الامبراطور الأمريكي والقرآن
بقلم :د. صلاح
عبد الفتاح الخالدي
قرأت قبل فترة خبراً
طريفاً عجيباً، خلاصته أن نائباً هندياً هندوسياً في البرلمان الهندي فكر في
الدافع الذي يدفع المجاهدين المسلمين في كشمير لاستمرار جهادهم ضد الهند،
ومطالبتهم بتحرير كشمير من الاحتلال الهندي، رغم مضي اكثر من نصف قرن على ذلك.. وهداه
تفكيره الى أن الدافع هو «القرآن»! فهو الذي يأمرهم باستمرار الجهاد لتحرير
البلاد، ويرغبهم في الاستشهاد، ويهيجهم على مواجهة الأعداء، ويربط أنظارهم بالجنة.
وتقدم النائب
الهندوسي باقتراح مثير للبرلمان هو: أن يقدم القرآن للمحاكمة، لأنه هو «المحرض» على
العنف والإرهاب، وقال لقومه: بدل ان تبذلوا جهودكم لمواجهة الارهابيين في كشمير،
جففوا منابع الإرهاب، وحاربوا الباعث والدافع والمحرك فإذا قضيتم عليه توقف
الإرهاب!!
تذكرت هذا الخبر في
الاسبوع الماضي، وأنا أتابع خلاصة الخطاب «التحريضي» الذي ألقاه «امبراطور العالم
بوش الثاني» في أوروبا، وقدم فيه للأوروبيين خلاصة نظرته للاصلاح ونشر السلام
ومواجهة الإرهاب. وركز في خطابه على أن العالم لن يستقر إلا اذا استقر «الشرق
الأوسط» ولذلك سوف تركز الامبراطورية الأمريكية العظمى جهودها على استقرار المنطقة
والقضاء على الإرهاب فيها، وسيتحقق ذلك من خلال تحقيق أربعة مطالب أساسية، لا بد
على الدول والأنظمة والحكومات والمؤسسات في المنطقة -باستثناء دولة اليهود طبعاً- من
الالتزام بها وتنفيذها! وهذه المطالب او الطلبات او الاوامر والاملاءات هي:
1- وقف بث التحريض
ونشر الكراهية في مختلف وسائل الاعلام.
2- تغيير مناهج
الدراسة والتعليم في دول المنطقة، واستبعاد المواد التي تحض على العنف والكراهية
والارهاب والتطرف.
3- نشر القيم
الامريكية في الاصلاح والحياة.
4- التطبيع التام
الشامل مع دولة اليهود.
وتنفيذ طلبات
واملاءات الامبراطور بوش الثاني معناه اعلان حالة الحرب على القرآن، وكأن
الامبراطور يريد ان يحاكم القرآن وان يدينه، باعتباره هو المسؤول عن كل ما يجري في
المنطقة، من حوادث عنف وارهاب، وتخريب وافساد، ومحاكمة القرآن تعني الحكم عليه
وادانته وعقابه! وهذا ما جعلني أتذكر اقتراح ذلك النائب الهندوسي!
معنى طلب الامبراطور
وقف بث التحريض في وسائل الإعلام ان ينسى المسلمون الآيات القرآنية الصريحة، التي
تأمر بالدفاع عن الأوطان والأحوال والأعراض والإيمان والإسلام، وتوجب الوقوف أمام
الطامعين والمعتدين والمحتلين والسارقين والظالمين، وهذا ينطبق تماماً على اليهود
والصليبيين الأمريكان، وغيرهم من جيوش الاحتلال والعدوان.
وليس المراد بوسائل
الإعلام الإذاعات والفضائيات والصحف الرسمية لدول المنطقة، فهذه «مؤممة!!» منذ
فترة، و«مفصلة» على المقاسات المطلوبة، لكن المراد بها الفضائيات غير الرسمية، مثل
قنوات الجزيرة والمجد والفجر، واذاعات القرآن والصحف والمجلات الإسلامية، والكتب
والمؤلفات الإسلامية، ومن وسائل الإعلام التي يركزون عليها المساجد، باعتبارها من
أهم مراكز التوجيه والتثقيف والتعليم، بحيث تفصل الخطب والدروس التي تلقى فيها على
هذه المقاسات.
وقد قرأت قبل فترة
قصيرة ان الحكومة الألمانية قدمت «إمامين» من أئمة المساجد فيها الى المحاكمة،
وحكمت عليهما بالطرد من البلاد، بحجة بث التطرف والعنف، والتحريض على الإرهاب،
وجريمتهما أنهما تحدثا في خطبة الجمعة عن مصائب ومآسي المسلمين في العراق، وذكرا
المصلين بأن امريكا محتلة للعراق، وأنه يجب الجهاد لتحرير البلاد!!
ونتذكر ان اليهود
كانوا قد طلبوا من المسؤولين في مصر منع دروس التفسير المتلفزة التي كان يلقيها
الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله، بحجة منع «التحريض» على الكراهية والعنف
والتطرف، مع ان الشيخ الشعراوي رحمه الله لم يكن يتحدث بالسياسة، وجريمته انه كان
يفسر احياناً بعض الآيات التي تقرر كفر اليهود، وتفضح اساليبهم، وتوجب جهادهم!
ومن طرائف ما يروى ان
امام مسجد في احدى الدول الثورية استدعي للمساءلة، ولما سأل عن السبب، قيل له: انك
«تقنت» في الصلاة، وتدعو على الظالمين، ودعاؤك بحيوية وتفاعل وانفعال، فأنت تقصدنا
بدعائك!!
وقد سمعت ان
الامريكان لم يعجبهم قنوت ائمة الحرمين في مكة والمدينة في صلاة التراويح لأنهم
يزيدون «عيار» القنوت في الدعاء على الكافرين، والدعاء للمجاهدين بالنصر والتمكين!!
واذا ما بقيت الأمور
تسير هكذا، ونفذت اوامر الامبراطور فلا أدري الى اين تنتهي! لا اعتقد ان مسلماً
سيجرؤ على حذف آيات الجهاد لإرضاء الامريكان، لوقف التحريض وتجفيف منابع الارهاب
والكراهية! فنحن مع القرآن، ندور معه حيث دار!.