الهيستيريا في سلوك المعارضة اللبنانية

 

 

بقلم : محمد أحمد النابلسي

          رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

 

        ركزت المعارضة اللبنانية تحركاتها على فكرة محورية قوامها ممانعة الوجود السوري في لبنان. وهذه الممانعة يمكنها أن تكون منطلقا استراتيجيا لإعادة  تشكيل المنطقة وتغيير الخارطة العربية. لكن هذه الممانعة لا تدعم الجمهور اللبناني في أزماته التي صنعتها المعارضة بنفسها فالمديونية العامة وفساد النظام وإنعدام الاستقرار الوطني هي من صنع المعارضة نفسها عندما كانت أطرافها الفاعلة حاكمة.

      وجاء اغتيال الحريري بالطريقة الدرامية التي حدث فيها. فكان الاغتيال مدعاة لإسقاطات عنيفة تجلت بكثافة وجود صور بشير الجميل وداني شمعون وميشال عون وسمير جعجع وعقل هاشم وكمال جنبلاط مع أعلامهم التي طغت على صور الحريري وأعلام تيار المستقبل وشبابه. وهذه الانفعالات الإسقاطية حولت التظاهرات إلى نوع من الهستيريا الجماعية ومن خصائصها العلمية أن كل فرد وجماعة تمارس الهستيريا الخاصة بها. وفي أية حال فإن الهستيريا لا تتحول بحال من الأحوال إلى عقيدة أيديولوجية بل على العكس تماما فإن كل حالة هيستيرية تصل إلى مرحلة وعي بدرجة مبالغتها وعندها يبدأ السعي الجدي للخروج من ملابسات الحالة والتصرفات المصاحبة لها. والأمر ينطبق على زعماء المعارضة وليس فقط على المتظاهرين.

      بالانتقال إلى الواقع وتداعيات الاغتيال نجد أن الساحة اللبنانية توزعت على اللاعبين الرئيسيين في لبنان وهم تكراراً: سوريا والولايات المتحدة وفرنسا (العائدة حديثا من بوابة القرار )1559 وأيضا إسرائيل الساعية لإيجاد مكان لها في الفضاء اللبناني ولكن على نفقة  أميركا.

   لكن عملية اغتيال الحريري أثارت العديد من الأسئلة الجدية وفائقة الحساسية عن القوة الفعلية لهؤلاء اللاعبين الرئيسيين حيث بينت عملية  الاغتيال:

1-    أن القوة السورية تعرضت لهزة عنيفة بعد احتلال العراق  وتركيز الجهود الأميركية لإضعاف  الدور السوري الإقليمي بعد احتلال العراق .

2-    أن القدرة الإسرائيلية على التحرك أصبحت مكبلة بالوجود الأميركي العسكري في العراق. إضافة إلى تنامي قوة الردع الإيرانية بحيث لم تعد هذه القوة قابلة للتجاهل.

3-    إن الدخول إلى الفرنسي من البوابة اللبنانية بدا متهافتاً وممجوجاً خاصة بعد تخلي شيراك عن تراث اللياقات الفرنسي. فبدا وكأنه يكرر صورة الجنرال غورو واقفا أمام قبر صلاح الدين صارخا ها نحن قد عدنا يا صلاح الدين فقم من قبرك وقاتلنا.

4-    القوة الأميركية على عظمتها وجبروتها أتت جريحة إلى لبنان. فجرحها العراقي النازف وسوابقها في الهروب من لبنان تنقص مصداقيتها.

إلا أن كارثة المعارضة اللبنانية تتكشف عن عوامل إضافية عديدة أخرى أهمها:

1-    غياب الشهيد الحريري الذي لم يكن شريكا للمعارضة إلا أنها كان يمولها بشروطه ولسنا بحاجة للتذكير بالشيكات الشهرية الحريرية وهي قد تستمر لفترة  قريبة إلا أنها ستخضع لإعادة نظر جذرية.

2-    أن معظم المعارضين لديهم ملفات قضائية جادة بحيث لا يمكن حلها قضائيا لحاجتها إلى عفو رئاسي وهو بات أكثر صعوبة بعد عدوانية المعارضة واستغلالها للجنازة.

3-    اضطرار آل الحريري لتقديم الاعتذار الضمني لقطاعات  واسعة من الطائفة السنية التي حرمتها ظروف الجنازة وزيارة شيراك من حقها الطبيعي في ممارسة حزنها على شهيد من السنة بل من أهم زعمائها.

4-    ضحالة  القواعد الشعبية للمعارضة بدليل استغلالها لهستيريا الجنازة وهوس العداء لسوريا. وذلك في مقابل تنظيمات لبنانية عقائدية تعلن جهوزيتها للموت في كل مناسبة والمسافة مخيفة بين الحالتين.

5-     الحلم والتعقل: الذي أبدته السلطة أمام فظاظة تصريحات زعماء المعارضة. فلو نحن استثنينا الزعيم وليد جنبلاط فإن بقية المعارضين لا يستطيعون إدعاء الزعامة إلا على سبيل النكتة. ولا نريد ذكر أمثلة عن النكات الأسماء.

6-    تأكيد حادثة الاغتيال على وجود لاعبين فرعيين في الساحة السياسية  اللبنانية. والأخطر أن هؤلاء الفرعيين يظهرون قوة وقدرة على التحرك والأذى تفوق قدرات كل اللاعبين الرئيسيين. وإن كنا لا نستطيع تحديد هؤلاء الفرعيين كونهم يستمدون قوتهم من سريتهم وتكتمهم. لكن أوساط الشارع اللبناني تتحدث عن جماعات أصولية صغيرة متوزعة. كما عن مخابرات أجنبية بعيدة عن الساحة السياسية المباشرة. دون أن ننسى الفئات المتضررة من الانقلاب الطبقي الذي أحدثته سياسة الشهيد الحريري.

7-    قد لا تكون العمليات الكبيرة قابلة للتكرار إلا أن  هؤلاء اللاعبين الفرعيين  سيتابعون إثبات حضورهم  باعتداءات تطال الشخصيات الهامشية في المعارضة وهؤلاء كانوا أكثر هيستيرية من غيرهم.

8-     إن وجود اللاعبين الفرعيين سيكون كافيا لإخافة الأساسيين ودفعهم للهروب مجددا من المستنقع اللبناني وهو ما سبق وأن فعلته أميركا وإسرائيل وفرنسا.

9-    أن هؤلاء اللاعبين الفرعيين قد يعاودوا عملياتهم الكبيرة في مرحلة قريبة لاحقة. لذا فإن من الأفضل إبقاء الجنرال عون في باريس وربما إلحاق وليد جنبلاط وذلك حرصاً على سلامتهم الشخصية.

10-    لا بد من توضيح توزع قوى اللاعبين الرئيسين وفروعهم  تلافيا لسوء الفهم  والتفسير وهذا التوزع يأتي على النحو التالي:

أ‌-     اللاعب السوري: وهو يمثل إضافة للدولة السورية كل من حزب الله والمنظمات الفلسطينية والأحزاب الوطنية فإذا ما تم الإنسحاب السوري فإن كلا من هؤلاء سيتحول إلى لاعب منفرد.

ب‌-     اللاعب الفرنسي: بالإضافة إلى فرنسا يمثل هذا اللاعب الفرانكوفونيين  اللبنانيين المستعدون للهجرة  إلى فرنسا في حال السقوط الفرنسي في الساحة اللبنانية.

ت‌-     اللاعب الأميركي: وهو اللاعب الأكبر وتمثله معظم دول المنطقة مع طموحه لاحتواء بقيتهما إلا أن تجربته العراقية لا تبشر بكثير نجاح.

ث‌-    اللاعب السعودي - الفرعي: جاء اغتيال الحريري مباشرة بعد مؤتمر الرياض الدولي لمكافحة الإرهاب وفيه اتخذت  مقررات مؤذية  للأصوليين الإرهابيين وهؤلاء لم يعودوا يثقوا بلبنان الحريري مقرا لهم هروبا من السعودية. وعليه لا يمكن تجاهل شريط الفيديو الذي أذاعته قناة الجزيرة متهما السعودية ومعترفا بأن الاغتيال إن هو إلا انتقام من السعودية.

11-   موقف آل الحريري: بعد مرور فترة الحزن الحادة ستجد العائلة نفسها مدفوعة لإجراء جردة حساب شاملة لتحقيق الأهداف التالية.

أ‌-                 مراجعة حجم الارتزاق ونسبته في إرثهم السياسي والاجتماعي.

ب‌-            مراجعة مظاهر سوء الاستغلال ،لطموحات الحريري، المساهمة في الاغتيال.

ت‌-    إعادة وصل ما انقطع من صلات مع الزعامات الفاعلة السنية واللبنانية والخلاص من الطحالب والهامشيين السياسيين الذين أسقطوا الحريري سياسياً بهامشيتهم.

ث‌-    حل عقدة والدهم في مناطق سنية خالصة. حيث صرف الملايين ولم يحصل إلا على   هامشين أساءوا له في حياته كما في جنازته.

        وهذا النوع من المراجعات سيكون كفيلاً بإكتشاف العائلة لحجم التضليل والإستغلال الذي تعرض له الشهيد الحريري من قبل بعض المقربين منه. مما قد يكون كافياً لوضع الحدود لذلك والإكتفاء بالجانب الخيري من إرث الحريري.