الموقف العربي من العراق ينعكس علي سورية ولبنان

 

 

 

بقلم :د. بشير موسي نافع

 

في صيف 1990، وعلي خلفية توتر كبير في العلاقات العراقية ـ الكويتية، أقدم العراق علي احتلال الكويت وإعلان ضمها. خلال أسابيع قليلة، بدأت حشود عسكرية هائلة من أكثر من ثلاثين دولة، تقودها الولايات المتحدة، تعد العدة لشن الحرب علي العراق وإخراجه بالقوة من الكويت. ما حدث بعد ذلك أصبح جزءاً هاماً من تاريخ العالم والعرب الحديث، إذ لم تؤد أزمة الكويت والحرب اللاحقة إلي إخراج العراق من الإمارة النفطية الصغيرة المجاورة، بل أيضاً إلي فرض حصار طويل ومدمر عليه، تدمير قدراته العسكرية والتقنية، ومن ثم تعرضه لحرب شاملة ثانية واحتلاله وتقويض دولته ووحدته الوطنية. ولكن المهم في هذا التاريخ الذي ما زالت رحاه تدور، انه حتي والجيش العراقي يحتل الكويت ويعلن عودتها للوطن الأم كان بالإمكان حل الأزمة حلاً عربياً، وكان بالإمكان تجنيب العراق والمنطقة حرب 1990ـ1991، وربما تجنب الدمار الذي حاق بالعراق بعد ذلك. ولكن العرب انقسموا علي العراق وأزمة الكويت كما لم ينقسموا من قبل، ولم تحاول أنظمتهم الحاكمة آنذاك ان تري عواقب ذاك الانقسام علي العراق ومصيرهم.

انقسم العرب علي خطوة العراق تجاه الكويت ومعني تلك الخطوة ودلالاتها. وانقسموا علي ضرورة ان يتوصلوا وحدهم، وبمعزل عن القوي الدولية، إلي حل عربي للأزمة يأخذ في الاعتبار استقلال الكويت وشكوي العراق منه. وعندما بدأت الاستعدادات للحرب، انقسم العرب من جديد حول الحرب ذاتها، وانخرطت دول عربية بارزة في التحالف الدولي ضد العراق وشاركت جيوشها بالفعل في الحرب. ولأن أزمة الكويت لم تكن أزمة عابرة، ولأن الانقسام العربي حولها كان انقساماً في الضمير العربي كما هو في السياسة والمصالح العربية، فقد أدي إلي انهيار طويل للنظام العربي استمر لعدة سنوات تالية. وفي ظل هذا الانهيار، مررت قرارات الأمم المتحدة المقيدة للعراق، الذي حوصر كما لم تحاصر دولة من قبل، ودمرت مقدراته والعرب جميعهم يشهدون. وفي ظل هذا الانهيار، مرر اتفاق أوسلو بدون ان تستشار ولو دولة عربية واحدة في مصير القضية التي تشكل مركز النظام العربي منذ تأسست الجامعة العربية. ولم يستطع العرب إعادة لم صفوفهم والنظر في مصالحهم الجماعية من جديد إلا بعد لقاء الاسكندرية في صيف 1995، الذي انبثق عنه المحور المصري ـ السوري ـ السعودي. وحتي عندها، لم تكن عودة التضامن العربي كاملة ولا كانت بالفعالية التي أملت القاهرة ودمشق والرياض في تحقيقها.

وقد شهدت السنوات القليلة الماضية، بالرغم من مظاهر التماسك والانعقاد الدوري السريع لمؤتمر القمة العربية، انقساماً عربياً جديداً. لم يكن هذا الانقسام بالحدة والوضوح الذي كانه انقسام مطلع التسعينات، ولكنه لم يكن أقل منه فداحة وأثراً علي الوضع العربي. كل الدول العربية، ما عدا الكويت، أبدت معارضتها للحرب الثانية علي العراق ولغزوه؛ بل ان الدول التي رشحت لأن تكون قاعدة انطلاق أو مقار قيادة وتحكم للقوات الغازية، حرصت علي الإعلان عن انها أبلغت واشنطن رفضها استخدام أراضيها في العمليات العسكرية. ولكن الحقيقة ان هذه الدول قد استخدمت فعلاً كقواعد انطلاق للقوات الامريكية أو مراكز قيادة للغزو، وان ما أعلن مسبقاً كان موجهاً لاستهلاك الرأي العام العربي وامتصاص الغضب الشعبي الداخلي. عندما بدأت الطائرات الامريكية قصف العراق، بعض الزعماء العرب أرسلوا دعواتهم الحارة للرئيس الامريكي، وآخرون كانوا قد ساهموا مساهمة مباشرة في جمع الأدلة الوهمية علي امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل. لم يكن ذلك بالطبع موقف جميع الدول العربية، إذ ليس هناك من شك، كما في أزمة الكويت، ان عواصم عربية عديدة أدركت مخاطر الانخراط في المخطط الامريكي والآثار طويلة المدي المترتبة علي مشروع الغزو والاحتلال. ولم يتوقف الانقسام العربي علي الفترة السابقة للغزو والاحتلال بل استمرت بعدهما، خاصة فيما يتعلق بشرعية النظام الذي نصب في ظل ادارة بريمر، وما يتعلق قي المقابل بشرعية المقاومة.

وما كان للانقسام العربي الجديد ان يمر بلا نتائج. فالدول العربية، حتي تلك التي أيدت الغزو سراً أو علناً، لا تمارس ولو تأثيراً هامشياً علي الوضع العراقي وتوازنات قواه. الإدارة الامريكية، في الحقيقة، لا تستدعي الدول العربية إلا للمساعدة في اقناع القوي العراقية بالانصياع للتصور الامريكي للعراق الجديد، أو المساهمة المالية في دعم القوي المتحالفة مع الاحتلال. أما الوعود الامريكية ـ البريطانية السابقة بالعمل الجاد علي التوصل لحل عادل للصراع العربي ـ الإسرائيلي، فقد انتهت إلي تعهدات امريكية لحكومة شارون تكاد ترقي إلي وعد بلفور جديد، تعهدات تجهض كل معني للتفاوض حول الحدود والجدار العازل وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة. ولكن المسألة التي تتجلي فيها الآن نتائج الانقسام العربي كما لا تتجلي في أي مسألة أخري هي بلا شك المسألة السورية ـ اللبنانية.

إن أحداً لا يجب ان يكون لديه مجرد شك في أهداف التصعيد الامريكي المتزايد في لبنان. لقد وجدت الولايات المتحدة نفسها بعد قليل من احتلال العراق انها تغرق في مستنقع لا مخرج منه. وأصبح اتهام سورية بزعزعة الأمن في العراق المحتل والتساهل مع المقاومة أحد سياسات مواجهة الأزمة المتفاقمة في العراق، سواء كان القادة الامريكيون يعتقدون فعلاً بدور سوري، أو انهم يستخدمون اتهام سورية كغطاء للأزمة. وكانت سورية، علي أية حال، إحدي الأهداف الرئيسة لمشروع غزو العراق، الأهداف التي أمل مؤدلجو الغزو تحقيقها سياسياً بعد إحراز النصر في العراق. سورية أيضاً هي الحليف الاستراتيجي لإيران، المستهدفة هي الأخري بسبب الترسبات التاريخية للثورة الإيرانية، وبسبب الوضع العراقي، وبسبب السعي لامتلاك التقنية النووية. التصعيد في لبنان ليس مقصوراً علي إخراج القوات السورية وإضعاف النفوذ السوري السياسي في البلد العربي الجار الذي كان دائماً جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية الأمن السوري، بل هو أولي الخطوات الامريكية نحو تقويض النظام السوري وإزاحته. هذا لا يعني بالضرورة غزو سورية ولبنان وتكرار سيناريو الغزو الامريكي للعراق، الذي يبدو من الواضح الآن استحالة تكراره؛ ولكن من الضروري ربما ان نتذكر ان العمل الامريكي علي اسقاط النظام العراقي استمر منذ مطلع التسعينات، وان واشنطن حاولت تحقيق أهدافها في العراق باستخدام طرق مختلفة، شملت الحصار السياسي والاقتصادي، كما شملت الانقلاب العسكري، ثم الحرب السافرة.

كل مأزق يلد آخر، وكل حرب تلد آخري. وبالرغم من الاختلاف البين بين المنطقة العربية ـ الإسلامية وجنوب شرق آسيا، وأننا نعيش زمناً يختلف، إعلاماً وقيماً ونظاماً دولياً، عن الستينات والسبعينات، فثمة ما يغري باستعادة فصول الحرب الامريكية في فيتنام. عندما أرسل الخبراء العسكريون الامريكيون الأوائل إلي فيتنام الجنوبية في مطلع الستينات للمساعدة في مواجهة التمرد الشيوعي، لم يكن أحد في واشنطن يتصور أن الولايات المتحدة ستتورط في حرب دموية طويلة. ولكن هذا ما وقع فعلاً. وقد وجدت الإدارات الامريكية المتعاقبة، وهي تدفع بمزيد من الجنود، ان انسحاباً مبكراً من فيتنام سيكلف الكثير علي مستوي الدور العالمي وتوازنات الحرب الباردة. وكلما ارتفع عدد الجنود الامريكيين كلما ابتعدت إمكانية النصر، وتعاظم الإحساس الامريكي بالمأزق. للخروج من المأزق، بدأت الطائرات الامريكية قصفاً استراتيجياً هائلاً لفيتنام الشمالية، التي كانت تحتضن الثوار الشيوعيين. وعندما فشل الدمار في كسر إرادة الفيتناميين، لجأت الولايات المتحدة إلي توسيع نطاق الحرب لتشمل لاوس وكمبوديا المجاورتين. وقد يقود التصعيد الامريكي في لبنان وسورية وإيران إلي توسيع نطاق الحرب في العراق، بغض النظر عما إن كان توسيع نطاق الحرب نتاج تدبير سياسي أو تداعيات يصعب التحكم في مجرياتها.

الفرنسيون، وبالتالي الكتلة الأوروبية التي عارضت الحرب علي العراق، هم شركاء أصيلون في التصعيد ضد سورية ولبنان؛ بل ان الرئيس الامريكي أقر في مقابلة صحفية مؤخراً ان القرار 1559 كان في مبتدئه فكرة فرنسية. دوافع فرنسا، التي كانت حتي قبل عام فقط تدافع عن الوجود السوري في لبنان، من التصعيد المفاجئ ضد سورية غير واضحة تماماً. قد ترجع هذه الدوافع إلي فقدان امتيازات نفطية كانت تأمل الحصول عليها في سورية، قد ترجع إلي تفاهم ما مع قوي لبنانية سياسية، وقد ترجع إلي اتفاق أميركي ـ فرنسي، أو لكل هذه الأسباب معاً. ولكن الواضح ان الموقف الفرنسي يتبلور في ظل تراجع أميركي عن سياسة التفرد والعودة إلي سياسة المشاركة مع الأوروبيين. هل يعني هذا ان المنطقة العربية ـ الإسلامية إزاء سايكس ـ بيكو جديدة؟ ليس مؤكداً؛ فالاتفاق بين باريس وواشنطن في لبنان لا يشمل بالضرورة الاتفاق في كافة مناطق الخلاف بين الأوروبيين والامريكيين. تسعي باريس، مثلاً، إلي إخراج السوريين من لبنان، ولكنها قد لا تتفق مع سياسة إسقاط النظام السوري، التي أخذ صداها في التردد في العاصمة الامريكية. وقد لا تتفق السياسة الفرنسية مع واشنطن فيما يتعلق بالتعامل مع الملف الإيراني؛ أو حتي مستقبل العراق ومستقبل الدور والمصالح الفرنسية فيه. وربما ما زال هناك القليل من المؤشرات علي ان التدافع الفرنسي ـ الامريكي في شمال إفريقيا قد وصل فعلاً إلي نهاية سعيدة. ثمة تفاهم لا يخفي علي لبنان؛ ولكن الملفات الأخري هي علي الأرجح ملفات عالقة تنتظر مزيداً من المراجعة الامريكية لسياسة التفرد، ومن ثم الإقرار بالدور والوزن الأوروبيين. هذا إن كان هناك في إدارة بوش من يرغب في مواصلة نهج التصالح والتحالف مع أوروبا والذهاب ميلاً آخر في هذا الاتجاه.

بيد ان التفاهم علي لبنان يجب ان يكون كافياً لقرع أجراس الخطر في المنطقة العربية ـ الإسلامية. فالصفقات الدولية تأتي فجأة وبلا مقدمات؛ وقد تظهر نتائجها في الساحات الدولية والأقليمية قبل ان تدرك القوي المستهدفة ان صفقة ما تم التوصل إليها. وينبغي ألا يستبعد علي الإطلاق احتمال ان تغض الدول الأوروبية الرئيسية عن سياسة استهداف النظام السوري نفسه، ودفع المنطقة إلي مزيد من التوتر وعدم الاستقرار. ولكن حتي لو التحق الأوروبيون بهذه السياسة فإن من المستحيل إمضاءها بدون موافقة وتواطؤ عربيين، لا سيما من الدول العربية المعنية بسورية وأمنها، تماماً كما ان سياسة حصار العراق وغزوه كانت مستحيلة التطبيق بدون تعاون عربي فعال. السؤال الذي ينبغي علي العرب سؤاله بعد تجارب العقدين الاخيرين هو أين ستنتهي مثل هذه السياسة، وهل ثمة من حد يمكن ان تقف عنده نوازع السيطرة والتحكم الامريكية؟