خرائط الطرق
بقلم : عبدالرزاق
عمري
خرائط الطرق
الامبريالية كثيرة. والمعلن عنها حتى الان هي إحدى هذه الخرائط والمتعلقة فقط
بازاحة القضية الفلسطينية من الطريق وشطبها من المعجمين العربي والدولي بغرض
التمادي في اغتصاب ما تبقى من الارض والكرامة العربية "وتطبيق الخرائط
غيرالمعلنة- وهي أخطر" تحت شعارات ملفقة مثل "تطبيق الديمقراطية" بصيغتها
ومفهومها الامبريالي.
فالقضية الفلسطينية
واعبائها وكلفتها (وبعد تسلم محمود عباس مفاتيح القرار الفلسطيني والذي وعد بسحق
الانتفاضة وانهاء كافة اشكال المقاومة) اصبحت بالمفهوم الامبريالي لا تتعدى
ميزانية مدرسة ثانوية في اي مدينة امريكية. هذا الشطب والازاحة هو ما سعت وتسعى
اليه الادارات الامريكية المتعاقبة منذ ادارة "ترومان" في اربعينات
القرن الماضي.
فتشتيت الشعب
الفلسطيني وبناء الدولة الصهيونية على ارضة، لم يكن قراراً او حتى طلباً صهيونياً.
بل كان عرضا استعماريا على صحفي يهودي وعد بالدعم الاستعماري اذا ما إستطاع جمع
اصوات يهودية تنادي "بارض الميعاد"، نفس الاصوات التي حلم واخفق في
تحقيقها "نابليون بونابرت".
وعلية، فان خرائط
الطرق هذه وجدت منذ اطلالة راس المال وحربتة الاستعمارية. ولكن الملاحظ
دائما، قصر الذاكرة الرسمية العربية او
التعمد بالتعامل مع المبادرات والاحداث كمتغيرات اساسية واهمال الاساسيات والثوابت
في خارطة الصراع العربي ـ الامبريالي. فكثيرا ما اقتيد الشعب العربي وحتى طلائعة
الوطنية للتعامل مع الاحداث بواقعها الآني دون ربطها بمرجعها وشموليتها
الاستراتيجية مما يسهل خلق حالة البلبلة وعدم الوضوح. وبمرور الزمن تصبح تلك المتغيرات قنابل دخانية
من الممكن نضل بسببها الطريق. وهذاعلى العكس من النقيض الامبريالي الحالم والحامل
في جعبتة خارطة متكاملة يطبق فحواها نقطة تلو نقطة.
فالاستراتيجي
الامبريالي، ورغم التفتت العربي، يرى الخارطة العربية وحدة واحدة ويعي تماما تكامل
وحدتها الاقتصادية والجغرافية والتاريخية والثقافية والعرقية. وعلية، فلقد بات
تفتيت هذة الوحدة وابقائها في حالة التنابذ والتشرذم وعدم الاستقرار الضرورة
الملحة في سلم اولويات اجندتة. ولقد تحقق هذا الهدف في غضون الحرب الاستعمارية
الاولى (1914 ـ 1918) من خلال معاهدة سايكس بيكو (1916) حيث تم تقاسم الارض
العربية بين اقطاب الاستعمار انذاك واقر خلق الشرخ الصهيوني في قلب هذة الامة في
فلسطين. ومنذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا لم تتغير الخارطة الامبريالية في المنطقة
وما زالت الامبريالية تطورها وتدعمها باتفاقيات واحلاف ومبادرات لتتناسب مع
المتغيرات الدولية في موازين القوى والاقتصاد والتطور الاستعماري الى الامبريالية
والعولمة.
فلا بد من النظرة
الشمولية لما يدور في المنطقة وربط الاحداث بمراجعها الشمولية والاستراتيجية. فما
بين سايكس بيكو وشرم الشيخ قرابة قرن وآلاف الاحداث والتطورات، وكلها ليست
بالمستجدات او بالمتغيرات كما يحلو للبعض نعتها, بل هي وصال من الوسائل والادوات
الهادفة الى غرز الاوتاد وتكريس الثوابت أو الثابت الامبريالي ان صح التعبير.
من خلال هذه النظرة
الشمولية في فهم الصراع العربي ـ الامبريالي، يمكن الوقوف على بعض المحطات
والاحداث الراهنة دون فصلها عن الهدف الاستراتيجي الشمولي الامبريالي والذي هو
ضمان استمرارية النهب الامبريالي لمقدرات المنطقة والحيلولة دون حدوث اي تغير او
تقدم يخدم جماهير المنطقة ويعتقها من الفلك الامبريالي.
فرغم نجاح الاستعمار في تفتيت الارض العربية وغرس
الكيان الصهيوني في قلب هذه الامة لإعاقة وضرب اي حركة تغير وطني في المنطقة،
ونجاح الامبريالية عبر ادواتها الرجعية والصهيونية في تطويع المنطقة واصطفاف
الانظمة العربية طوابيرا للارتماء في الحضن الامريكي، الا ان هذا ليس الهدف
المنشود للامبريالية. وهنا ربما يسأل سائل "ألا يكفي ضمان الانظمة العربية في
القفص الامريكي للطموح الامبريالي" ؟
من المفترض ان يكون الجواب على هكذا تساؤل بالايجاب، ولكن الامبريالية
وبنظرتها الاستراتيجية الشمولية بعيدة المدى، فقد تعلمت دروسا في الهند الصينية
وايران وغيرها. وعليه، لا بد من إغراق المنطقة في حالة الفوضى والتشرذم والتبعية
ولا بد ايضا ان يكون للعسكرية الامبريالية اليد الطولى والاقوى والأضمن للحيلولة دون نجاح اي متغير قد
يهدد استراتيجيتها ومستقبل مصالحها في المنطقة العربية ونخص بالذكر هنا الاقطار
العربية القادرة على الاستمرارية وحماية الذات وقيادة المنطقة في حال تغير الواقع
واستيلاء الجماهير على السلطة. وهذا هو مصدر الرعب الحقيقي للاستراتيجي الامبريالي.
فالجماهير العربية في حالة المخاض لولادة او إستنهاض الفكر القومي. فرغم ما تفوح
به المنطقة من الفكر الطائفي، إلا ان البعد القومي ما زال ركيزة كل التطلعات
التحررية. فالاقطار التي تقع تحت المجهر الامريكي هي:الجزيرة العربية والعراق
وسوريا ومصر.
ففي الجزيرة العربية،
هذا الجزء من الوطن العربي، نجحت الامبريالية في زرع قواعدها العسكرية "المعلنة
والمستترة" القادرة على استيعاب اي متغير هناك. ومع ذلك فما زالت الامبريالية
تنظر، بين الفينة والاخرى، شزرا لنظام آل سعود ليزداد بطشا بجماهير الشعب وقواه
الوطنية.
اما في العراق، فلقد
افتعلت الامبريالية كل المبررارت لاحتلال العراق وتحطيم وحدتة الوطنية وجره إلى
متاهات عرقية وطائفية. وليس استهداف المقدسات الشيعية والسنية والمسيحية الا اعمال
لايادى تعبث في الظلام لخدمة وبتوجيه من
السيد الامبريالي وقواه المحتلة في العراق.
واليوم تتجة ماكنة
الدعاية وعلى ألسنة القيادة العليا في الولايات المتحدة لوضع سوريا في نفس المازق
العراقي واعتبارها قوة احتلال في لبنان لخلق الذرائع والمسببات لضرب سوريا واملاء
وجهة النظر الامبريالية على طبيعة نظام حكمها ووحدتها السياسية والوطنية . وما كان
مقتل الحريري في لبنان الا مقدمة لصراعات على الارض اللبنانية يذكرنا بمقتل معروف
سعد وما تبعة من مشاحنات قادت الى الحرب الطائفية اللبنانية في منتصف سبعينات
القرن الماضي.
اما على الصعيد
المصري، فمصر بقواها الوطنية مصدر قلق ورعب للاستراتيجي الامبريالي. فمصر كما
تراها الامبريالية بركاناً ساكناً، فلئن ثار فسيحرق وسيدمر كل ما زرعتة
الامبريالية. وعلية، فلا بد من ضمان مستقبل الواقع السياسي في مصر والحيلولة دون
انتصار الجماهيرعلى النظام السياسي وخلق حالة من الوعي القومي تذكرهم بالكابوس
الناصري والذي وصل الى كل طفل وكهل في الوطن العربي.