استقالة الحكومة اللبنانية... وماذا بعد؟!
بقلم :أوّاب
إبراهيم
ليس بوسع أحد من
المراقبين أن يتنبأ بما تحمله الأيام القادمة للبنان، فاستقالة رئيس الحكومة عمر
كرامي لم تكن متوقعة، وحتى من كان ينتظرها فوجئ في توقيتها المبكر، فإعلان
الاستقالة شكل مفاجأة للبنانيين جميعاً سواء في المعارضة أو في الموالاة (القوى
الموالية للسلطة اللبنانية ومن ورائها سوريا). فكلا الفريقين لم يكن على استعداد
للتعامل مع القنبلة السياسية التي فجّرها الرئيس كرامي في المجلس النيابي، هذا
الانفجار الذي تحوّلت شظاياه إلى حشود المعتصمين في الساحات المجاورة للمجلس
النيابي انتصاراً دفعهم للمطالبة بالمزيد، وهذا ما عبّر عنه أركان المعارضة أثناء
احتفالهم باستقالة الحكومة من أن استقالة الحكومة هي الخطوة الأولى في مسيرة الألف
ميل، مما ينذر بالمزيد من الوتيرة التصاعدية في المطالب.
المؤكد أن إعلان
الرئيس عمر كرامي استقالة حكومته جاء دون التشاور مع أحد من أهل الحكم، مما أحدث
إرباكاً حتى بين أعضاء الحكومة الذي أبدوا دهشتهم من الإعلان، وقد بدى واضحاً
استياء رئيس المجلس النيابي من تفرّد الرئيس كرامي بالإعلان عن الاستقالة دون
التشاور معه وتهميشه بهذا الشكل.
وحسبما نقل عن الرئيس
كرامي فإنه هاتف رئيس الجمهورية إميل لحود خلال الاستراحة بين الجلستين الصباحية
والمسائية للمجلس النواب وأبدى رغبته بالاستقالة، لكن الرئيس لحود طلب منه التريّث
يوماً أو يومين ريثما يتم ترتيب الأمور، الأمر الذي كرره أيضاً رئيس مجلس النواب
نبيه بري، وكان جواب كرامي دائماً "خير إن شاء الله".
تكمن المشكلة التي
نتجت عن استقالة الحكومة في جانبين: الجانب الأوّل ويتمثّل في الصعوبات المتوقعة
لتشكيل حكومة جديدة، فلم يعد من المسموح لرئيس الجمهورية أن يشكل حكومة، المفروض
أن تكون وطنية بمعزل عن رأي المعارضة فيها، هذه المعارضة التي اعتبرت استقالة
الحكومة بداية مسيرة انتصارها، وعليه فإن "طلب خاطرها" سيكون بالغ
الصعوبة، خاصة من شخص كالرئيس لحود، الذي لطالما عانى الشهيد الحريري من إصراره
وعناده على ما يريد.
من جانب آخر فإن
المعارضة تصعّد في خطابها بعدما اعتبرته انتصاراً في معركة إقالة الحكومة، الأمر
الذي ظهرت ملامحه في البيان الذي أعلنته المعارضة بعد اجتماعها عقب استقالة
الحكومة مطالبة بإقالة رؤوساء الأجهزة الأمنية باعتبارهم المسؤولين بشكل مباشر
وغير مباشر عن جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وعليه فإن أمام الرئيس اللبناني
مهمّة بالغة الصعوبة تتمثّل بتشكيل حكومة متماسكة ترضى عنها المعارضة من جانب،
وتشكل سنداً له في المرحلة المقبلة التي يصعب التكهن بصعوبتها من جانب آخر.
وطبقاً للدستور
اللبناني فإن الحكومة يتم تشكيلها بناء على استشارات نيابية "ملزمة" يجريها
رئيس الجمهورية مع أعضاء المجلس النيابي، الأمر الذي يفرض عليه استشارة ما يزيد عن
أربعين نائباً ينتمون إلى التيار المعارض مما يزيد من عبء الوصول إلى صيغة توافقية.
هذا عدا عن أن لا أسماء حتى الآن قيد التداول لمنصب رئيس الحكومة، وقد كرر الرئيس
سليم الحص قراره بالعزوف عن المشاركة في العمل السياسي، الأمر الذي يترك الأمور
مفتوحة على كل الاحتمالات. فمن سيرضى بتبوّأ منصب رئاسة الحكومة المقبلة الذي
سيكون بمثابة "كبش محرقة"، خاصة إذا علمنا أن الحكومة التي ستشكل لن
يزيد عمرها عن شهرين هو موعد إجراء الانتخابات النيابية (في حال بقي القرار
بإجرائها سارياً)، وبعدها يتم تشكيل حكومة يمنحها المجلس النيابي المنتخب الثقة.
الجانب الآخر من
المشكلة هي أن الحكومة المستقيلة بشخص رئيسها كانت تتلقى ضربات المعارضة
واتهاماتها بجريمة اغتيال الحريري، على اعتبار أنها السلطة التنفيذية على الأرض
المسؤولة عن حفظ الأمن في البلاد. لكن الآن وبعد استقالة هذه الحكومة، فقد بات
رئيس الجمهورية إميل لحود مكشوفاً أمام المعارضة واتهاماتها، وانتقلت اتهامات
المعارضة بالمسؤولية عن اغتيال الحريري من عاتق الحكومة المستقيلة إلى عاتق
الأجهزة الأمنية ومن ورائها رئيس الجمهورية، ومن المتوقع أن يتم إدراج مطلب
استقالة رئيس الجمهورية من منصبه في المرحلة المقبلة ضمن أجندة المعارضة.
في الضفة الأخرى من
المشهد، فقد بدى الإرباك على رموز المعارضة واضحاً بعد إعلان الحكومة استقالتها،
وحتى زعيمها وليد جنبلاط استمهل وسائل الإعلام للرد على تساؤلاتهم (بذريعة استشارة
زملائه في المعارضة) عندما سألوه عما يطلبه في المرحلة المقبلة، فعلى حد تعبير بعض
أهل السلطة فإن كرة النار انتقلت من حضنها إلى حضن المعارضة، الأمر الذي أشار إليه
وزير الداخلية سليمان فرنجية عندما وصف استقالة الحكومة وكأنه "حمل أزيح عن
كتفي"، فالمعارضة التي طالما طالبت باستقالة الحكومة، وجيّشت جماهيرها حول
هذا المطلب، هي الآن أمام "فراغ مطلبي"، فما البديل الذي تحمله هذه
المعارضة بعد استقالة الحكومة؟ وما الخيار الآخر الذي تطرحه للبنانيين؟ ومن هو
المسؤول عن الفراغ الدستوري الحاصل؟ ومن يتحمل الأزمة الاقتصادية التي تعانيها
البلاد منذ اغتيال الرئيس الحريري حتى الآن؟
المؤكد الوحيد هو أن
لبنان يعيش مرحلة حرجة على الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية لم يشهد لها
مثيلاً منذ ما قبل الحرب، والأيام تنذر بكشف المزيد من المفاجآت... الله يستر