لا عزة في ظل أنظمة عميلة ولا حرية مع التبعية والتطبيع
بقلم :الهادي
المثلوثي
إن التلاعب بمشاريع
الإصلاح السياسي والتمويه على الشعوب باسم
الديمقراطية المزيفة أو المطزة بالوعود وحرية الاختيار باستخدام وسائل إعلام لا
تحسن غير نسج الأكاذيب وتزييف المواقف وإخفاء وتغييب الحقائق لم يعد سلعة قابلة
للترويج مهما كانت أجهزة الأمن فاعلة في بث الإرهاب ونشر الرعب لتكميم الأفواه
ومصادرة الحريات وحق التعبير والتضييق على حركة المنظمات والحركات الثقافية
والفكرية والسياسية والنقابية ومختلف مؤسسات المجتمع المدني غير الحكومية.
لقد أثبتت التجارب أن
الأنظمة التي فشلت في كسب الشرعية عبر عهود من التضليل والأكاذيب ليست على استعداد
للقيام بإصلاحات سياسية حقيقية لأنها تعلم جيدا أن الديمقراطية لن تكون غير مكنسة
بيد الشعب لكنس هذه الأنظمة من الساحة الوطنية كنسا شاملا وجذريا. وبسبب الإفلاس
الذي منيت به مختلف مشاريع هذه الأنظمة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا لم يبق أمامها
غير الارتماء في حضن الحركة الصهيونية العالمية والتفاني في خدمتها بتنفيذ جميع
الإملاءات من الانخراط في العولمة والشراكة وتبني إعادة الهيكلة والخصخصة والتفريط
في المكاسب العمومية وصولا إلى التطبيع الشامل والارتهان للرأسمالية الإمبريالية
الصهيونية، حتى أصبح واضحا أن السيادة الوطنية وكرامة الشعوب وحريتها وثرواتها لا
تعني شيئا أمام مصلحة قوى الهيمنة المتصهينة. فالأنظمة التي تقبل بمجرم الحرب
شارون وأمثاله أصدقاء وضيوف على أراضيها ورغم أنف الشعوب والقوى الرافضة للتطبيع
لا يمكن أن تكون أنظمة ممثلة لإرادة شعوبها ولا مالكة لصوابها. اللهم إذا كانت هي
نفسها صنيعة الحركة الصهيونية العالمية وهذا ما بدأت تثبت الأحداث صحته قولا وفعلا
وخير مثال على ذلك زعيم أم الدنيا وريث أبي رغال الذي فتح شهية تلاميذه على ملذات
موائد التطبيع وحلاوة الاستسلام والسمسرة بالقضايا القومية.
إن الأنظمة التي
تبنّت وأقرت قوانين مكافحة الإرهاب دون تعريفه وشرعت عمليا في ملاحقة من يُعبّر عن
رأيه في مناهضة الأمركة ومقاومة الصهيونية والتطبيع بذريعة تعريض أمن الوطن للخطر
وزعزعة الاستقرار وممارسة التطرف والإرهاب وكأن لا أمن ولا رخاء للشعوب دون
الاعتراف والقبول بأمن الكيان الصهيوني والخنوع للسياسة الأمريكية الصهيونية. وهنا
نستنتج أن الحركة الصهيونية العالمية ومن خلال القطبية الواحدة والقوة العسكرية
الضاربة قد أصبحت صاحبة الوصاية على مقدرات ومقررات الشعوب وهي الآمر الناهي
المتحكم في سياسة الأنظمة الفاقدة للشرعية حيث تستخدمها في تركيع وترويض أو كسر
إرادة الشعوب الرافضة للظلم والاستبداد والمتطلعة للتحرر من التبعية والتخلف
وسياسة الأمر الواقع التي باتت وكأنها قدر محتم على أمة العرب والإسلام.
لم تقصر الأنظمة التي
وقعت في فخ الحركة الصهيونية العالمية في العمل على عزل الشعب العربي الفلسطيني
وتحميله لوحده عبء مواجهة مصيره وهو مصير العرب والمسلمين جميعا لكون القضية
الفلسطينية قضية مقدسة، قضية مركزية تاريخيا وجغرافيا وقضية تسكن قلب وضمير وعقل
كل عربي وكل مسلم. والتفريط فيها سيكسر إرادة الأمة ويؤبد الإحباط فيها ويجعل من
أسطورة الشعب المختار والأرض الموعودة كابوسا يلاحق الأجيال العربية والمسلمة
ليعمق إذلالها وجراحها.
لقد نجحت الأنظمة
العميلة في تطويق وخنق الشعب الفلسطيني ومحاصرته في مخيمات الشتات ومعتقلات الداخل
حتى يستجيب لسياسة الأمر الواقع المحكوم بالتفوق الصهيوني المدعوم عالميا
والمستفيد من خنوع الأنظمة التي بقدر ما تضغط على المقاومة أو الانتفاضة
الفلسطينية تسعى بكل وقاحة إلى مغازلة الكيان الصهيوني وتعمل على استرضائه
والتطبيع معه استجابة لضغوطات الحركة الصهيونية العالمية وعلى رأسها الإدارة
الأمريكية وقياداتها المختلفة المتخرجة من المحافل الماسونية.
لست بصدد لوم الأنظمة
العميلة المرهون بقاؤها بقدر مستوى العمالة والخيانة التي تمارسها وإنما أريد
القول أن في مقاومة الحركة الصهيونية ومناهضة التطبيع ورفض العولمة يكمن سر سقوط
رموز العمالة والخيانة. فكلما حاصرت الشعوب هذه الأنظمة وعمقت فشلها في تمرير
المشاريع المسقطة ساعد ذلك على إضعاف العلاقة بين أنظمة العمالة وقوى الهيمنة مما
يوفر للشعوب العربية مجالا أوسع لفرض إرادتها وتوسيع نطاق تحركها وتحررها من الصمت
والخوف لتقول لا للاستعمار...لا للوصاية...لا للاستبداد.. لا للتطبيع والاستسلام.
وما ينطبق على القضية
الفلسطينية ينطبق تماما على القضية العراقية حيث لم تتأخر الأنظمة العميلة على
الانخراط في التآمر على النظام الوطني والقومي في العراق الذي كلما تعززت مكانته حينذاك
وتأكد دوره في فرض استقلاليته ومواقفه القومية تجاه القضية الفلسطينية وقضايا
العرب جميعا شعرت الأنظمة القطرية العميلة بأنها تفقد يوما بعد يوم من تأثيرها على
كبت شعوبها وانكشاف أكاذيبها بالتطبيل والتزمير لسياسة الأمر الواقع وضرورة
التسليم بالتفوق العلمي والعسكري والاقتصادي للكيان الصهيوني. وبحكم الخوف من
النموذج العراقي وضعت الأنظمة العميلة كل إمكاناتها من أجل المساهمة في إحباط
تجربة العراق وإسقاط نظامه الوطني والقومي حتى تجد نفسها على قدم المساواة في
العمالة والخيانة بما لا يلوم الواحد منها الآخر.
والحقائق القائمة
تؤكد مدى حرص هذه الأنظمة على مساعدة القوات الغازية وحثها على التسريع في تنصيب
نظام عميل على شاكلتها الأمر الذي دفع بجميع الأنظمة إلى الاعتراف بإفرازات
الاحتلال وآخرها نتائج تلك المهزلة الانتخابية وكم تسابقت أجهزة الإعلام المسخر
والحكومات العربية على الاحتفاء برموز العمالة والخيانة واستقبالهم ومد المعونة
لهم. هذا في الوقت الذي تعلم هذه الأنظمة أن العراق الذي تتعامل معه ليس إلا الوجه
القبيح لمجاميع الخونة والمرتدين والأشباه على بعضها تقع. أما العراق الأبي
المقاوم فلا انتباه إليه إعلاميا إلا من خلال ما تردده أجهزة الإعلام المغرضة
والمعادية وذلك قصد المساهمة في تشويه المقاومة العربية والإسلامية، الوطنية
والقومية. غير أن هذا لا يحجب المساعي الخفية والتعاون بين مختلف أجهزة
الاستخبارات الإنجلوأمريكية الصهيونية والإقليمية (الفارسية والعربية العميلة) على
محاصرة المقاومة العراقية الباسلة وقطع الإمداد والدعم لها وملاحقة المتطوعين
والمجاهدين الراغبين في قتال قوات الاحتلال وطردهم من بلاد الرافدين والوطن العربي
عموما وقد وجدت الأنظمة العميلة في مشروع (الحرب ضد الإرهاب) الفرصة للتضييق على
مناهضيها ومعارضيها والتخلص ممن ترى فيهم تهديدا لوجودها.
لا أظن أن الأنظمة
الغارقة في مستنقع العمالة والتطبيع الواقعة في فخ الحركة الصهيونية لا تدرك أن
التمادي في غيها والهرولة دون هوادة للتمسح بأيادي مجرمي الحروب مثل شارون وبوش
وبلير ومبعوثيهم قد يدفع بالشعوب الى الانفجار والتمرد لأنه لم لديها ما تخسره غير
قيود الذل والقهر والفقر بعد أن خبرت سياسة التسويف والتضليل وتذوقت مرارة العجز
والإفلاس وأدرت أن زعماءها وقادتها قد أوصلوها إلى عصر جديد من الوصاية
الاستعمارية الأمر الذي جعل الإنسان العربي العادي جدا يتساءل عن مفهوم السيادة الوطنية
والكرامة القومية، أما الواعي فقد أصبح يرى أنه لا عزة في ظل أنظمة عميلة ولا حرية
مع التبعية والتطبيع.