منعا لأي التباس: فرنسا لا تقلّ خطورة عن امريكا
بقلم:
علي حسين باكير/ باحث سياسي
في
الحقيقة لا يفرّق كثير من الناس بين ما هو تكتيكي و ما هو استراتيجي، و بين الصديق
و العدو، و الأبيض و الأسود، فيخلطون بينهم دون تمييز لمجرّد موقف آني أو حدث
مؤقّت اعتقاداً منهم أنّ هذه الدولة او تلك تقف الى جانبهم كحليف أو صديق، في حين
أنّ الأمر يختلف عن ذلك تماما. و الحديث هنا بطبيعة الحال يدور حول فرنسا؛ فابّان
الحرب الأمريكيّة على العراق ظهرت الكثير من الأصوات تنادي باسم فرنسا و كأنّها
"حامية الحمى" لأنّها عارضت الحرب على العراق، فيما لم يدرك هؤلاء انّ
دفاع فرنسا عن مصالحها لا يعني دفاعها عن العرب أو عن أي قطر من أقطارهم، و هنا
حدث الخلط اذ انّ فرنسا عارضت آنذاك لأنّها أرادت أن تحمي نفوذها و مصالحها في
المنطقة فقد كانت فرنسا للعراق الشريك التجاري الأوّل, كما انّ الديون العراقيّة
لفرنسا كانت كبيرة جدّا ناهيك عن الشركات الفرنسية العاملة في العراق, و هذا يعني
أنّ أي هجوم أمريكي على العراق سيؤدّي الى فقدان فرنسا لنفوذها في هذه المنطقة
اضافة الى أموالها و مصالحها. هذا و تدرك فرنسا أنّ سيطرة أمريكا على منابع النفط
بشكل مباشر- و التي كان العراق خارج اطارها الى ما قبل الاحتلال- سيعني قدرة
الولايات المتّحدة على التحكّم باقتصاديّات الدول الأوروبيّة و نموّها خاصّة و
أنّها تستهلك نسبة كبيرة من نفط المنطقة. و من هذا الباب كانت معارضة فرنسا
للاحتلال الأمريكي للعراق و ليس من باب الدفاع عن أي بلد عربي كما يعتقد الكثيرون،
فما أن بدأت الحرب على العراق و تعثّر الأمريكيون في البدايّة حتّى تمنّى
الفرنسيون للأمريكيين و عبر رئيسهم جاك شيراك "نصرا سريعا على العراقين"
كما قال. و لم يدرك المطبّلون و المهلّلون لفرنسا انّ الديمقراطيّات لا تتصارع و
انّما تتنافس في حدود معيّنة لاقتسام
الكعكة، و الحصّة الأكبر بطبيعة الحال ستكون للأقوى (أمريكا) و على الباقين ان
يرضوا بذلك (فرنسا). و حتى لا نظلم فرنسا و نحكم عليها من خلال تحليلنا لموقف واحد
من مواقفها، سنحاول استعراض جملة من المحطّات و المواقف المؤثّرة على الساحة
العربية و التي اتّخذتها فرنسا في الآونة الأخيرة لنرى اين تقع فرنسا بالنسبة
للقضايا الراهنة.
فقد
حضرت فرنسا في قمّة الثماني الكبار (G8)، التي عقدت في 9/6/2004 في سي
ايلاند بولاية جورجيا الأمريكيّة، حيث شاركت في صفقة غير اخلاقيّة اقتضت بأن تقوم الولايات المتّحدة بتعديل
مشروع الشرق الاوسط الكبير بما يتناسب مع مصالح و وجهات النّظر الأوروبيّة مقابل
ان توافق فرنسا على تمرير مشروع القرار الامريكي
الذي طرح على مجلس الأمن آنذاك في قرار 1546 و الذي يقول بانتهاء الاحتلال
الأمريكي للعراق، مع العلم انّ فرنسا كانت تدرك جيّدا انّ الاحتلال لم ينته و انّ
أمريكا لازالت موجودة، و قد أدّت هذه الصفقة في حينه الى ازدياد شعبيّة بوش نتيجة
لخروج الأخبار بـ"بوش ينجح في الحصول على موافقة الدول الثماني الكبرى على مشروع
الشرق الأوسط الكبير المعدّل، و ينجح في الحصول على قرار مجلس الأمن بانتهاء
الاحتلال".
أكثر من ذلك فقد صنّفت فرنسا و معها الاتّحاد
الأوروبي حركات المقاومة الفلسطينيّة و من بينها تحديدا حماس و الجهاد بأنّها
حركات ارهابيّة مع ما يترتب
على هذا التصنيف من نتائج على كافّة الصعد ، فهل اختلفت فرنسا في خطوتها هذه عن أمريكا
و اسرائيل؟.
لقد
شاركت فرنسا في صياغة القرار 1559 مع الولايات المتّحدة و بتمريره ضدّ سوريا و
لبنان "الصديق التقليدي لفرنسا!!" و هو يهدف الى ابتزاز السوريين للموافقة على كافة
الشروط الامريكيّة فيما يتعلّق بالعراق و الحرب على الارهاب و خاصّة ما يتعلّق
باستراتيجيّة أمريكا للدفاع عن اسرائيل مهما كلّف الثمن ، كما يهدف القرار الى كسر
شوكة اللبنانيين و تحجيم انتصارهم في تحرير أرضهم، و اخذ حقّهم و تطبيق قرارات
الشرعيّة الدوليّة بالقوّة، فهل كانت فرنسا تجهل كل ذلك؟! انسي السيّد شيراك ما قال
في آخر كلمة له امام البرلمان اللبناني منذ عدّة أشهر: "إن خطوات إعادة
الانتشار وفقا لاتفاق الطائف ومرجعيته الدولية تعني أن الانسحاب العسكري السوري
غير ممكن بأي صورة قبل تحقيق السلام الشامل في المنطقة" !!!
لكن
قد يقول البعض أنّ فرنسا رفضت ادراج حزب الله ضمن قائمة الارهاب الأوروبيّة و هذا
يعني اعترافا منها بدور الحزب و طبيعته. لكنّ
هذا الأمر يمكن قراءته من زاوية أخرى و هي أنّ فرنسا لا تستطيع وضع حزب في
لائحة الارهاب كانت قد رعت و ضمنت الأوضاع المتعلّقة به في اتّفاقيّّة دولية
(اتّفاق نيسان), كما أنّ فرنسا لا تستطيع ان تضع حزب الله في لائحة الارهاب بسبب
وجود فاعل لشقّه السياسي المتمثّل بنوّابه الموجودين في البرلمان, اذا كيف سيكون
موقف فرنسا عند تصنيف حزب يمتلك نوّاب منتخبين في البرلمان بأنّه ارهابي!! أكثر من
ذلك, فانّ فرنسا تعلم جيّدا أنّ للحزب علاقة بسوريا و بالتالي فهي لا تريد حسم
الموقف مع سوريا نهائيا و اغلاق أي نافذة للحوار أو المساومات بشأن الأوضاع
المحليّة و الاقليميّة لذلك , و لهذه الأسباب لم تضع فرنسا حزب الله على لائحة
الارهاب , و الاّ لو كان المعيار أخلاقيا أو مبدئيّا لكان اولى بها أن لا تضع
حركات المقاومة الفلسطينيّة التي تدافع عن أرضها و شعبها و وفق جميع المبادئ
الانسانيّة و الأخلاقيّة و القانونيّة ضمن قائمة الارهاب الأوروبيّة.
فرنسا
هذه قامت بسابقة مؤخرا و هي التّحكّم بالأثير و الفضائيّات (و ان لم تكن الأول من
نوعها في العالم حيث سبق و ان منعت كندا بثّ محطّة الجزيرة الفضائية سابقا في بعض
مناطقها بناءا على ضغط من اللوبي الصهيوني) و ذلك عندما منعت قناة المنار
الفضائيّة من أن تبثّ برامجها في فرنسا حيث قال رئيس الحكومة الفرنسي جان بيار
رافارا أن "برامج المنار لا تتماشى مع قيمنا. و على الرغم من تجاوب المسؤوليين
في محطّة المنار للمطالب الفرنسيّة فسارعت المحطّة عبر مسؤوليها إلى الاعتذار عن
هذا النوع من البرامج الخادش لمشاعر الساميين اليهود قائلين: " بالنسبة إلى
تجربتنا في ما يتعلق بمسلسل الشتات فإننا سنكون أكثر مراقبة لهذا النوع من البرامج
في المراحل اللاحقة، كما أن هذا المسلسل كان حالة خاصة بُثّت ومرّت، وليس بالضرورة
أن كل برامجنا تحاكي فعلاً لغة هذا المسلسل أو طريقته"، وأكد المدير العام
للمحطة في حديث لصحيفة ليفغارو الفرنسية أن بث المحطة لمسلسل الشتات "كان
خطأً مؤسفاً"، الاّ انّ كل ذلك لم يشفع لها. و نحن نتساءل لماذا يجب على دول
العالم لاسيما التي تمتلك الممرّات المائيّة الهامّة و هي في معظمها لدول العالم
الثالث تأمين حرّية الملاحة فيها لحماية المصالح الغربية في حين انّ الأثير و
الأقمار الصناعيّة و الفضائيّات يجب التّحكّم بها و تحديد من يحقّ له استعمالها و
من لا يحق له؟! أليست ممرّات اعلاميّة و معلوماتيّة تتيح نقل الكثير من الحقائق
التي ما فتئت الديمقراطيّات العريقة و منها امريكا و فرنسا على طمسها و الترويج
للأكاذيب و الأباطيل.
تجدر
الاشارة الى أنّ الموقف الفرنسي و معه الموقف الأوروبي قد بدأ يتغيّر منذ أن سقطت
العراق في يد الولايات المتّحدة الأمريكيّة و بعد أن فشل المحور الفرنسي الألماني
الروسي في منع أمريكا من شن الحرب و يمكن أن نردّ هذا التغيّر في استراتيجيّة
فرنسا و معها ألمانيا من المنطقة في هذه الفترة لعدّة أسباب منها:
1-
اعادة كل من فرنسا و ألمانيا لحساباتهما في التعامل مع روسيا و قرارهما عدم
الانجرار الى خطوات غير محسوبة النتائج في وجه الولايات المتّحدة الأمريكيّة قد
تضرّ بمصالحهم و مناطق نفوذهم المتبقيّة, خاصّة أنّ فرنسا قد تعرّضت لحرب شعواء
على كافّة الصعد السياسيّة و الاقتصاديّة من قبل الأمريكيين نتيجة لموقفهم السابق.
2-
ادراك فرنسا و ألمانيا لمدى خطورة الموقف في حال التحالف مع روسيا, اذ انّهما
يعلمان أنّ أمريكا تدرك مخاطر هذا المحور و هي تترصّده في دراساتها الاستراتيجيّة
و قد تكلّم بريجينيسكي (مستشار الأمن القومي السابق) عنه في عام 1999 تحت عنوان
"اختيارات حاسمة و تحدّيات كامنة" فقال: "هناك احتمال آخر بعيد, و
ان توجّب عدم استبعاده نهائيّا, يحمل امكانيّة حدوث اصطفاف أوروبي أعظم يشتمل على
تواطؤ ألماني – روسي أو حلف فرنسي – روسي. هناك سوابق تاريخيّة معلومة لكلتي
الحالتين, و من الممكن تحقق أيّا منهما .....و ممكن ان تعمل تسوية أوروبية –
روسيّة على استبعاد أمريكا من القارةّ". و هذا يستدعي هجوما عنيفا من أمريكا
لمنع هكذا تحالف و تحذير الأطراف منه و هذا ما حصل.
3-
اعتبرت كل من فرنسا و المانيا أنّ الولايات المتّحدة بقيادة المحافظين الجدد لا
يمكن هزمها أو اقناعها بالحوار و بعد سقوط المصالح الفرنسية و الألمانيّة في
العراق ليس لدى روسيا شيء تقدّمه لهما و بالتالي من الأفضل العودة الى المظلّة
الأمريكيّة و الحصول على بعض المكاسب الاقليميّة و الدوليّة بحيث أصبح هذا الرأي
اسراتيجيّة فرنسيّة ألمانيّة و هذا ما يعكسه التحوّل في الموقف الفرنسي و الألماني
حاليا من سوريا و ايران و لبنان و القرار 1559 و الحرب على الارهاب حيث يبدو
الانخراط و الاذعان الفرنسي و الألماني الكامل لأمريكا واضحا.
على
العموم لن تكتفي فرنسا بهذا بل ستلعب فيما بعد دورا لقيادة لبنان من داخلها عبر
تهيئة بعض الرموز و الفعاليّات اللبنانية لاستلام السّاحة اللبنانيّة في الوقت
المناسب و بذلك تكون فرنسا قد ضمنت لبنان نهائيا دون أي منازع في اطار بوش- شيراك
جديدة على ما يبدو على غرار سايكس – بيكو.
هل
يكفي كل ما ذكرناه لتوضيح الموقف الفرنسي من قضايانا و لندرك أنّ فرنسا لا تقلّ
خطرا عن امريكا و لكنّها فقط أضعف منها قوّة.