لغز المطبعين الجدد
بقلم: سيد
زهران
في أسبوع واحد تسارعت
عجلة التطبيع العربي مع "إسرائيل"، فيما بدا وكأنه مكافأة فورية لرجل
الحرب والإرهاب بجدارة رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون، عما يتوهم كثيرون
منا أنها خطوات سلام، تبشر بتحوله إلى داعية سلمي، قد تصل إليه جائزة نوبل يوماً
ما، بصرف النظر عن سجله الدامي والملطخ بدماء الضحايا العرب.
لا يخفى على مراقب أن
تسارع عجلة التطبيع هذه المرة، تكرار لمسلسل «الهرولة» العربية باتجاه تأسيس
علاقات تجارية وثقافية وإعلامية مع "إسرائيل"، عقب عودة القيادة
الفلسطينية إلى أريحا، باتفاق «غزة - أريحا» وإقامة السلطة الوطنية الفلسطينية،
وانتظار استكمال الانسحاب العسكري الصهيوني من باقي الأراضي العربية المحتلة في
الضفة الغربية وغزة وتفكيك المستوطنات.
وفي منتصف التسعينيات
في القرن الماضي كان لـ «الهرولة» رغم سذاجتها السياسية مبررات، فعلى رأس حكومة "إسرائيل"
وقتها الداهية السياسية شيمون بيريس، صاحب أطروحة إدماج الكيان الصهيوني في المحيط
العربي والإسلامي، وتحويله إلى قطب إقليمي مهيمن يقود الدول العربية، ويسيطر على
شبكة المال والأعمال والأعمار والاستثمار، والإعلام، والثقافة، وجعل كل الدول
العربية مجرد حدائق خلفية لإسرائيل وسوق اقتصادي، يستهلك، ويكتفي بدور الوكيل،
والمورد للعمالة والمال.
أطروحة بيريس أثمرت
وآتت أكلها، وإن أصابها العطب بعد حين، فلقد انطلق قطار التطبيع على مسار مشروع «الشرق
الأوسط الجديد» و«استضافت أربع عواصم عربية مؤتمرات تحمل عنوانه هي على الترتيب: الدار
البيضاء، القاهرة، عمان، الدوحة. ووصل الأمر ببيريس في لحظة نشوة بانتصاره أن صارح
مسؤولين عرباً وقتها بأن الأوان قد آن لتقود "إسرائيل" العرب، بعد أن
أوصلتهم قيادة مصر إلى هذه الحال...!!
هذه المرة، تتسارع
قاطرة التطبيع، دون مبرر معقول، فالمقابل الذي قدمه شارون على هزاله وخوائه ظل
محلقاً في الفضاء كسراب ولم يستقر على الأرض، بل وسرعان ما تراجع عنه بعد عملية تل
أبيب الملغزة، التي تذكرنا بألغاز عمليات صهيونية ماكرة منها «فضيحة لافون» وتفجير
مكتب الاستعلامات الأميركي بالاسكندرية وداري عرض سينمائي في مطلع الخمسينات من
القرن الماضي.
خطورة خطوات التطبيع
الساذجة والمتعجلة مع "إسرائيل"، قبل تحقيق السلام الشامل والعادل،
والانسحاب من كل الأراضي العربية المحتلة، أنها تأتي في سياق مكافأة لمن لا يستحق،
وتشجيع للمعتدي وتحفيز له على مواصلة العدوان، فضلاً عن انكشاف مكامن الضعف
والترهل العربي، الذي يسوق البعض منا «كالطير يرقص مذبوحاً من الألم»!!.
أقرب مثال على «غفلتنا»
و«خيبتنا» أن رئيس المخابرات الإسرائيلية الجنرال أهارون زئيفي استدعى السفراء
الأجانب في تل أبيب لإبلاغهم بمعلومات عن تورط مزعوم لسوريا في اغتيال رئيس
الوزراء اللبناني رفيق الحريري، وفيما كان يجتمع معهم كانت الفضائيات تبث مباشرة
مظاهرات بيروت الحاشدة، والهتافات ضد سوريا تزلزل بيروت، وهكذا تستفيد "إسرائيل"
«اليقظة» من «غفلة» العرب.