطينيين والمسلمين واليساريين اللبنانيين، وكان بشير الجميل يعتبر الطفل المدلل لمناحيم بيغن وارييل شارون ، وقد حرص الصهاينة على تتويجه رئيساً للبنانهم الذي احتلوه عام 1982. ثم تم إحضاره على ظهر دبابة إسرائيلية ليتوج رئيسا للبنان نفس صيف تلك السنة. لكنه قتل قبل تتويجه رسميا بأيام قليلة في عملية لازالت غامضة ومجهولة. وعلى اثرها قام عناصر من حزب الكتائب والقوات اللبنانية وجيش العميل سعد حداد وهو نفس جيش العميل انطون لحد لاحقاً،بدعم وتغطية ومشاركة إسرائيلية ومراقبة من شارون نفسه، بارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا التي أودت بحياة آلاف الفلسطينيين واللبنانيين.ولقد استفاد آل الجميل وأتباعهم من عفو اتفاق الطائف، الذي ابتغى القفز بلبنان فوق سنوات الحرب الأهلية المدمرة، فَجَبَ ما كان قبله.

 

يلمس المراقب هذه الأيام عودة سياسية مشبوهة للرئيس السابق أمين الجميل الذي فقد كما عائلته كذلك مكانته وشعبيته وحزب العائلة. حيث لحزب الكتائب هذه الأيام مواقف مغايرة لمواقف الجميل..هذا و هناك انسجام بين مواقف أمين الجميل وميشيل عون في منفاه الباريسي ووليد جنبلاط في جبل العرب. بالنسبة للزعيم الدرزي الاشتراكي وليد جنبلاط فمعروف عنه تهوره وتسرعه في اتخاذ المواقف عكس والده الشهيد كمال جنبلاط الزعيم والقائد والفيلسوف والسياسي العربي الكبير،فقد انقلب وليد بيك للأسف الشديد رأساً على عقب ضد سوريا التي كان هو نفسه احد أهم حلفائها في لبنان، حيث قاتل معها جنبا إلى جنب ضد حلفاء اليوم،الجميل وعون وأمريكا،ويعتبر التحول الدراماتيكي في مواقف جنبلاط انقلاباً حاداً ضد سوريا.ولا يوجد أي تفسير معقول لمواقف السيد وليد جنبلاط باستثناء أنها أيضاً ركوب للموجة الأمريكية التي تجتاح البلاد العربية.

 

بالرغم من أن تلك المواقف لا تعبر بالضرورة عن رأي الأكثرية في الشارع اللبناني، كما أنها مواقف لمعارضة لا يجمع بينها الآن سوى الكره والحقد على سوريا ومن هم في حلفها اللبناني،إلا أنها بدأت تؤثر على الحياة والسلم والديمقراطية في لبنان، حيث أنها أجبرت حكومة كرامي على الاستقالة مما يعني دخول لبنان في دوامة جديدة من نوعية الدوامات التي كانت تعصف به في زمن الحرب الأهلية. ونستطيع القول أن تصريحات أقطاب تلك المعارضة قد تكون من الأسباب التي عجلت باغتيال الحريري، فالرجل لم يكن محسوباً على عون و الجميل وجنبلاط ومن معهم، بل كان صاحب موقف ومركز قوة لا يستهان به في لبنان، مما يعني أنهم هم كانوا يتسلحون به ويسندون ظهرهم إليه، وهذا قد يكون من الأسباب التي دفعت بقاتلي الحريري في تحديده واختياره هو للتصفية كمدخل لتصفية سوريا والحكم اللبناني والمقاومة اللبنانية والفصائل الفلسطينية هناك، ومن ثم فرض التوطين أو التهجير للتوطين في غير لبنان على اللاجئين الفلسطينيين.

 

تلك المواقف التي أطلقها ويطلقها كل من جنبلاط والجميل وعون ومروان حمادة وسمير فرنجية ومن معهم لا بد أنها ستساعد الأمريكان في ضرب سوريا وضم لبنان إلى إسطبل السلام الصهيوني. خاصة أن نار الفتنة في لبنان تستعر يومياً. وما تظاهرات الأمس في بيروت سوى مقدمة لفتنة أكبر تعطي الذريعة لأمريكا كي تتدخل هي وفرنسا وإسرائيل في لبنان وكي تضرب المقاومة اللبنانية وتقوم بعدوان شامل ينتهي باحتلال سوريا كما حصل مع العراق. فتصريحات وأعمال المعارضة اللبنانية بعد اغتيال الحريري تصب في تلك الجهة و تؤكد نظرية تلك المؤامرة المبرمجة أمريكياً وصهيونياً.

 

ان الرأي العام اللبناني ليس بأكثريته الساحقة مع الارتهان لأمريكا وفرنسا، خاصة أن قسماً منه كان في الماضي قد تذوق طعم التحالف مع إسرائيل، وبالذات في عهد بيار وبشير الجميل، وهما والد وشقيق الرئيس اللبناني السابق أمين الجميل، الذي بدأ يدافع علناً عن عملاء جيش لحد ويقول بأنهم ليسوا عملاء لإسرائيل، وأكثر من ذلك فقد برر عمالتهم وخيانتهم للوطن وارتزاقهم في جيش العملاء أللحدي الصهيوني. والغريب أن الذي يبرر للخونة والعملاء خيانتهم وعمالتهم يطالب بانسحاب سوريا من لبنان ويتهم الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها وأجهزتها بالارتهان للقرار السوري. وابعد من ذلك فقد حمل الجميل سوريا مسئولية الاغتيالات التي شهدتها الأراضي اللبنانية، مثل اغتيال الرئيس رينيه معوض والقضاة الأربعة في صيدا ومحاولة اغتيال النائب مروان حمادة واغتيال الرئيس الحريري.

 

لقد جرب معظم هؤلاء الذي يرفعون اليوم أصواتهم عاليا بغية كسب الود الأمريكي والإسرائيلي، الارتهان سابقا لإسرائيل.. وجربوا أيضاً الهروب بلبنان من محيطه وعروبته، ومن الواقع الذي يقول بأن لبنان لا يمكن أن يكون إلا بلداً عربياً، وجرب بعضهم التحالف مع إسرائيل علناً، لكنهم فشلوا في تغيير واقع لا يمكن تغييره. وما المواقف التي يطلقونها هذه الأيام سوى تعابير لمصالح مشتركة تجمعها كراهيتهم لسوريا، حيث أن الفوارق بين المواقف السابقة لتلك المعارضة تدعونا للتوقف عندها.. أما الآن فلا فرق بينها بحيث أنهم كلهم بالرغم من الخلافات بينهم في العقيدة والدين والانتماء للمحيط العربي، قد شدوا أحزمتهم الأمريكية وتخلوا عن بيتهم اللبناني العربي الجامع بغية إخراج سوريا من بلدهم، وقد ذهب عن بالهم أن إخراج سوريا سيكون مقدمة لدخول أمريكا وإسرائيل.