أعداؤنا المحظوظون

 

 

 

بقلم :خيري منصور

 

من يرصد هذا التسابق الماراثوني، والتنافس المحموم لإقامة علاقات "علنية" مع الدولة العبرية، يجد نفسه أمام أحد احتمالين، الأول أنه كان على خطأ، ويشاركه في هذا الخطأ عشرات الملايين من قومه، والثاني هو أن العرب أساؤوا فهم عدوهم، ولم يردوا عليه التحية بمثلها أو بأحسن منها، لأنه حياهم باحتلال أعز مقدساتهم، وصافحهم بالسيف، ولولا حرصنا على عدم الانزلاق إلى سخرية أشد مرارة، وهي لا تليق بكل ذلك الدم.. لقلنا إن الصراع الذي كان بالأبيض والأسود تحول بفضل التقدم والتقنية الحديثة إلى صراع بالألوان، وصراع الأسود والأبيض بدائي، وراديكالي ولا يليق بالحداثة وما بعدها.

 

أما الصراع بالألوان، أو بالفيديو كليب فهو يمزج الأبيض حتى لو كان لون كفن أو راية بالأحمر حتى لو كان دم شقيق وبالأخضر أيضاً الذي لا نعرف ما إذا كان نحاساً تعفن أم أرضاً أينعت في ربيعها؟

 

هل كانت الجنازة حامية والميت فأراً أو كلباً؟ وهل كان الصراع على “زبيبة” لا على قدس وعاصمة روح؟

 

أسئلة تدور الآن همساً، وقد تطفو على سطح الدم إذا ما واصلنا النزيف، ألم يحدث من قبل أن اعتذرت دول إسلامية وغير إسلامية لتل أبيب لأنها تأخرت في الاعتراف بالدولة العبرية؟ وسبقها عرب إلى ذلك الاعتراف وتلك الحفلة التنكرية، التي تبادل فيها القاتل والقتيل الأدوار، وأصبح من العسير التعرف إلى الوجوه الحقيقية تحت الأقنعة.

 

قد نبدو دعاة حرب، ومحترفي قرع طبول إذا فتحنا أفواهنا لغير التثاؤب، وتجاسرنا على مساءلة المتساهلين بأعز ما لديهم في سبيل لا شيء. اللهم إلا إذا كان هذا التساهل مقايضة لا ندركها بين خائف يرتعد هلعاً.. ومخيف يبدي نواجذه لأسباب أخرى غير الابتسام.

 

إن أضعف الإيمان، وربما أرذل مستويات الرد على من قضم أرضاً وأهلك بشراً وجرف تراباً وسرق ماء هو مصالحته مقابل اعتذاره ودفعه لما ترتب عليه من ديون.. لكن الصفح عن القاتل ومصافحة يده التي ما يزال يقطر من أصابعها الدم شيء آخر تماماً وقد لا نقوى على توصيفه الآن، إما حفاظاً على الحد الأدنى من لياقة الكتابة، أو درءاً لاتهام بات جاهزاً، وهو وصف من تسول له نفسه بمثل هذه الأسئلة والهواجس بأنه إرهابي، ولا بد أن له صلة ما بابن لادن أو الزرقاوي أو أي شبح آخر يرتدي عمامة.

 

إن ملايين العرب من ذوي الأفواه المكممة والألسنة المشكومة التي يمتزج اللعاب تحتها وحولها بالدم، لو أتيح لهم أن ينطقوا لقالوا لمن يتنافسون على استرضاء قاتل إخوتهم، ومستبيح أعراض ذويهم:

 

اتقوا الله.. في أنفسكم وأبنائكم أولاً، ثم فينا نحن الذين ابتلينا بما لا نستحق من العَسْف والترهيب.

 

اتقوا الله في أسلافكم الموتى الذين يتقلبون في قبورهم.

 

واتقوا الله في كل سطر حفظتموه عن ظهر قلب عندما كانت لكم قلوب

 

عدوّكم لم يجنح إلى السلم بحيث تتبعونه وتجنحون! إنه يواصل استراتيجيته في الإبادة التي لا يسلم منها حتى من ظفر باستثناء مؤقت لأنه خلع صاحبه وجلْده.. وحتى جذوره، ومضى في الأرض وهو يجرجر شروشه كشجرة تجرها جرافة.

 

ما الذي ستقوله شعوب العالم عنا نحن العرب وهي ترانا نهرول فرادى وأحياناً مجتمعين نحو هاوية قالوا لنا إنها بئر ماء، أو واحة في صحراء.

 

ما الذي سيقوله من قاطعناهم، وألحقنا بهم أسوأ النعوت لأنهم أقاموا علاقات مع عدونا، رغم أنهم ليسوا عرباً.. وليسوا مسلمين، ومنهم شيوعيون وعدميون ووثنيون؟

 

فهل أصبح علينا أن نراوح بين خضوع مطلق ورفض مطلق؟ رغم أن الصراع أصبح بالألوان، والتهديد بالألوان أيضاً، ما دام البرتقالي والليموني والبنفسجي هي الخطوط التي تصطبغ بالأحمر إذا دنت لحظة الحساب؟

 

لقد قالها ذلك الضليع بفن التطويع، بعد جولاته المكوكية العتيدة.. أمام لجنة الأربعين في الكونجرس الصهيوني قبل أكثر من ثلاثين عاماً.. قالها المستر هنري بالحرف الواحد.. وجدتهم مستعدين لتقديم كل شيء مقابل لا شيء، وكانت جولدا مائير قد همست بأذنه أن السلام والأرض في حقيبتها النسائية كالمشط والمرآة لا يفترقان، رغم أن مشط الشمطاء أدرد ومرآتها مُحدّبة.

 

إن العالم اليوم لا يحسد الكيان الصهيوني على جعبته النووية، ولا حتى على انتصاراته المتعاقبة منذ هزيمة الجيوش السبعة عام 1948 حتى هزيمة الجيوش "السبعين" عام 1967. إن العالم يحسده على هذا العدو الذي كان محظوظاً به، فاعتذر له ومد يده لمعانقته ومصافحته بدلاً من "صفعه"، وأخيراً كافأه بتطبيع مجاني، وبسلام مبتور من طرف واحد هو طرف الضحية التي لم تندمل جراحها بعد ولم يسلم حتى الأجنة في الأرحام من رؤوس الحراب!

 

أضعف الإيمان هو النداء بأعلى صوت!

 

اتقوا الله في أنفسكم وأحفادكم، وما سيتركه الطوفان من بعدكم قبل أن تتقوه فينا وفي هؤلاء المعذبين والمشردين الذين يودعون أطفالهم قبل الفِطام!