استباق مبكر لعملية الملهى في تل أبيب!

 

 

 

بقلم: طارق مصاروه

 

قد يكون الأجدى لأي محلل سياسي الانتظار بضعة أيام لرصد رد الفعل الإسرائيلي على عملية النادي الليلي في تل أبيب، خاصة وأننا نقف في مرحلة مفصلية بالغة الحساسية والخطورة.. غير أن الأخبار التي صابحتنا بما سربته الاستخبارات الإسرائيلية منذ صباح السبت عن الفاعل (عبدالله بدران) والقرية التي قدم منها (دير الغصون - طولكرم) وانتمائه التنظيمي السياسي إلى (حركة فتح) ومداهمة دير الغصون قبل الفجر واعتقال شقيقه وعدد من سكانها.. كل ذلك يفرض علينا نحن القريبين من مسرح الأحداث، في فلسطين، قبول التحدي، والإمساك باللحظة الحارة والتعامل معها دون صوت مرتفع، ودون حماسة كثيرة!!

 

 

- هل تكون ردة الفعل الإسرائيلية، كالعادة، عصبية وغاضبة.. فتطيح بما تقرر في شرم الشيخ بضربة واحدة؟!

 

- أم أنها ستتعامل مع حادث النادي الليلي بما تمليه المرحلة من الكياسة السياسية، وإعطاء السلطة الوطنية، وأمنها، ومحمود عباس، فرصة الإجراء الأمني، والمحاكمة، والمعاقبة.. كما تفعل كل سلطات الدنيا الحريصة على أخذ الأحداث بحدودها الأمنية - القضائية، وإبقاء العلاقات السياسية خارج حدود الغضب المفتعل، والتحلل من الاتفاقات والأعراف والقانون الدولي؟

 

 

 

حتى الآن، ونحن نتحدث عن ساعات بين العملية الدموية في تل أبيب، وبين الجلوس إلى الأوراق والأقلام، لا يبدو أن بيت الظنين عبدالله بدران سيتعرض.. أو تعرض للنسف والتجريف، وهذا أول مؤشر على احتمالية الالتزام باتفاقات شرم الشيخ، مع أن قرية دير الغصون محاصرة ويمنع فيها التجول!!

 

 

 

استنكار الرئيس محمود عباس رد فعل مفروغ منه، رغم أن سلفه المرحوم ياسر عرفات كان يستنكر ويندد بهذه العمليات دون فائدة، لكن الأهم هو قدرة الرئيس عباس على شحن الاستنكار بالإرادة والصدقية، وإطلاق أمنه لحل ألغاز التحقيق قبل سلطة الاحتلال.. والأهم هو كشف العناصر الفتحاوية التي حركت الفاعل، إذا كان الفاعل هو في الحقيقة من داخل فتح، وهو التنظيم الكبير المترهل السهل الاختراق!!

 

 

 

قلنا إن هناك مؤشراً إسرائيلياً لاحترام اتفاقات شرم الشيخ والتزاماتها، وإذا مر أربع وعشرون ساعة دون عمليات انتقامية فإن أرييل شارون يكون قد قرر استيعاب الحادث، والمضي قدماً في العملية السياسية. ومن الواضح أن أي عنف قد يلجأ إليه، لن يكون في صالح سياساته الجديدة، لأنه سيعطي المستوطنين والعناصر الهستيرية المتطرفة قوة معارضة متزايدة، وسيصعب عليه - وعلى شريكه شمعون بيريز - الانسحاب السريع من غزة، ولملمة الأوضاع في الضفة الغربية..

 

 

 

فهناك اندفاعة إسرائيلية في المنطقة معرضة كلياً للانهيار إذا لجأ إلى الأساليب القمعية. فوزير خارجيته يدرك أن إعادة السفيرين المصري والأردني إلى تل أبيب، وأن كلامه عن عشر دول عربية مستعدة لقبول علاقات تجارية وقنصلية، ستكون بعيدة عن التحقق والصدقية.

 

 

 

لن يصل أرييل شارون إلى أكثر مما وصل إليه بعد أربع سنوات من الانتفاضة والقمع، فقد عاد بإسرائيل من الناحية العملية إلى ما قبل كامب ديفيد فالسلام البارد لا يختلف أبداً عن حالة اللا حرب واللا سلام، وأسوأ كثيراً من الوضع الذي كانت عليه «خطوط الهدنة» قبل يونيو، ثم إن الولايات المتحدة رغم استفرادها بالسياسة الدولية ليست في الوضع الذي تستطيع فيه تلبية الأحلام الصهيونية الموروثة من القرن التاسع عشر وقد كان من المهم أن يعترف شارون في شرم الشيخ بضرورة التنازل عن أحلام "إسرائيل الكبرى"، وامتدادات أرض "إسرائيل" بين البحر والنهر.

 

 

 

فلم تعد القناعات الأميركية هي ذاتها أيام الحرب الباردة، والخوف على أمن "إسرائيل".. فلا أحد يهدد هذه القوة العسكرية الهائلة. ولم تعد لإسرائيل أهمية في دفاع غربي يواجه الاتحاد السوفييتي.

 

وقد جاء التورط في العراق - وهو تورط ساهم اللوبي الصهيوني في صنعه - لتجد إدارة الرئيس بوش أنها بحاجة إلى التخفيف من أحقاد المنطقة العربية.. وهذا لا يتم إلا بخلق ظروف في فلسطين وحولها، تؤسس لإنشاء الدولة الفلسطينية القابلة للحياة.. ونضع ثلاثة خطوط تحت جملة «القابلة للحياة» لأن الدولة الجديدة يجب أن تكون قادرة على استيعاب مبدأ «حق العودة».. تماماً كما عملت الولايات المتحدة على تمويل «حق العودة الصهيوني».. منذ عام 1948 حين كان عدد يهود "إسرائيل" 450 ألفاً إلى أن صار عددهم خمسة ملايين.

 

 

 

وأي تصور إسرائيلي أو أميركي بأنه من الممكن إقامة سلام في فلسطين دون حق عودة الفلسطينيين إلى وطنهم - وليس إلى بيوتهم ذاتها بالنص الحرفي للكلمة، هو تصور ساذج، وغير منصف، وغير عملي. ويفترض بقاء الجيش الإسرائيلي على معابر نهر الأردن وحدود فلسطين المصرية ليسمح للفلسطيني عبورها إلى بلده، والإقامة فيه.. وهو افتراض مريض لا يمكن أن يكون ونحن نتعامل مع دولة فلسطينية كاملة السيادة!!

 

- هل ستمر حادثة تفجير الملهى الليلي في تل أبيب دون أن تخرب في المسار السياسي الذي رسمته قمة شرم الشيخ؟

 

 

 

نتصور ذلك، ونغامر بالقول إن معالجة تأثيراته، وردود الفعل عليه سيتحملها محمود عباس، وقوات الأمن الفلسطينية، وانضباط حركة فتح أكثر مما يتحمله الجيش الإسرائيلي الذي يفرض الآن منع التجول على قرية دير الغصون، ويعتقل، ويستجوب. فالأجدى هو المسؤولية الأمنية الفلسطينية. وهذا درس يجب أن يتعلمه أرييل شارون قبل غيره.

 

 

 

فالأمن الفلسطيني أقدر على التعامل مع الفلسطينيين، لأنه أمن وطني، وغير معاد للناس، وهو المختلف كل الاختلاف عن الشرطة والحرس الوطني العراقي. فالاحتلال في العراق أفرز هذه القوة في حين أن السلطة الوطنية الفلسطينية هي التي أفرزت قوى الأمن.. التي كان أكثرها، في الأساس، جيش التحرير الفلسطيني!!

 

 

 

.. ونتصور أن ارييل شارون، وشريكه بيريز سيتابعان عملية الانسحاب من غزة، وبفترة زمنية أقصر مما كان مخططاً له، تفادياً لعمليات مماثلة لعملية تل أبيب ونتصور أن محمود عباس والأمن الفلسطيني سيستفيدان من هذه العملية في فرض نظام صارم على كل التنظيمات الفلسطينية - وخاصة تنظيم فتح - الذي تحول منذ البداية إلى حزب الحكم، فمحمود عباس ليس بحاجة إلى الألاعيب القديمة.. فهو ذو صدقية اكتسبها في الأوساط العربية والأميركية والدولية..

 

 

 

وستجد الأوساط الإسرائيلية التي تتعامل معه أن من مصلحتها أخذ الرجل مأخذ الجد، والوثوق بكلمته ثقة كاملة، فإن علينا أن ندرك – و"إسرائيل" عدو - أن فهم القادة الإسرائيليين للعمل السياسي يختلف عن فهمنا له، فالسياسة هي عمل مؤسسات، والمؤسسات تقوم على المساندة الشعبية في حين أن العالم يحكم على القادة العرب بأن سياساتهم ليست قائمة على مؤسسات وأن المساندة الشعبية ليست ضرورية.

 

 

 

فلقد كان الرئيس عرفات، رحمه الله، يعتقد أن العالم و"إسرائيل"  ستتسامح معه كما يتسامح معه القادة العرب، وأنه قادر على المناورة في كل الظروف، وقادر على تفادي المواجهات الصعبة والثقة في كل الأجواء التي يتحرك فيها كقائد لشعب عانى أكثر من أي شعب في هذا العالم، وقاتل كما لم يقاتل شعب في هذا العالم!

 

 

 

رغم كل السوداوية التي صبغت الصحافة ووسائل الإعلام العربية في قمة شرم الشيخ، ورئاسة محمود عباس، وتشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة، فإن الوضع ليس سيئاً، أو ليس بهذا السوء الذي صنعته السوداوية وقد يفاجئنا المستقبل القريب بنجاحات فلسطينية كبيرة تعيد إلينا الثقة بالقيادات، وبالانتخابات، وبالمؤسسات.

 

 

 

فأمام محمود عباس أولاً انتشال السلطة الوطنية من الفوضى والتشتت والفساد، وأمامه ثانياً إعادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى دورها الأساسي في احتضان حركة التحرر الوطني في الوطن.. وفي الشتات سواء بسواء، وتنظيم قوى الشعب الفلسطيني ومنظماته وأحزابه في جبهة وطنية واحدة!! الموالية منها والمعارضة، فليس من المعقول أن يبقى التيار الإسلامي واليساري خارج السلطة في الوطن وخارج منظمة التحرير أو على هامشها في الشتات! فهناك أيضاً دولة "إسرائيل" على الأرض، والحركة الصهيونية في الشتات!!