وطن واحد ، وشعب واحد .. ودولة واحدة
بقلم :جمال
سلطان
( إن البابا شنودة
خيب الآمال ، وتنكب الطريق المستقيم الذي تمليه عليه قوانين البلاد ، واتخذ من
الدين ستارا يخفي أطماعا سياسية ، كل أقباط مصر براء منها وإذا به يجاهر بتلك الأطماع واضعا بديلا لها
على حد تعبيره بحرا من الدماء تغرق فيه البلاد من أقصاها إلى أقصاها ، باذلا قصارى
جهده في دفع عجلة الفتنة بأقصى سرعة ، وعلى غير هدى ، في كل أرجاء البلاد ، غير
عابئ بوطن يأويه ، ودولة تحميه ، وبذلك يكون قد خرج عن ردائه الذي خلعه عليه أقباط
مصر )
نص حرفي من حيثيات
حكم محكمة القضاء الإداري بتاريخ 3/1/1982 ، في التظلم المقدم من البابا شنوده ضد
قرار رئيس الجمهورية بعزله عن منصبه .
راجع : د.محمد مورو "
يا أقباط مصر انتبهوا " ص 141
( لقد صور الطموح
السياسي للقيادة العليا للكنيسة أن تقيم من نفسها دولة داخل الدولة )
نص حرفي من تقرير
لجنة تقصي الحقائق في مجلس الشعب المصري سنة 1981م .. والمكونة من محمد رشوان ـ
وكيل المجلس ـ , وحافظ بدوي , ومحمد محجوب , وكمال هنري أبادير , وكامل ليلة , وألبرت
برسوم سلامة , ومختار هاني , وكمال الشاذلي , وإبراهيم شكري , وإبراهيم عوارة .
راجع : ( د/ محمد
مورو (يا أقباط مصر انتبهوا) 139 , 140 طبعة القاهرة 1998م)
( 1 )
عندما طرحنا في
افتتاحية المنار العدد قبل الماضي مشكلة ما أسميناه " الشغب الطائفي " فقد
كان ذلك من باب ما استشعرناه من تنامي سلوكيات خطيرة داخل الكنيسة المصرية ، وأن "
الشغب الطائفي " الذي يمارسه المتطرفون من أقباط المهجر يبدو أنه وجد له
منفذا ـ بعد طول الطرق ـ في وجدان وأفكار بعض الأقباط داخل مصر ، بل إن بعض
المواقف والتصريحات التي نقلناها بنصها عن قداسة البابا شنودة ، كانت تعطي مؤشرا
واضحا على أن أكاذيب " الشغب الطائفي " بدأ البعض يدخلونها على تصورات
البابا فراح يصدق ويروج لمقولات عبثية وبالغة السخافة عن فتيات مسيحيات يتم
اغتصابهن في محلات للمسلمين بعد استدراجهن بحجة الحصول على جوائز ، وقد كان عجيبا
أن يردد أعلى رأس في الكنيسة مثل هذه الأكاذيب الواضحة ، ولصالح أي شيئ يرددها
ويكررها في الصحف والمحاضرات العامة ، حتى تساءل البعض : هل هي حملة من البابا
لمقاطعة المحلات التي يملكها مسلمون ؟ ، وهل يتحمل البابا النتائج المقابلة لهذه
الحملة من الطرف الثاني ؟ ، ولم نكن نعرف ما يحمله الغيب من مواقف أخرى ، على
النحو الذي حدث في واقعة وفاء قسطنطين ، ولكنه كان استشرافا للمستقبل من خلال
قراءة معطيات واقع جديد يتشكل ، فإذا بنا نواجه في واقعة وفاء قسطنطين موقفا آخر
أكثر وضوحا على نجاح المشاغبين من المتطرفين الأقباط في الداخل والخارج في توريط
البابا في تصديق الأكاذيب الفاجرة وترويجها والعمل على أساسها والغضب أيضا ، فها
هو يصدق أن السيدة وفاء زوجة كاهن البحيرة قد اختطفها زميلها في العمل بعد أن
أغراها جنسيا بالزواج ، ثم ها هو يصدق أن الشرطة المصرية شاركت في اختطاف وفاء
وإخفائها وإكراهها على الدخول في الإسلام ، ثم لما بدأت الحقائق تنقشع ، وبان أن
كل هذه أكاذيب فاجرة ، وأن السيدة أسلمت بمحض إرادتها وأنها ظلت مسلمة تكتم
إسلامها عامين كاملين وأنها تحفظ القرآن ، وأن لا صلة بالمرة لزميلها في العمل
بذلك ، وأكثر من ذلك أن الشرطة المصرية جاملت الأقباط في الموضوع كله من بدايته
عندما أوقفت إجراءات اشهار إسلام السيدة حتى اتصلوا بالمراجع الكنسية وأخبروهم
بتفاصيل الواقعة وطلبوا منهم الحضور للجلوس من السيدة ومحاورتها ومحاولة إقناعها
بالعودة ـ على ما جرى عليه العرف ـ فإذا بالقساوسة يطلبون مهلة للتفكير ـ حسب بيان
النائب العام ـ ثم رفضوا الجلوس معها وبدأوا يروجون بين الشباب وأوساط الكنيسة
سلسلة الأكاذيب ، والتي يعلمون تماما أنها أكاذيب ، لأنهم أرادوا أن يحولوا
الموضوع إلى ضجة سياسية لكي يضطروا الدولة إلى تسليمهم المواطنة المصرية التي
أسلمت ، حتى لا تتعرض صورة الديانة المسيحية والكنيسة ذاتها للحرج أمام الرأي
العام المحلي والدولي حسب ما صرح به بعض قادة الكنيسة ، أي أنهم تعمدوا صناعة
الوهم الكاذب ابتغاء كسب ديني رخيص ، وقد اضطرت الكنيسة إلى الاعتراف بالحقيقة
كاملة بعد ذلك من خلال تصريحات قادتها ومن بينهم أسقف الشباب الأنبا موسى ، ولا
أدري ما الذي منع البابا من تقديم اعتذار علني للشعب المصري كله بكافة طوائفه عن
مثل هذه الأكاذيب ، التي تبناها ونشرها وعمل على مقتضاها ، ثم استبان له بوضوح
أنها مجرد أكاذيب اختلقها بعض رجال الكنيسة على غير الحقيقة والواقع .
( 2 )
لقد كنا أيضا حريصين
على تنبيه النظام السياسي إلى خطور التعامل مع الهموم القبطية من خلال الكنيسة ،
وليس من خلال القانون ومؤسسات الدولة والمجتمع الأهلي ، فالدولة هي صاحبة الولاية
الوحيدة على أبنائها مسلمين ومسيحيين ، لا الأزهر ولا الكنيسة يحق لهم أن يسلبوا
ولاية الدولة في ذلك ، ونبهنا إلى خطورة بعض المواقف المتعجلة التي عالجت بها بعض
أجهزة الدولة قضية الكشح على سبيل المثال ، مثل قبول الطعن على الأحكام الصادرة
أمام القضاء من قبل الكنيسة وليس من قبل المواطنين ، ومثل أن يتم تسليم ثلاثة من
القساوسة ثبت ضلوعهم في الجريمة وإطلاقهم الرصاص وحمل الأسلحة غير المرخصة ، وبدلا
من إدانتهم يتم تحويلهم إلى الكنيسة لكي تتخذ ما سمي بإجراءات تأديبية تجاههم ،
هذا خطير ، ويعطي للكنيسة وضعا موازيا للدولة ، ومشروعية كاملة كممثل وحيد للأقباط
أمام القانون والدولة ، وقلنا أن الترهل في الجسم السياسي للدولة وعجزه عن حل أي
قضية بشكل متكامل وراشد وحضاري ، جعلها تحاول لملة الأمور كيفما اتفق ، والمهم وقف
الصداع مؤقتا ، بأي صورة ، ولكن المشكلة أنها لم تكن تحل المشكلة ، وإنما تزيدها
تعقيدا وخطورة ، حتى أتت قضية وفاء ، فوجدنا الكنيسة تتصرف وفق كونها " دولة "
موازية ، تطالب بتسليمها " مواطنين " للتصرف معهم وفق رؤيتها وقانونها
الخاص ، ثم تقوم الكنيسة باختطاف السيدة وترحيلها إلى دير وادي النطرون ، حيث تقبع
ـ حسب ما نشرت الصحف ـ في زنزانة لا تصلح إلا لشخص واحد ، وتقطع عنها كل مقابلات
واتصالات ، وتعزلها نهائيا ، عن الدولة والقانون والأمن والعالم ، وهو أمر بالغ
الخطورة ، وهو ما دفع مجموعة من المثقفين إلى إصدار بيان وتقديم بلاغ إلى النائب
العام يطالبون فيه بفرض الدولة رعايتها على المؤسسات الدينية كافة ، بما فيها
الأديرة لمعرفة ما يدور داخلها ، والتواصل مع " المواطنين المصريين " الذين
بداخلها ، والاطمئنان إلى أنهم غير مختطفين أو مكرهين على وجودهم هناك ، خاصة وأن
هناك مئات القصص والأخبار التي وصلتنا تتحدث عن أمور مشابهة وعن وقائع مذهلة تدور
داخل الأديرة ، وهو ما يستدعي كشف الحقيقة حولها ، حماية للكنيسة ذاتها من جانب ،
وتأمينا للمواطنين وحرياتهم التي كفلها الدستور من جانب آخر .
( 3 )
على جانب آخر ، فقد
شهدت التظاهرات العابثة التي قادها بعض القساوسة ، بفعل الأكاذيب التي أطلقوها
وخدعوا بها الشباب ، شهدت صيحات وشعارات مثيرة للدهشة ، ولدينا أشرطة مسجلة بها ،
تنادي بالنصرة والعون من قبل أمريكا أو الصهاينة ، وهي شعارات كنا نظن أن مروجيها
هم فقط المتطرفون في أقباط المهجر ، أولئك الذين يجاهرون بتحالفهم الآن مع القوى
الصهيونية واللوبي اليهودي في أمريكا تحريضا وتآمرا على مصر الدولة والشعب والمصير
، بل إن مواقعهم على شبكة الانترنت نشرت إعلانات فاضحة لوكالة المخابرات الأمريكية
تطلب عملاء وجواسيس عرب مقابل رواتب شهرية تتجاوز الخمسة آلاف دولار ، وهو اختيار
أمريكي لافت للنظر، المهم أن كون هذه الروح تنفذ إلى متطرفين في الداخل ، ويجهرون
بهذا الكلام داخل الكاتدرائية الكبرى ، فهو موقف يعني أمورا كثيرة ، كما أنه يثير
الدهشة عندما نجد نفس هذه الأصوات تتحدث عن ضرورة حصولهم على " حصة " في
أجهزة الأمن المصرية وأجهزة المخابرات ونحوها ! ، ولم يصدر حتى الآن أي اعتذار
علني من القيادات الكنسية عن هذه الشعارات الإجرامية التي أطلقت في تظاهرات
الكاتدرائية ، بل وجدنا بالمقابل البابا شنودة وقيادات كنسية أخرى تتهم الأمن
المصري بأنه هو الذي اعتدى على المتظاهرين داخل الكاتدرائية وقذفهم بالطوب ، وهو
كلام عجيب ناهيك عن كونه دعوة صريحة للفتنة والإثارة والتهييج على مؤسسات الدولة ،
ويبدو أن البابا قد نسي التأكيد ـ أيضا ـ على أن الأمن المصري هو الذي أصاب أكثر
من خمسين ضابطا وجنديا ، وأنه هو الذي اعتدى على الصحفيين المصريين بالضرب
والإهانة والحبس داخل الكاتدرائية وأنه هو الذي خلع بلاط الكاتدرائية وكسر الزجاج
لاستخدامه في التظاهرة ، إنها أكاذيب لا تليق برجال الدين ولا بأصحاب الحكمة ،
وكان مؤسفا أن يردد البابا هذه الاتهامات ، رغم وضوح الافتراء فيها ، فلصالح من
يروج قداسة البابا اتهاماته للأمن المصري ، هل هي رسائل ؟، ولمن ترسل ؟ ، رغم أنه
يدرك تماما أن المؤسسة الأمنية المصرية تعاملت في هذه القضية تحديدا بأقصى قدر من
الحكمة وضبط النفس بل وجاملت الكنيسة، والحقيقة أن هجوم البابا على المؤسسة
الأمنية فيه قدر غير قليل من التهور وغياب الحكمة ، لأنها ـ في النهاية ـ واحدة من
أهم أعمدة الدولة ومقومات الوطن ، وهي ـ في النهاية أيضا ـ مؤسسة وطنية ، نختلف
معها ، ونعاني من كثير من المواقف معها ، لكن يبقى خطيرا اتهامها بالطائفية ، فهذا
عبث ينبغي أن لا يتكرر ، لأن تداعياته مروعة ، خاصة عندما يصدر من رأس الكنيسة
المصرية .
( 4 )
ولقد أثار قداسة
البابا في حوارات منشورة ، أشرنا إليها في افتتاحية العدد السابع والعشرين ، قضية
نسبة الأقباط في البرلمان والحكومة ، بصورة تتوافق تماما مع الطرح الطائفي الذي
يقدمه المتطرفون من أقباط المهجر ، ويبدو من الطرح الذي قدمه قداسة البابا أنه
يتصور أن النظام السياسي المصري ينبغي أن يقوم بإهداء البابا عشرين أو ثلاثين
مقعدا في البرلمان يقوم هو بتوزيعها كتركة على المخلصين من أتباعه ، الذين يحددهم
هو ، وهذا تصور مدهش جدا ، ناهيك عن روح الطائفية التي لا تستقيم مع تكرار كلامه
عن الوطن الواحد والشعب الواحد ، وكان أجدى بالبابا ـ وقد اختار أن يلعب سياسة ـ
أن يضم صوته إلى صوت القوى الوطنية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بدعوة الأقباط
المصريين إلى المشاركة السياسية الفاعلة والنشطة ، لأن هذه المساهمة هي الباب
الوحيد الذي يمكن عن طريقه أن يتواجد الأقباط في الحياة السياسية بكافة
مؤسساتها وأطيافها وبدون " كوتة "
صغرت أو كبرت ، وقد سبق في مصر أن شاهدنا أقباطا ينجحون بشرف وجسارة وحضور جماهيري
وطني ، وليس على أكتاف الطائفية ، كما وجدنا شخصيات قبطية حققت وجودها وحضورها
السياسي والإعلامي والعلمي والأدبي والفني والاجتماعي بصورة يشار إليها بالبنان ،
ناهيك عن الحضور الاقتصادي حيث له حديث آخر ، إن الحقيقة المرة التي يدركها كل
المخلصين الآن أن السياسات الكنسية التي سادت في العقود الثلاثة الأخيرة هي التي
قلصت مشاركة الأقباط في الحياة السياسية ، وهي التي همشت دورهم في المؤسسات
المختلفة ، لأنها ببساطة ، انشغلت باصطناع زعامة سياسية كنسية ، وجعلت الكنيسة
دولة بديلة ، تتمحور حولها النشاطات السياسية والاجتماعية والثقافية والإعلامية
وغيرها ، فنشأت أجيال جديدة لا ترى في الدولة سوى محيط جغرافي تتواجد فيه الكنيسة /
الدولة ، وأصبحنا ـ لأول مرة ـ نجد أقباطا إذا أرادوا الشكوى لم يذهبوا إلى مؤسسات
الدولة وأجهزتها وإنما ذهبوا إلى البابا ، فبأي وجه أو عدالة بعد هذا الخلل يتهم
أحد كائنا من كان مصر بأنها تستبعد الأقباط أو تهمشهم ، المتهم بالتهميش هو البابا
وهي الكنيسة وليست الدولة ، وعلى المخلصين من الوطنيين الأقباط أن يستجمعوا
شجاعتهم في هذه النقطة ويمدوا حبال التواصل مع القوى الوطنية المختلفة ، ويخوضوا
غمار التحدي نحو مصر المستقبل ، الحضارة والتنمية والحرية والعدالة ، إن دخول
الأقباط بقوة إلى الحياة السياسية سيضفي عليها نشاطا كبيرا ، وسيفعل جهود قوى
المعارضة من أجل انتزاع مساحات للحرية والديمقراطية أكثر جدية واتساعا ، وهذا ما
تدركه القوى الوطنية المختلفة ، بما فيها القوى الإسلامية ، ولذلك يتنادى الجميع
مخلصين إلى مشاركة قبطية واسعة وجادة في الحياة السياسية ، أما أن تتم الدعوة
المبطنة للانسحاب من الحياة السياسية والتبلور حول الكنيسة وزعامة بديلة ثم انتظار
البابا أن تمنحه الدولة " نصيبا " في الإرث السياسي يوزعه على " المحاسيب
" فهذا وعي مغلوط ، فضلا عن كونه طائفية بدائية .
( 5 )
وهنا ينبغي أن نحذر
من لعبة بعض الشخصيات السياسية الانتهازية التي تلعب بورقة الطائفية ابتغاء كسب
سياسي رخيص ، حيث تتبنى الطرح الطائفي للمتطرفين من أقباط المهجر ، الذين يدفعون
بسخاء لهذه الشخصيات كما هو منشور ومعلن للكافة ، وتتحدث بشجن مصطنع ودموع كاذبة
عن معاناة الأقباط التي وصلت إلى حد ما لا يطاق ـ حسب نص كلامهم التهييجي ـ
والبكاء على التضييق على مخططات إنشاء الكنائس ، رغم أن هذا كذب ، ولم تشهد مرحلة
اتساعا جنونيا في بناء الكنائس مثل السنوات الأخيرة ، في حين أن نفس هذه الأصوات "
الشجية " لم تدافع أبدا عن معاناة المسلمين في بناء المساجد حيث تم اشتراط
عشرة شروط لبناء أي مسجد وهي شروط يستحيل اجتماعها أصلا ، الأمر الذي يضج بالشكوى
منه المسلمون في عموم مصر ، ولكن لأن المسلمين لا يدفعون رشاوى لبعض السياسيين من
مدعي المعارضة فلم تتوقف عندهم هذه الأصوات العاهرة ، التي تبيع شرفها وأمن وطنها
معه مقابل دولارات المتطرفين من أقباط المهجر ، وهي دولارات صهيونية المنبع والهدف
، لقد كان مدهشا أن بعض الصحف التي تصدر عن أحزاب تدعي التقدم والاشتراكية
والعلمية تقوم بحملة من الدجل والشعوذة على مدار عدة أسابيع عبر صفحاتها تروج
لحكاية " عفريتة " السيدة العذراء التي ظهرت في سطح كنيسة في أسيوط ،
وتتحدث الصحيفة الوطنية التقدمية الاشتراكية بتبتل وخشوع عن الحمام الملائكي الذي
ظهر حول " عفريتة " العذراء ، ومبالغة في " الشعوذة " نشرت
صحيفة الحزب صورة " مزورة " لمشهد " العفريتة " بأجنحتها
الملائكية البيضاء فوق الكنيسة ، فكانت فضيحة اضطرت الكنيسة ذاتها إلى تكذيبها بعد
طول صمت ومباركة من البابا ، وقد ذكرتني تلك الواقعة " التقدمية الاشتراكية "
ببعض دراويش " طنطا " الذين حكوا عن " عفريت " السيد البدوي
عندما ظهر فوق المسجد ليلا وبيده عصاته الخضراء وحوله الحمام الأبيض يهش ويغني ،
وكان أحرى بالنيابة العامة أن تحقق مع جريدة هذا الحزب في جريمة " الدجل
والشعوذة " بدلا من البحث عن الشيخة فاطمة والشيخ جحا في نجوع الصعيد .
وبالمناسبة ، فلا
أدري ما هو رأي قداسة البابا في حفلات تحضير العفاريت في الكنائس المصرية ،
ومطاردة الجن داخل أجساد المواطنين ، وهي حفلات مسرحية مثيرة تم تصويرها بالصوت
والصورة وأذاعتها بعض الفضائيات العربية ، وقد تفضل بعض القساوسة ممن يطاردون
العفاريت بالوقوف أمام الكاميرات لشرح المهمة الجليلة التي يقومون بها ، كما أطالب
الجهات المعنية بالتحقيق في هذه الممارسات الخطيرة التي تتصل بالدجل والشعوذة وتتم
بصورة رسمية داخل الكنائس وسط احتفاليات تبشيرية يحضرها بعض العوام والبسطاء من
المسلمين والمسيحيين ، وهل يجوز أن تتحول ساحات الكنائس أو المساجد إلى أوكار
لممارسات الدجل والشعوذة .
( 6 )
لم أستطع أن أستوعب
الموقف السلبي الغريب الذي وقفه بعض الكتاب والمثقفين الأقباط ممن عهدنا فيهم
العقلانية والدعوة إلى الحوار والتسامح والمشاركة وحرية العقيدة ، لقد سكت الجميع
عن واقعة شديدة الوضوح ، تتعلق بالحرية في صلب معناها ، حرية العقيدة ، سكتوا على
عمليات إكراه وإرعاب سيدة مصرية لكي تغير دينها الذي ارتضته ، وتم حبسها سبعة أيام
في عزلة عن العالم وممارسة ضغوط نفسية واجتماعية عليها من أجل أن ترجع عن الإسلام
، وكذلك السيدة ماري عبد الله زكي ، التي اختفت في ظروف مجهولة بعد أن ذهبت إلى
شيخ الأزهر تطلب إشهار إسلامها ، لم نسمع صوتا من أصدقائنا الكتاب والمثقفين
الأقباط ، رغم أن هذا هو المحك الجاد الذي تختبر فيه ادعاءات الاستنارة والعقلانية
والدفاع عن الحريات ، لماذا سكتوا ؟ وأين اختفوا ؟ وهل يمكن أن يقنعوا أحدا
بكلامهم بعد ذلك عن الحرية والتعددية والتسامح ، أين اختفت أصوات الأصدقاء جورج
اسحاق وأمين اسكندر وهاني لبيب وغيرهم ، إن الوحيد الذي أعلن صوته وكلمته بشجاعة ،
هو جمال أسعد عبد الملاك ، وهو موقف يضم إلى العديد من مواقفه الصريحة والمستنيرة
والجادة ، التي لا ينافق فيها ولا يداري ، فقد هاجم موقف الدولة ، ولكنه قال كلمته
بشجاعة في أخطاء الكنيسة وظاهرة اختلاق الأكاذيب ومناقضة النفس في محاربة حرية
العقيدة في الوقت الذي نطالب بها .
( 7 )
الذي لا شك فيه أن
المجتمع المصري حالة خاصة في تناسق نسيجها الاجتماعي ، وللدرجة التي يصعب فيها أن
تستبين من محدثك ديانته ، في اللغة والثقافة والقيم والهموم وكل ما يشكل إنسانية الإنسان
، وأذكر على المستوي الشخصي والأسري اللصيق أن العلاقة مع القبطي لم تكن تمثل أبدا
علاقة مع الآخر ، بل مع " الأنا " المختلف ، وكانت العلاقات الاجتماعية
والمالية متداخلة إلى حد مدهش ، وهذا أمر من العيب أن ينجر الإنسان إلى ذكره أو
التذكير به ، ومن هنا ندرك أن محاولات الإثارة التي يقوم بها بعض المرتزقة من
أقباط المهجر وخضوع البابا لابتزازهم هو عمل مدمر لنسيج المجتمع وسيدفع فاتورته
المواطن القبطي والمواطن المسلم على حد سواء ، بينما ينعم المرتزقة هناك بالملايين
الحرام ورغد العيش ، إن الحديث عن حقي وحقك وحدودك وحدودي ونصيبك ونصيبي على أساس
طائفي أمر بالغ الخطورة ، وهو قد يستفز ، بل حدث فعلا ، أن استفز بعض المهاويس على
الطرف الآخر ، حيث طرح بعض المتطرفين في الحالة الإسلامية فكرة إعداد قوائم
بالمصانع والتوكيلات التجارية والمحلات والمعارض ... إلى آخره ، من المملوكة
لشخصيات قبطية ، لبدء حملة للمقاطعة ، طالما أن الأمور تتجه إلى قسمة طائفية ضيقة
الأفق وخاصة أن البابا شنودة قد فتح باب المقاطعة بتحذيره الأقباط من الذهاب إلى
محلات المسلمين بزعم أن بناتهم يغتصبون فيها ، وهذا هوس لا يجوز الاقتراب منه ،
وإنه على الرغم من أن أكثر من أربعين في المائة من القطاع الخاص المصري مملوك لرأس
مال وطني قبطي ، وأن أبرز مليارديرات مصر هم من الأقباط الذين جمعوا أموالهم من
جيوب المسلمين بالأساس ، وهم غالبية الشعب ، عن طيب خاطر ، لأن المواطن المصري لم
يعرف التفرقة بين المنتجات على أساس دين صاحبها ، وإنما باعتبار أنها منتجات وطنية
جيدة أو رديئة ، على الرغم من كل ذلك ، إلا أن " الوطن " يشهد على
نجاحات رجال الأعمال الأقباط المتميزين ، واكتسابهم مصداقية بين المسلمين قبل
الأقباط ، ولو كان هناك ما يدعيه المرتزقة من أقباط المهجر عن حملات الاضطهاد والقمع
واسعة النطاق والتي تشبه ما ارتكبه الصرب في البوسنة والهرسك ، لما وجدت هذه
المظاهر المالية الضخمة والتي تخرق أعين الكذابين والمرتزقة وتنسف جذور دعاواهم عن
معاناة الأقباط في مصر .
( 8 )
إن محاولة ترديد
مطالب عابثة ، لمجرد تصور تحقيق مكاسب طائفية ، هي من الأمور التي تكشف حال "
التربص " والمكيدة ، وهي خاسرة على المدى البعيد ، مهما ظن أصحابها أنهم
ينجحون في " ابتزاز " الوطن ، وخذ مثالا على ذلك المطلب المدهش بفتح
أبواب جامعة الأزهر أمام الأقباط ، رغم أن في مصر عشرات الجامعات الأخرى ، ولكن
التحرش يصل مداه إلى حد التحرش بجامعة الأزهر ، وهي رمز إسلامي عريق ، ويتساءلون
ببراءة : لماذا تمنع عن الأقباط ، وبطبيعة الحال عندما يدخلها قبطي فإن المطلب
التالي هو تغيير مناهجها بحيث تدرس الكتاب المقدس مع القرآن والسنة ، هل هناك عبث
أبعد من ذلك ، وعندما يدركون فجاجة منطقهم يتحدثون عن أنها تمول من الضرائب ، وهي
من الأقباط والمسلمين معا ، ونسوا أن الأزهر وملحقاته يمتلك ثلث أراضي مصر
الزراعية وقفا منهوبا ، وما تقدمه الدولة من فتات للأزهر هو محاولة لإسكات المطالب
المتزايدة باستعادة الأزهر لحقوقه والتي تقدر اليوم بمئات المليارات لو استعادها ،
أصوات الفتنة تعرف أن الكنيسة استردت أوقافها ولكنها لم تتنبه إلى أهمية أن تسأل
الدولة : لماذا لم يسترد المسلمون أيضا أوقافهم ، فأعين الطائفية حولاء ، لا تبصر
الحقائق أصلا .
وخذ مثالا آخر ، وهو
المطالبة بحذف " الديانة " من بطاقات الهوية ، وهو مطلب تحرشي آخر ، لأن
تحديد الديانة في وثيقة الهوية مرتبط بأحكام الأحوال الشخصية بشكل أساس ، من
الزواج والطلاق والمواريث والدفن ونحو ذلك ، فهل سيستريح الأقباط إذا أتت سيدة
قبطية متزوجة تطلب الطلاق للضرر مثلا ، أو رجل قبطي يريد الزواج بثانية ، أو أن
يدفن قبطي في مدافن المسلمين أو غير ذلك من الارباكات التي يسببها هذا الحذف ، أما
إذا كان الأمر ـ كما يروجون ـ بأنه يتصل بالوظائف المهمة فإن هذه النواحي ـ كما
يعلم الكافة ـ يتم فيها إجراء بحث سواء كان مسلما أو مسيحيا يشمل الوضع الاجتماعي
والأسري والأقارب أحيانا من الدرجة الثالثة ، ثم إن الأمر المحير أنه في الوقت
الذي يطالبون فيه بإخفاء صفة الشخص الدينية من بطاقة الهوية ، نجد أوسع حملة في
الأوساط الكنسية لوضع الإشارات الدالة على الديانة في السيارات والمحلات التجارية
وحتى على الأجساد ، حيث انتشرت ظاهرة دق الصليب على المعصم بصورة لا سابق لها في
المجتمع المصري ، وأظن أنه قبل المطالبة بإزالة صفة الديانة عن الأوراق الرسمية
ينبغي أن نبدأ بإزالتها من فوق الأجساد الحية .
( 9 )
كذلك هناك " الشغب
" المتزايد مؤخرا حول قضية النص الدستوري الذي يقول بأن مصر دولة إسلامية وأن
الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع ، رغم أن هذا تحصيل حاصل واقعي ، لأن
مصر منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام وهي دولة إسلامية مدنية يعيش جميع الطوائف في
كنفها بأمن وعدل واستقرار ، بل إن هناك شهادات من رأس الكنيسة المصرية ذاتها حول
هذه النقطة والاعتراف بها والترحيب أيضا ، ودع عنك ـ بداية ـ ما كتبه عدد كبير من
أساتذة القانون الأقباط من دراسات وبحوث ـ منها رسائل جامعية ـ في تزكية الشريعة
الإسلامية وفقه معاملاتها , وتفضيلها على القانون الوضعي الغربي.
فإن للبابا شنودة
الثالث نفسه موقفًا مُعلنًا يرحب فيه بتطبيق الشريعة الإسلامية على كل الشعب
المصري وفيه يقول : "إن الأقباط في ظل حكم الشريعة يكونون أسعد حالا وأكثر
أمنًا , ولقد كانوا كذلك في الماضي , حينما كان حكم الشريعة هو السائد .. نحن نتوق
إلى أن نعيش في ظل "لهم ما لنا وعليهم وما علينا" . إن مصر تجلب
القوانين من الخارج حتى الآن , وتطبقها علينا , ونحن ليس عندنا ما في الإسلام من
قوانين مُفصلة , فكيف نرضى بالقوانين المجلوبة ولا نرضى بقوانين الإسلام ؟"(
(الأهرام) في 6 مارس سنة 1985 م) .
والأنبا موسى ـ الأسقف
العام , وأسقف الشباب ـ هو القائل : "نحن مصريون عرقًا , ولكن الثقافة
الإسلامية هي السائدة الآن .. وأي قبطي يحمل في الكثير من حديثه تعبيرات إسلامية ,
يتحدث بها ببساطة ودون شعور بأنها دخيلة , بل هي جزء من مكوناته ..ومصر دائمًا
دولة مسلمة ومتدينة , ولكن بدون تَطرف"( د/ سعد الدين إبراهيم (الملل والنحل
والأعراق) ص 529 ـ 534 طبعة القاهرة سنة 1990) .
والأنبا يوحنا قلتة ـ
نائب بطريرك الأقباط الكاثوليك في مصر ـ هو القائل : أنا مسلم ثقافة مائة في
المائة .. أنا مسيحي دينًا , وعضو في الحضارة الإسلامية .. فكلنا مسلمون حضارة
وثقافة , وإنه يُشرفني وأفتخر أنني مسيحي عربي أعيش في حضارة إسلامية , وفي بلد
إسلامي , وأساهم وأبني , مع جميع المواطنين , هذه الحضارة الرائعة .."( وقائع
ندوة "أثر البُعد الديني في الاشتراك في العمل العام" ـ فندق الحرية ت
مصر الجديدة ـ في 9/ 11 / 1991 م ـ وانظر كتاب الدكتور محمد عمارة (الإسلام والسياسة) ص 151ـ 152 , طبعة القاهرة
سنة 1997).
ومكرم عبيد باشا .. هو
القائل : "نحن مسلمون وطنًا , ونصارى دينًا , اللهم اجعلنا نحن المسلمين لك ,
وللوطن أنصارًا , واللهم اجعلنا نحن نصارى لك , وللوطن مسلمين"( راجع صحيفة (الوفد)
في 21/ 1/ 1993 م).
والدكتور غالي شكري ,
هو القائل : "إن الحضارة الإسلامية هي الانتماء الأساسي لأقباط مصر , ولكافة
المواطنين .. فلقد ورثت كل ما سبقها من حضارات , وأصبحت هي الانتماء الأساس , والذي
بدونه يصبح المواطن في ضياع مُطلق .. إننا ننتمي ـ كعرب من مصر ـ إلى الإسلام
الحضاري والثقافي , وهذا الانتماء لا يتعارض مطلقًا مع العقيدة الدينية ؛ لأن
الإسلام وحد العرب , وكان عامل توحيد للشعوب والقبائل والمذاهب والعقائد .."(
صحيفة (الوفد) في 21/ 1/ 1993 م) .
فما الذي استجد أيها
الأصحاب ؟ وما الذي غير لغة قداسة البابا وأفكاره ؟ هل هي حسابات السياسة
وانتهازيتها ، أم هي مصداقية رجل الدين وأمانته .
( 10 )
أيضا هناك الحديث
العاطفي المتكرر عن مصطلح أهل الذمة ، رغم أنه تحول منذ زمان طويل إلى مصطلح مدرسي
تاريخي غير قائم في العلاقات السياسية والاجتماعية الحالية ، ومع ذلك يتم الإلحاح
عليه من قبيل استدرار الشفقة وإشاعة الإحساس بالاضطهاد ، ورغم أن هذا المصطلح في
الأصل ، شهادة فخر على تحضر الشريعة الإسلامية وإنسانيتها ، إن مصطلح "أهل
الذمة" ـ في الأساس ـ مصطلح قانوني
وليد الحضارة الإسلامية للتعبير عن "المواطن الذي يَدين بغير دين الإسلام"
, فلا يوجد أصلاً تعارُض بين وصف المواطنة , وبين وصف "أهل الذمة" , بل
كان هذا الوصف تكريماً لمن يَدينون بدين أصله سماوي , تمييزاً لهم عن الوثنيين
والمجوس ومَن شابههم ؛ فوصف "الذمي" هو صفة إضافة تمييزية , تماماً كما
تقول "مواطن قبطي" , فهي مجرد صفة مكملة , وليست مناقضة للمواطنة , وهناك
أبحاث نشرها العلامة أبو الأعلى المودودي منذ أكثر من نصف قرن تتحدث عن "المواطنون
الذميون" , ولعل هذا يصوِّب بعض الخلل الذي وقع فيه - مع الأسف - بعض
الكُتَّاب مسلمين وأقباطاً ، غابت عنهم
قصة "المصطلح" ونشأته ودلالاته القانونية والشرعية
وأيضا من المغالطات
الشائعة ترداد حكاية " الخط الهمايوني " والذي أصدره السلطان العثماني
لتنظيم بناء الكنائس والأديرة ، وهو المرسوم الذي ظلت الدولة المصرية تعتمد عليه
حتى وقت قريب ، وهو الذي يجعل قرارات البناء والترميم لأصحاب الملل في معابدهم
تخضع لقرار رأس الدولة ، وقد شنع المتطرفون الأقباط وبعض الجهلة في " دكاكين التمويل الأمريكي " على هذا
المرسوم ، رغم أنه من معالم فخر الدولة العثمانية ، وقد نشرنا في المنار الجديد
النص الكامل للمرسوم المسمى الهيمايوني " السلطاني " والذي يتجاهله أو
يجهله الكثيرون أن هذا المرسوم قد صدر أساسا من باب المجاملة والحماية لاقباط مصر
، وبطلب ملح ومتكرر منهم ، وبعد استغاثات للكهنة والوجهاء الأقباط في مصر إلى
الباب العالي لحمايتهم من الغزو الكنسي الكاثوليكي والبروتستاني الذي انتشر في مصر
انتشار النار في الهشيم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، وأصبحت الكنيسة
الأرثوذكسية المصرية مهددة بالانقراض بعد تحول أعداد كبيرة من أتباعها إلى
الكاثوليكية والبروتستانتية ، وللمعلومية ما زالت هذه المخاوف تقض مضاجع الكنيسة
المصرية وفي خاطرها دائما واقعة الأب دانيال البراموسي الذي انشق عنها ومعه عشرة
آلاف قبطي تحولوا جميعا إلى الكاثوليكية، المهم أنه بعد أن بدأت قوات الغزو
الأجنبي في تعزيز ودعم بناء الكنائس الأخرى ، استغاث أقباط مصر بالباب العالي
وناشدوه وقف بناء مثل هذه الكنائس وحظر البناء أو الترميم إلا وفق شروط مشددة ،
فاستجاب الباب العالي بعد إلحاح كبير ، وعندما صدر هذا القرار اعتبرته الكنيسة
المصرية عيدا ويوما تاريخيا ، فأتى الجهلة والمرجفون اليوم يتندرون على " الخط
الهمايوني " ، ويبدو أن طرافة التعبير وغرابة وقعه يأسر البعض فيردده
كالببغاء دون أي وعي بمسار التاريخ ودوافع صدور القرارات ، وعلى مدار التاريخ
الحديث كانت الدولة المصرية تتساهل مع أتباع الكنيسة المرقصية تحديدا في هذا
الموضوع ، الأمر الذي جعل نسبة بناء الكنائس لعدد الأقباط تفوق نسبة بناء المساجد
لعدد المسلمين ، وهم غالبية أهل البلاد ، فحسب التقرير الاستراتيجي للأهرام العام 1999
، فإن هناك كنيسة لكل سبعة عشر ألف قبطي ، بالمقابل هناك مسجد لكل ثمانية عشر مسلم
، ولهذا السبب تحديدا يهرب البابا في كل حواراته الصحفية المنشورة من الإجابة عن
السؤال عن عدد الكنائس في مصر ، ويدعي أنه لا يحصيها ولا يعلم عددها ، في حين تجده
يذكر الإحصائيات الكاملة للكنائس المصرية في الخارج ، وهي مراوغة لها دلالاتها
الواضحة في هذا الشأن ، كما أن مطالب بناء الكنائس في السنوات الأخيرة تحولت إلى "
هوس طائفي " صريح يهدف إلى مجرد تنصير المعالم ، دون أي حاجة إلى " دار
للعبادة " ، فتجد الكنائس تقام بارتفاعات شاهقة على رؤوس الطرق الكبرى
والمواقع المتميزة مثل محطات القطارات ومحطات الإذاعة ومداخل المدن ، رغم عدم وجود
شخصين فقط أقباط في المكان المقام فيه الكنيسة ، ولا أظن أن التعامل مع بناء
الكنائس على طريقة " رفع الأعلام " يمكن أن يعطي انطباعات آمنة لدى
الطرف الآخر ، ولعله لهذا السبب ترتبط دائما عمليات البناء الجديدة بحوادث عنف
طائفية ، فالمسألة في النهاية ـ كما قال جمال أسعد عبد الملاك ـ قضية اجتماعية
وأمنية وليست قضية عبادة أو حاجة دينية .
( 11 )
والحديث عن " النصيب
القبطي " في مؤسسات الدولة والجيش والأمن كلام بالغ السخف ، وإن أية مقارنة بسيطة بين وضْع الأقباط في مصر
, ووضع أية طائفة أخرى في مجتمع آخر - حتى المجتمعات الغربية ـ أوروبا وأمريكا - تؤكد - بما لا يدَع مجالاً
للشك - أن تلك الأحاديث التي يرددها بعض الأقباط عن "مطالب مهدرة , هي نوع من
"الدَّلال" الطائفي في غير مكانه ولا زمانه , بل إن المقارنة لَتثبت أن
الأقباط في مصر "طائفة مميزة" , أو بتعبير أدق , هم جزء من نسيج الوطن ,
وهذه بالفعل خصوصية مصرية رائعة , ولو نظر
المرتزقة من أقباط المهجر إلى البلد الذي يشنون منه الأكاذيب على مصر ،
أعني أمريكا ، وقارنْوا وضْع الأقليات أو الطوائف هناك بأوضاع الأقباط هنا في مصر
لاستبانت الحقيقة صارخة.
لقد كان العجب يأخذ
منا مأخذه عندما نجد أن الإسلام - وهو ثاني دين في أمريكا يدين به مواطنوها حوالي
عشرة ملايين - يظل منبوذاً أتباعه من أي منصب مرموق في الإدارة الأمريكية , وكان
مدهشاً أن الولايات المتحدة - التي تعطي للعالم دروساً في خطورة ولا أخلاقية
اضطهاد الأقليات الدينية والعرقية - تقوم هي نفسها باضطهاد الأقليات المسلمة على
أراضيها , من أبنائها ومواطنيها , وكان مثيراً للدهشة أن حوالي عشرة ملايين مسلم أمريكي
لا يمثلهم أي وزير في الإدارة الأمريكية , منذ نشأة أمريكا وإلى اليوم , بل إن
هناك من التقاليد الشائعة في الديبلوماسية ما تجعل الدول تختار عادة سفيراً مسلماً
ليمثلها في الدول الإسلامية , إلا أن أمريكا , ومعها الكثير - إن لم نقُل كل - العالم
الغربي لا تعترف بهذه التقاليد الديبلوماسية , وحتى الآن لا يوجد سفير مسلم واحد
لأمريكا في بلد مسلم , ولا في العالم , قبل المحظوظ "عثمان صِدِّيقي" , الذي
عيَّنوه مؤخراً لكي يكون سفيراً لأمريكا في دولة "مجهولة" - عند أمثالي
على الأقل - وتُدعى "توفالو" , واعتبرتها الدوائر الديبلوماسية "سابقة
تاريخية" ! , ولا يوجد أي مسلم في الوظائف العليا في أمريكا , ولا في قيادات
الجيش - رغم آلاف المسلمين العاملين في الجيش الأمريكي - ولا يوجد أي مسلم في
قيادات الأجهزة الأمنية المختلفة , بل إن الإدارة عندما أرادت تشكيل لجنة خاصة
بمكافحة الإرهاب تابعة للكونجرس الأمريكي - وتم ترشيح مسلم واحد في هذه اللجنة "الهامشية"
- قامت الدنيا , ولم تقعد هناك , حتى استبعدوه , ثم أرادوا معالجة حالة الغضب فتم
اختيار سيدة مسيحية عربية الأصل متزوجة من يهودي أمريكي ! .
والطريف أنه تم في
أمريكا مؤخراً استصدار تشريع يبيح للإدارة الأمريكية التدخل لمعاقبة الدول التي
تسيء إلى الأقليات الدينية فيها , وقد استغل بعض المتطرفين من أقباط مصر - على
سبيل المثال - هذا القانون وشنوا حملة واسعة النطاق على الشعب المصري نفسه , والحكومة
المصرية , متهمين الجميع بممارسة اضطهاد الأقباط المسيحيين , والدليل على ذلك أنه
لا يوجد أكثر من ثلاثة وزراء فقط من الأقباط ! , وأن عدد قيادات الجيش من
المسيحيين قليلة , وكذلك قيادات الشرطة والأمن , وهذا الكلام يصبح نكتة إذا ما
قارنه القارئ بما قدمنا عن وضع الأقلية المسلمة في المجتمع الأمريكي نفسه , رغم أن
نسبة المسلمين في أمريكا هي ذاتها - على وجه التقريب - نسبة المسيحيين في مصر 5% ،
6% على الترتيب , والأمر ليس مقصوراً على أمريكا وحدها , بل العالم الغربي كله , وانظر
إلى أوضاع "المواطنين" المسلمين في بريطانيا , أو فرنسا , أو ألمانيا , وفي
كل واحدة منها عدة ملايين من المواطنين المسلمين , ثم ابحث معي عن عدد الوزراء
والسفراء والقادة والنواب من المسلمين في كل بلد مما تقدم , ولعلنا نذكر أن سفيراً
واحداً لألمانيا أعلن إسلامه ؛ فقامت عليه الدنيا , ولم تقعد , حتى اضطروه إلى
تقديم استقالته في النهاية , وكان الرأي العام الألماني يستبشع - علانية وعبر
الصحف والإذاعات المرئية المسموعة - أن يكون سفير ألمانيا رجلاً يؤمن بالقرآن ! , وما
زالت محنة "مراد هوفمان" شاهدة على حال الإسلام والمسلمين في المواطنة
الغربية ، وعندما تحدث وزير ألماني بأنه لا بد من جعل يوم العيد إجازة رسمية
للمواطنين المسلمين هاجت عليه الدنيا واتهمته بعض الصحف بالجنون .
وإذا دخلنا في
التفاصيل قليلا ، هل يمكن أن نستعلم من " أصحاب دعاوى الحصص " كم كرسي
في البرلمان يمنح لأتباع الكنيسة المرقصية وكم كرسي للكاثوليك وكم كرسي للإنجيليين
والبروتستانت ، وكذلك كم ضابط وجندي وكم موظف ، ووفق أي نسب سيتم توزيع الحصص
المسيحية المنتظرة ، أرأيتم كيف يكون الأمر سخيفا عند محاكمة العقل الصريح والحس
الوطني الأمين .
( 12 )
إن العنف الطائفي
الحقيقي الذي وقع في مصر ـ مع الأسف ـ ارتكبته الكنيسة الأرثوذكسية المصرية ضد
المختلفين معها ، والتاريخ شاهد على مواقف البابا شنودة الثالث - بابا الأقباط في
مصر - من إصداره قرارات الحرمان العنيفة والمرعبة ضد مَن يختلفون معه من أبناء
طائفته ذاتها , وإلى الحد الذي يُصدر فيه القرارات الصارمة بطرد المخالفين له من
الكنائس , وعدم الصلاة عليهم عند موتهم , أو المشي في جنازتهم , وكان آخر ضحايا
هذا السلوك القس "إبراهيم عبد السيد" , وهو رجل دين مسيحي قبطي أرثوذكسي
, كل خطيئته أنه اختلف مع البابا في أسلوب إدارة الكنيسة وطالب بالشفافية في إدارة
أموال الكنيسة ؛ فتعرض للعقوبات الرهيبة والانتباذ , وكانت مأساة مروعة أن أسرته
راحت تدور بجثته على الكنائس فترفض الواحدة بعد الأخرى أن تفتح لجثمانه , أو أن
تصلي عليه , بل إن قساوسة إحدى الطوائف المسيحية الأخرى - الطائفة الإنجيلية - عندما
عرضوا أن يصلُّوا عليه في كنيستهم وصلهم التهديد الصريح بأن هذا سوف يؤدي إلى فتنة
عمياء بين الطوائف , ولم يكن القس "إبراهيم عبد السيد" هو الوحيد الذي
تعرض لهذه العقوبات المروعة والقاسية , بل قبله الكثير من أبناء الأقباط أنفسهم - عاديين
ورجال دين - ممن اختلفوا - مجرد اختلاف - مع البابا , ونذكر - على سبيل المثال - بالقس
دانيال وديع , والأستاذ "موسى صبري" الكاتب الصحفي القبطي , الذي كشف عن
تورط الكنيسة وقتها في أقوال وتحركات من شأنها تدمير الوطن وإشعاله , وكتب مقاله
المشهور "اللاعبون بالنار" , هل تعرفون مَن هم "اللاعبون بالنار"
الذين عناهم الكاتب القبطي المسيحي "موسى صبري" ؟ أرجو أن يعود العقلاء من أقباط الوطن إلى هذا
المقال ؛ فهو مفيد لتنشيط الذاكرة , وتطبيب النفوس , وممن عُوقبوا أيضاً الدكتور "طلعت
يونان" , وأيضاً الباحث القبطي الكبير الدكتور "نظمي لوقا , لقد كتب الباحث المسيحي القبطي "نظمي لوقا"
كتاباً يتحدث - بموضوعية وإجلال - عن نبي الإسلام بعنوان "محمد الرسالة
والرسول" , فماذا فعل فيه البابا شنودة ؛ لقد طرده شر طردة , وحرَّم الصلاة
عليه في كنائسه , ودارت أرملته - الكاتبة "صوفي عبد الله" - على الكنائس
دون فائدة , هل يمكن أن نسمي هذا العنف المروع بأنه " تسامح ديني " ؟
وهل يمكن مقارنة مثل هذه القسوة الرهيبة بما يقال عن أن المسلمين لا يعتبرون
الأقباط من أصحاب الجنة ؟! ، وإذا كان هذا ما يحدث مع قساوسة كبار وكتاب ومفكرين ،
فهل يمكن أن يطمئن مصري على وضع المواطنة " المسكينة " وفاء قسطنطين وقد
وقعت الآن فريسة هذا التعصب المروع والعنف الكنسي الرهيب ، كان الله في عونها .
( 13 )
أيضا من الادعاءات
السخيفة الحديث عن إخفاء العدد الحقيقي للأقباط في مصر ، وقد بدأت موجة من
المزايدات المضحكة تقترب الآن لكي تجعل من الأقباط عشرين مليونا ، طالما أن العقل
في غيبة ، ورغم أن الدراسات العلمية الصادرة مؤخرا من باحثين مسيحيين لبنانيين
تتحدث عن تعداد مسيحيي العالم العربي كله من المحيط إلى الخليج بأقل من عشرة
ملايين، ورغم أن جميع الإحصائيات الرسمية المصرية منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى
الإحصاء المعلن الأخير عام 1986 تؤكد على أن نسبة الأقباط من عدد سكان مصر شبه
ثابتة ، وتتراوح حول 6% ، وللأمانة فإن
منع إعلان الدولة للأرقام الإحصائية للسكان في العقد الأخير هو نوع من المجاملة
للكنيسة المصرية ورفع الإحساس بمعنى الأقلية ، والتأكيد على أن النسيج الاجتماعي
لا يعرف التعداد على أساس ديني ، أما إذا كنا نريد الأرقام المعلنة حسب الإحصائيات
الرسمية ، فيمكننا أن نأخذ إحصائين على سبيل التمثيل ليس أكثر ، وهما إحصاء 1947 ،
و1986 .
الإحصاء السكاني
الأول ، والذي نظم في أول يونيه 1897 تحت إشراف المستر " ألبرت بوانه " المستشار
المالي البريطاني ، بلغ مجموع سكان مصر 9،734،405 ، عدد المسلمين فيهم : 8،977،702
، بنسبة 92،23% والباقي من المسيحيين واليهود بمن فيهم مسيحيون غير مصريين
وكاثوليك وبروتستانت .
الإحصاء السكاني
الرابع ، الذي تم بتاريخ 9 يناير 1927 ، وأشرف عليه " حنين بك حنين " مراقب مصلحة الإحصاء ( وهو قبطي مصري أرثوذكسي )
، وقد بلغت جملة سكان مصر 14،177،864 ، تعداد غير المسلمين فيهم بلغ 1،181،910 ،
وذلك بنسبة تصل إلى 8،33% ، شاملا اليهود والكاثوليك والبروتستانت وآخرين .
التعداد السكاني لعام
1960 ، بلغ عدد سكان مصر 25،184،106 ، عدد المسلمين فيهم 24،068،252 ، وبلغ مجموع
الطوائف المسيحية 1،905،182 ، أي أن نسبة الطوائف المسيحية كانت 7،33% ، وحدد
الإحصاء نسبة الأقباط الأرثوذكس فيهم 6،49% .
وفي التعداد الذي تم
في العام 1976 ، وصل عدد سكان مصر إلى 36،651،180
، منهم 2،315،560 من غير المسلمين ، أي
بنسبة 6،32% ، نسبة الأقباط الأرثوذكس كانت 5،68%
أما التقرير السكاني
الرسمي لعام ، 1986، وهو آخر إحصاء معلن
، فقد أوضح أن عدد أقباط مصر 2.774 مليون ,(
العدد الكلي للسكان حوالي ثمانية وأربعين مليون نسمة ) يتوزعون إلى 1.378 مليون
أنثى , و1.396 مليون ذكر ، وهذا يشمل الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت وقرابة
أربعين ملة كنسية أخرى ؛ لكل ملة منها طقوسها العقدية الخاصة , وقانون إيمانها , وشكل
صليبها , وطريقة بناء كنيستها , والتماثيل التي تُنحت للعبادة أو العظة , واسم
رئاسة الكنيسة ,والرتب والمناصب اللاهوتية , وعدد الصلوات , والقداديس (جمع قُدَّاس)
والتراتيل والموسيقى والأعياد ونصوص الكتاب المقدس , بل والأسرار الكنسية , والتاريخ
الزمني والجغرافي المعتمد .
وباعتماد هذه النسبة
شبه الثابتة لتعداد الأقباط بالنسبة لعدد سكان مصر ، وهي 6% ، وباعتبار عدد سكان
مصر الآن قرابة خمسة وسبعين مليون نسمة ، فإن تعداد أقباط مصر الآن هو : أربعة ونصف مليون نسمة .
راجع د. محمد مورو "
يا أقباط مصر انتبهوا " الصفحات 15 ـ 21
والحقيقة إنه لأمر
مزعج أن يضطر الكاتب إلى إثبات مثل هذه الإحصائيات ، ولكن ماذا نفعل وقد ألجأونا
إليها ، ويبقى التساؤل : هل ترداد مثل هذا الحديث عن نسبة متكلفة لأعداد الأقباط
والمزايدة الكاذبة فيها ، هل هو مما يؤسس لتلاحم وطني ، أم أنه مما يؤسس لوعي
طائفي مضاد ، وينبه الغافل ، ويمزق الأواصر التاريخية.
( 14 )
إنه لا بد من التأكيد
على أن معالجة مشكلة التطرف القبطي لا يمكن أن تحدث وفق التوجيه الشخصي أو
الاحتواء بالعلاقات ذات الطابع الشخصي بين شخصيات سياسية وأخرى كنسية ، وإنما الحل
يكون بضبط العلاقة وفق تصور مؤسسي ، لا بد أن تكون هناك قواعد مقننة تحدد مكانة
الكنيسة في الإطار السياسي والمؤسسي للدولة ، والقواعد المنظمة لهذه العلاقة مع
المؤسسات المختلفة ، بما فيها المؤسسة الأمنية والقضاء والأجهزة المتخصصة كالجهاز
المركزي للمحاسبات المنوط به مراجعة أموال المؤسسات المصرية والتحقق من شفافية
معاملاتها المالية وغير ذلك ، إن ضبط العلاقة وفق بنية مؤسسية هو الضمان لضبط أي
انفلات ، والضمان لتحقيق العدالة المنزهة عن رغبات الأشخاص ، لا بد من تحديد
قانوني ومؤسسي لدور كرسي البابا وحدوده ، وتحديد قانوني واضح يضبط عمليات بناء دور
العبادة ، كما ينبغي إنهاء مرحلة الغموض في أوضاع الكنيسة المصرية وخاصة الأديرة ،
ولا بد من وجود إشراف كامل للدولة عليها بوصفها منشآت مصرية وطنية قبل كل شيئ ،
تخضع للرقابة المالية كما تخضع للرقابة الصحية والاجتماعية ، كما تخضع لإشراف
القضاء وحكمه ، كما تخضع للإشراف الأمني وفق ضوابط قانونية ، هذا على الصعيد
الرسمي ، ثم إن الكنائس والأديرة مطلوب منها أن تكون أكثر انفتاحا على المجتمع
الأهلي من خلال التواصل مع الجامعات والمنظمات والهيئات المختلفة ، وفتح أبوابها
للزائرين بدون أية حساسيات وكشف حساباتها وموازناتها المالية ومصادر دخلها ، إن
حوارات صحفية أجريت مع رجال دين أقباط بعد مطالب بعض المثقفين بتفتيش الأديرة ،
ذهبت إلى نفي وجود أسلحة داخل الأديرة ، رغم أن البيان المشار إليه لم يذكر
الأسلحة من قريب أو بعيد ، وإنما الأمر ـ فيما يبدو ـ إدراك من رجال الدين الأقباط
للإشاعات والأقاويل التي تتردد في هذا الصدد ، فهم واعون بما يقال ، وأنا ـ على
المستوى الشخصي ـ لا أصدق ذلك أصلا ، ولكن من المهم أن ترفع الكنيسة الشبهات وتكشف
الأوهام التي تروج في هذا الشأن من خلال انفتاحها على المجتمع وتواصلها مع
فعالياته المختلفة ، فهذا وحده الكفيل بإنهاء هذه الأقاويل ودحضها أما مجرد
التكذيب والدفاع " النظري " فأظن أنه سيعزز من هذه الشائعات والوساوس
ويوسع من نطاقها ، ثم لماذا هذا التوتر الشديد من قبل الدوائر الكنسية من مطالب
تفتيش الأديرة ، وإخضاعها لرقابة الدولة ومؤسساتها ، طالما أنه ليس لدينا ما نخفيه
.
( 15 )
الذي لا شك فيه أن
ثمة تراكمات في النظام السياسي المصري ساهمت ـ بصورة أو أخرى ـ إلى تفاقم التطرف
القبطي ، وأدت أيضا إلى تعاظم دور الكنيسة وتمحور الأقباط حولها من دون الدولة
ومؤسساتها السياسية ، الأمر الذي أغرى البعض من رجال الدين بتقمص دور الزعامات
السياسية ، في وقت لم يعد العالم كله مستعدا لقبول مثل هذه النزعات المتطرفة ،
وذلك أن غياب فرص المشاركة السياسية الحقيقية والجادة للمسلمين والأقباط على حد
سواء ، وتهميش الهامش الديمقراطي ، وضعف الآليات المتاحة للجدل السياسي ، والحصار
الإعلامي ، وتأميم النقابات المهنية لسنوات طويلة ، وانتشار قيم المحسوبية والفساد
في الوظائف العامة ، كل ذلك جعل المواطن يبتعد عن المشاركة ، إن حل المشكل القبطي
لن يكون إلا بحل المشكل الديمقراطي كله ، وإعادة الحيوية والأمل للشعب المصري
بكامله ، وإتاحة الفرصة أمام الجميع للمشاركة في بناء وطن ناهض ينعم فيه أبناؤه
بالكرامة والعدالة والأمن ، هذا هو المدخل الحقيقي الجاد والوحيد لحل هموم مصر
ووضع أقدامها على طريق المستقبل المأمول ، وهذا هو الطريق .