بين فيتنام والعراق

إرهاب راس المال المعولم!

 

 

 

بقلم :د. عادل سمارة

 

          مشروع أن  نقارن أحداث حقبة تاريخية بأخرى شريطة ان نهدف استخلاص النتائج وليس المفاضلة، لأن لكل حقبة شروطها الاجتماعية والموضوعية والاقتصادية والسياسية، وبالاجمال التاريخية. ويكون هدف المقارنة الاساسي هو تطوير ونقد أحداث الحقبة المعاصرة بينما تكون حصة القديمة هي التقييم.

 

          لعل الاختلاف الاول بين المقاومة العراقية والفيتنامية هو اختلاف الحقبة التي يمر بها النظام الرأسمالي العالمي. ولا يقلل من الاهمية الموضوعية التاريخية لهذا التحليل التاريخي إغفال الكثيرين لمسألة دور النظام الرأسمالي العالمي وخطورته، فطالما هرب غير التاريخيين من حقائق التاريخ لتعود وتفرض نفسها بحضور كما لو كانت أحداث الطبيعة.

 

جرت المقاومة الفيتنامية في حقبة الرأسمالية الامبريالية التي على وحشيتها كانت مقيدة بوجود الاتحاد السوفييتي الذي لعب في العلاقات الصراعية الدولية دور وضع العصي في دواليب عجلة العدوان الرأسمالي مما وقى العديد من بلدان المحيط غائلة إعادة الاستعمار وساعد العديد منها على اقتلاع الاستعمار ايضا. أما المقاومة العراقية فنتجت عن الهجمة الوحشية للراسمالية في حقبة العولمة، الهجمة المنفلته من اي عقال.الهجمة التي تجسدت في قرار الطبقة الرأسمالية الحاكمة في امريكا بأن تذهب لاحتلال العراق ولو وحدها. لقد تركزت حقبة العولمة على أنقاض الاتحاد السوفييتي من جهة، وعلى اقتسام العالم بين ضواري الامبريالية كالاقتسام بين الاسد (امريكا)  ومجموعة من أبناء آوى (دول العجائز الامبريالية الاوروبية) من جهة ثانية. واوضحت حقبة الامبريالية ان الراسمالية في الولايات المتحدة كانت على مدار القرن الماضي قد حشدت قوة هائلة من التوسع الرأسمالي العسكري والمدني وبهدف العدوان على ثروات العالم أجمع. كما حشدت الى جانب ذلك كماً هائلاً من الفكر الراسمالي والديني اليميني ليشكل الحاضنة الايديولوجية لهذه الوحشية.

 

 وهذا يعني بالنسبة للمقاومة العراقية أنها ولدت في مناخ يتيم بكل معنى الكلمة، اي غياب قطب دولي منافس (على الاقل مع ان المفترض ان يكون مضاداً) للقطب الرأسمالي المعولم. لكن هذا لا ينفي حقيقة هامة لها حضورها الميداني على الارض وإن تجاهلتها وسائل الاعلام قصداً وهي وجود مقاومة في بقاع عدة من العالم وخاصة في اميركا اللاتينية. لكن الفارق بين العراق وفيتنام في هذا الصدد هو غياب القطب الذي إما يعرقل العدوان الرأسمالي او يواجهه.

 

كما يختلف وضع العراق عن فيتنام إقليميا. ففي حين كانت كوريا الشمالية والصين مثابة حاضنة إقليمية للثورة الفيتنامية، فإن الوطن العربي يحيط العراق بحزام من الانظمة المعادية التي تقدم للعدوان الانجلوـ ساكسوني وأتباعه مخابراتها ومعابرها ومائها وسمائها ومالها وجيشها وارضها وعرضها وقضها وقضيضها. هي انظمة شاركت في أكثر من عدوان على العراق بما فيها احتلاله، وهي تدرب جيش العملاء العراقي كذلك. وهذا يجعل المقاومة العراقية أكثر صعوبة بما لا يقاس من المقاومة في فيتنام لأن الفضاء العربي الرسمي معادٍ بما لا يقاس، ولكن هذه المجافاة تعطي للمقاومة العراقية نقاطاً كثيرة تتفرد بها على المقاومة الفيتنامية.

 

والحقيقة ان للعداء الرسمي العربي الموجه ضد المقاومة العراقية تفسير في منتهى الحساسية. ففي حين يقف الشعب العربي كاملا مع المقاومة العراقية تخشى الانطمة العربية على نفسها من حراك مشابه للشارع العربي ضد هذه الانظمة. ومن هنا، يكون من قبيل تسطيح الامور وليس تفكيكها القول ان مشاركة هذه الانظمة في العدوان على العراق هو تنفيذ دور عميل لصالح السيد رغم انه كذلك حقا. ولكنها ايضا تدافع عن وجودها ومصالحها.

 

ولكي توفر الرأسمالية المعولمة فرص بقاء هذه الانظمة فإنها تقدم لها قشة "تصدير الديمقراطية" لتكون الجامع بين هذه الدول القطرية العميلة كبديل للوحدة القومية العربية التي ظلت هدفاً للتدمير على مدار مراحل الرأسمالية الثلاثة اي الرأسمالية في حقبة الاستعمار والامبريالية والعولمة. بعبارة أخرى محظور ان تقوم وحدة عربية. أما اليوم فمحظور حتى ورود العروبة في اي منبر إعلامي او خطاب عربي.

 

          وتتشابه المقاومة في البلدين بشأن العدو المباشر. فالعدو للبلدين هو نفسه، اي الولايات المتحدة الاميركية. فبما هي وريثة الاستعمار الرأسمالي الاوروبي (الانجليزي في العراق والفرنسي في فيتنام) فهي نفسها التي تفجرت المقاومة في وجهها في البلدين. وهذا أمر يطرح على شعوب العالم تناول خطورة هذا النظام الاجرامي بكل الحذر والدقة اللازمين باعتبارها هجمة بربرية على الانسانية بأجمعها. ومن المهم الاشارة الى ان المقاومتين هما من بلدين في محيط النظام العالمي ضد بلد من المركز أو هي مركز المركز مما يؤكد حقيقة دولية وهي ان المركز ممعن في العدوان على المحيط في كافة الظروف والحقب. وهذا يتطلب تكاتفا شعبيا على صعيد العالم لأنقاذ الانسانية.

 

          هناك فارق بين البلدين وهو ان نصف فيتنام كان قد تحرر من الاستعمار الفرنسي، وصمد في وجه العدوان الاميركي، شأنه شأن نصف كوريا، اي كوريا الشمالية. أما العراق، وهي جزء من الوطن العربي فقد جرى احتلاله بعد ركوع كافة الانظمة العربية للاحتلال الاميركي، وإن تهيأ للبعض انها دول مستقلة. وهذا الواقع هو قمة المجافاة للعمل الثوري.

 

          وتختلف الارض بين البلدين كذلك. ففي حين تتمتع فيتنام بميزة الارض المكسوة بالغابات مما يشكل موطنا مثالياً لمقاتلي حرب "الغوار"، فإن القطاع من الارض العراقية التي تشغله المقاومة هو ارض سهلية لا تتوفر فيها فرص الاختباء ومن ثم اقتطاع ارض محررة. في حين ان الجزء من العراق الذي تشغله الجبال العالية والمسالك الوعرة والثلوج يخضع لحكم ذاتي محلي وصل به موقفه المضاد للقومية العربية الى التحول الى أداة للعدو المحتل وللكيان الصهيوني حلما من قياداته بتشكيل إسرائيل كردية في شمال العراق.          

 

          ولا ينحصر الموقف الداخلي المضاد للثورة في المناطق المسكونة بالقومية الكردية، فإن جنوب العراق مأخوذ بالطائفية حيث حملت القيادات (الراسمالية والدينية والثقافية) لهذه الطائفة على ظهرها دبابات الاحتلال الاميركي- البريطاني ولا تزال.

 

          وعليه، فإن قطاعات شعبية واسعة في العراق هي ضد الثورة بل هي ثورة مضادة، كلٌ لأسبابه ومصالحه. والحقيقة ان هذا الانقسام قلما وُجد في تاريخ مقاومة الاستعمار، بل هي ظاهرة لم تحصل قبيل حقبة العولمة. وهذا متعلق باندحار الثورة العالمية وبالتالي عولمة المقاومة مكان او بدل أمميتها.

 

          وإذا كان لا بد من حل التناقض البرجوازي بين الشعبين العربي والكردي في العراق لأن الطبقات الشعبية من الشعبين لم تمارس القمع والاستغلال ضد بعضهما البعض بل تعرضت له ربما حتى على قدم المساواة، فإن التاثير الطائفي على الطبقات الشعبية في القطاع الشيعي من عرب العراق، وهو خلل لا يخلو منه سنة العراق، هو أمر لا مجال للتساهل معه.

 

          وهذا تحديداً ما يؤكد على أهمية المقاومة في العراق حيث تضم بين ظهرانيها قوى علمانية واسلامية ويسارية مما يجعلها تتخطى العلاقات او البنى القومية والدينية ، وإن لم تتمكن بعد من الانتصار على هذه البنى والعلاقات.

 

 

 

          وهذا ينقلنا الى المواقع الفكرية للحركات المقاومة. ففي حين كانت الجبهة الوطنية في فيتنام مقودة من قبل الحزب الشيوعي الذي شكل عمودها الفقري، فإن المقاومة في العراق هي مزيج قومي إسلامي وبدرجة ما يساري. فالحزب الشيوعي في العراق انتهى الى حركة يسارية المظهر شيعية الجوهر وإمبريالية الارتباط. على اننا في التحليل الاخير بانتظار تشكيل جبهة سياسية وطنية عراقية تضم كافة هذه القوى .

 

          وتتشابه المقاومتان في التصنيف الثقافي لمفكري وكالة المخابرات الاميركية أمثال صامويل هنتنجتون وإلى حد ما برنارد لويس. ففي تبشير بيافطة جديدة للعدوان الرأسمالي على البشرية زعم هنتنجتون بأن على الغرب الراسمالي ان يشن حربه الثقافية او الحضارية ضد المسلمين (ومنهم العراق) والجنس الاصفر (ومنهم فيتنام). وإذا كانت خلفية او مبررات الحرب دينية، فليس هناك ما يجمع الاسلام بالبوذية، بل ان ما يجمع الاسلام بالمسيحية هو جامع واسع النطاق! وهذا يؤكد التشابه الاساسي بين البلدين وهو انهما هدفا للاستعمار الرأسمالي الذي يتخفى بأكثر من مظهر وخطاب.

 

          وتختلف المقاومتان من حيث الانقسام الطبقي على الصعيد العالمي. ومرد هذا في الحقيقة الى اختلاف واضح بين حقبتي العولمة والامبريالية. ففي حين كان الموقف الشعبي في بلدان المركز الراسمالي خلال حقبتي الراسمالية الاستعمارية والرأسمالية الامبريالية موقف داعم للطبقات البرجوازية الحاكمة والعدوانية، وانحصر رفض الاستعمار في احزاب شيوعية ثورية حقيقة هنا وهناك، فإن تطوراً ملموساً يحصل اليوم في بلدان المركز نفسه وعلى صعيد عالمي. وهو تطور جوهره بداية انقسام العالم الى شعبي ورسمي الامر الذي يبشر بمجتمع مدني أممي وليس مجرد مجتمع مدني هنا وهناك متمحور على اساس قومي.

 

          لقد عانت مسألة المجتمع المدني من تشويهات من جهة ومن تشوهات خلقية خطيرة من جهة ثانية. تلخصت التشويهات في محاولات الكثير من الكتاب اللبراليين نسب مضمون إصلاحي لنظرية غرامشي عن المجتمع المدني وكأنها نظرية تحاول إصلاح النظام الرأسمالي للقبول به. أما التشوهات فتجسدت في عجز هذه المجتمعات عن الربط بين تحقيق مدنية ما داخل مجتمعاتها والدور الاستعماري العدواني الوحشي لانظمتها في بلدان المحيط. ولعل آخر طبعات ذلك قيام هذه الانظمة بحماية انظمة قمعية ظلامية متوحشة في المحيط لأن هذه الانظمة تحافظ على تسييل ثروات المحيط الى المركز وهذا هو الحبل السري للعلاقة.

 

          مرة اخرى، فإن العدوان على العراق قد دفع قطاعات شعبية واسعة في المركز الراسمالي وفي العالم للوقوف ضد الحرب. وهو وقوف في جوهره ضد الرأسمالية، وتحديدا ضد الولايات المتحدة. وعليه فقد ارتفعت وتيرة الموقف الشعبي العالمي من التعاطف مع نضال فيتنام الى الوصول الى الشارع لحماية العراق وهذا تطور هائل بكل المقاييس. ومع ذلك يؤخذ على هذا الحراك عدم استمراريته. ولكن يسجل لصالحه انه رغم عجزه عن منع العدوان وتحقيق انسحاب الغزاة من العراق وأفغانستان، إلا انه كشف هشاشة الديمقراطية هناك وما يسمى المجتمع المدني.

 

          يبدو ان الانقسام الحقيقي على صعيد عالمي يأخذ مجراه، أي تمحور او استقطاب شعبي مقابل استقطاب رسمي. الرسمي مقابل الشعبي، او البشرية مقابل راس المال. هذا هو الوجه الحقيقي للثورة العالمية.

 

          يبقى تخويف الارهاب الرأسمالي هو التشابه النهائي  بين المقاومتين. فقد أدت التضحيات الفيتنامية الى تخويف العدو الاميركي وارتعاده في ارض المعركة، وهذا ما يحصل في العراق، سواء بوقوع جنود اميركيين في امراض نفسية او برفض الذهاب الى العراق اصلا او المطالبة بالخروج السريع. بين الخوف من الموت في فيتنام والخوف على الابناء من الموت ازداد ضغط المجتمع "المدني" الاميركي على راس المال بالانسحاب من هناك، وهذا ما يحصل في العراق.

 

          ومع ذلك لن يتراجع راس المال. بل إن جورج بوش الثاني يطوف أوروبا اليوم لتجنيد الاتحاد الاوروبي لإعادة استعمار الوطن العربي. إنهم يأمرون سوريا بمغادرة لبنان، ويطالبون العالم باعتبار احتلال العراق أمرا عاديا وقديما وواقعا كما هو في فلسطين. فهل هناك وقاحة بيضاء أكثر من هذا! إن جورج بوش وهو يقوم ب "استربتيز" القيم أمام عجائز الامبريالية الاوروبية لإغرائهم بنهب الوطن العربي إنما يقول لهم: "إن وطن العرب إقطاعية لنا، إن حكام هذا الوطن ثمرة متعفنة لوطنها وناضجة لصالحنا، إنهم يستبدلون الكراسي بالذهب والمتعة والرفاه، فهلموا معنا للنهب والاغتصاب".

 

يتهافت حكام المركز بمن فيهم بغاثه مثل بلجيكا مثلا على امتصاص دماء وطننا. ولكنهم يستنفرون الامة بكاملها، لا باس فليحصل ولن يحول هذا الارهاب الراسمالي المتعدد القوميات دون مقاومة أوسع من نطاق العراق.