مائة مصباح من مشكاة النبوة

 

 

 

 بقلم : الهادي بريك

 

أخرج مسلم عن أبي هريرة أنه عليه السلام قال " إحرص على ما ينفعك وإستعن بالله ولا تعجز ولا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان ".

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

من شواهده " لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم " و" إياك نعبد وإياك نستعين " و" إن الله يحب المتوكلين " و" ما تشاؤون إلا أن يشاء الله " وغير ذلك كثير ...

 

 

 

موضوعه : الانسان قدر إلهي حر ماض فاعل مطرد ومسؤول عن إرادته والشيطان عدوه .

 

في الحديث أمران ونهيان : إحرص وإستعن ـ لا تعجز ولا تقل . ومواضيعه الجزئية كما ترىمعي كثيرة في الحقيقة أولها حرص الانسان على جلب منفعته وهي بالضرورة تعني حرصه على درإ ما يفسده وربما يستغرب بعض الناس أن يحث عليه السلام الناس على الحرص على ما ينفعهم سيما أنه قال في حديث آخر " ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على الشرف والمال " وخير سبيل لدفع ما يراه بعض الناس تناقضا ظاهريا بين كثير من نصوص الوحي بعضها مع بعض هو الائتلاف بين الوجه اللغوي للكلمة وكلمة حرص هنا معنية بذلك وبين الوجه السياقي الاستعمالي لذات الكلمة فالحرص مثلا يمكن أن يفيد سياقه في معناه بأنه عمل سلبي كما يمكن أن يفيد العكس تماما فضلا على أن بعض الكلمات العربية حتى منزوعة عن سياقاتها تفيد المعنى ونقيضه فيكون تحديد المعنى إذا مرتهنا بالاستعمال السياقي كما يستغرب بعض الناس أيضا إستخدامه عليه السلام للمنفعة وأمره بالحرص عليها وذلك من منطلق فهم مبتسر مؤداه أن الاسلام والمنفعة ضدان لايلتقيان فالاسلام من شأنه ترتيب التكاليف الباهضة الشاقة على عاتق الانسان أما المنفعة فلا يطلبها سوى صاحب هوى وشهوة تفصيا من تكاليف الدين وهو مفهوم لا يبتعد كثيرا عن الفهم الكنسي وهذا يتطلب من الدعاة والمصلحين تصحيحا لكثير من الفهوم المتلبسة بالمسيحية من ناحية وتبيانا للناس بأن المقصد الاسنى للاسلام ليس هو سوى جلب المنفعة المادية والمعنوية للانسان في معاشه وفي معاده وما من تشريع في كل مستوى ومجال غيبيا كان أم شهودا معللا كان أم غير مفهوم المعنى إلا وهو يزف للانسان منفعة ومصلحة إن في نفسه أو في عقله أو في بدنه أو في روحه أو في عاطفته أو في ذوقه أو في أسرته أو في عرضه أو في ماله أو في دنياه أو في آخرته فإن خلا تشريع من ذلك فهو مكذوب عن الله وعن رسوله عليه السلام . وثاني تلك المواضيع الجزئية التي حواها الحديث هي الاستعانة به سبحانه وهو مخ سورة الفاتحة التي هي بدورها مخ الصلاة التي هي مخ الاسلام الذي هو مخ الحياة التي هي مخ الوجود وإفراده بالعبادة وبالاستعانة هو جوهر رسالة الانسان العابد المملوك المخلوق فالعبادة تخص الجانب الروحي أما الاستعانة فتخص الجانب العملي العام من حياة الانسان والانسان بحكم ضعفه وعجزه وقصور حواسه وغلبة هواه وسائر مايحيط به من ملابسات نفسية ومادية  معروفة بحاجة دوما فطرة مفطورة إلى ركن قوي يستعين به وما من إنسان في هذه الدنيا غابرا وحاضرا إلا وهو يستعين غيبيا فضلا عن الشهود بشئ ما وكل مستعين بغير الله سبحانه كمثل " العنكبوت إتخذت بينا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت " والموضوع الجزئي الثالث هو النهي عن العجز والانسان مفطور على العجز والقوة في آن واحد فالمسألة مرتهنة بقوته النفسية وبإرادته وبنظرته للوجود وليس كالايمان الصحيح السليم يزود الانسان بقوة روحية ونفسية وعملية لا تضاهى " قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد لك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال ..." . والموضوع الجزئي الاخر هو الايمان بالقضاء والقدر وهو الموضوع الذي يعزى إلى عدم فقهه على أحسن وجه من لدن مسلمي عصور الانحطاط سبب التأخر والانحطاط ومازال المسلمون اليوم في أكثرهم بحاجة إلى حسن فقه عقيدة القضاء والقدر على النحو الذي ضبطه القرآن وعملت به السنة والخلافة الراشدة لا على ما إستقر في فهوم الناس قديما وحديثا أما الموضوع الجزئي الاخير من الحديث فهو عداوة الشيطان للانسان عداوة حقيقية بالغة تستهدف نخر الاساس النفسي للبناء الانساني نخرا لا يصلح بعده الانسان سوى للموت " إن الشيطان لكم عدو فأتخذوه عدوا ...".

 

 

 

الدرس الاول : الحرص على المنفعة والاستعانة ونبذ العجز بالتوكل عمل قدري خالص .

 

لو أجملنا سائر الدروس الجزئية الكثيرة التي تعرضنا لها في الفقرة التمهيدية السالفة في عنوان واحد كبير لما وجدنا مناسبا لذلك سوى القول بأنه عليه السلام أراد في الحديث التنبيه إلى أن الافعال الايجابية من لدن الانسان من حرص على المنفعة والاستعانة ونبذ العجز بالتوكل ليست منافية للايمان بالقضاء والقدر بل هي من صميم القضاء والقدر . طبعا يقول بعض الناس أن القضاء ما هو مثبت في اللوح والقدر ما نزل حقيقة فوق الارض بالفعل وهذا صحيح ولكن بما أن الانسان لا يعلم عن القضاء شيئا سوى ما هو معروف من سنن وأسباب وأقدار كونية ظاهرة فإن التعبير بمصطلح القضاء والقدر جملة أنسب والله أعلم . والعمدة في ذلك هو سنة الابتلاء التي فرضها سبحانه على كل مخلوق طرا سوى أن بعض المخلوقات مبتلاة كرها لعدم حرية إرادتها بينما كرم الانسان بالعقل وبحرية الارادة فكان إبتلاؤه تكريما وتحريرا وإختيارا وهو ليس إختيار مطلق بل فيه جانب لا يملك الانسان دفعه رغم أنه مطالب بدفعه لو إستطاع ولو بحسن الاستقبال الراضي المرضي وتحويل النقمة إلى نعمة .

 

 

 

الدرس الثاني : خير حقل يعلمك عقيدة القضاء والقدر : القرآن والحياة تاريخا وحاضرا .

 

ضربت هذه العقيدة مبكرا في صدر تاريخنا الطويل بخلاف العقائد الاخرى فرغم الاختلاف من لدن المدارس الكلامية في طريقة تنزيهه سبحانه ورغم إختلافهم بمثل ذلك في مسائل عقدية أخرى جزئية فرعية فإن المنهج العقدي العام كسبا وتصريفا ظل إسلاميا سوى أن عقيدة القضاء والقدر تباين فيها الاختلاف كثيرا وسرعان ما سيطرت العقيدة الجبرية عمليا على قطاعات كبيرة من الامة لمدة قرون طويلة وهو ما يفسر بالنصيب الاوفر تأخر المسلمين وإنحطاطهم ومازال المسلمون إلى اليوم رغم بزوغ فجر صحوة كبيرة يعانون من خلط قاتل بين ماهو قدر لا يحسن سوى الايمان به لانه ليس في مقدور الانسان مقاومته وبين ماهو قدر لا يحسن سوى مقاومته بقدر مثله فمن أمثلة الضرب الاول إنبناء الوجود الانساني على ناموس التنوع الديني والمذهبي واللغوي والعرقي فليس مطلوبا مقاومة ذلك بل توظيفه لخدمة قضايا الحق والخير ومن أمثلته كذلك مصيبة الموت ومعرفة المستقبل ويوم القيامة فليس من مصلحة الانسان معرفة ذلك فضلا عن كون عقله لا يقدر على إستيعابه ومن أمثلة الضرب الثاني وجود المرض والجهل والعجز والظلم والفقر فالمطلوب مقاومة سائر ذلك بأقدار العافية والعلم والقدرة والعدل والسعة ويحسب بعض الناس أن القرآن الذي لم يطالبنا بالايمان بالقضاء والقدر بذات الصيغة اللغوية المباشرة بمثل ما ورد في العقائد الاخرى لم يعالج المسألة وهو لمن قرأه متدبرا كله كتاب قضاء وقدر بإمتياز شديد تجد ذلك في كل قصة وكل مثل وكل معالجة للانسان وهو كتاب الانسان وذلك لان التربية القرآنية لفرط حكمتها لا تعمد إلى الامر المباشر الجاف بالايمان بما من شأنه التقلب في النفوس تقلب الماء المغلي في القدر بل تعرض للانسان من القصص والامثال وبسائر ما تعالجه به ما من شأنه بعد التدبر والفهم والفقه زرع الايمان الحق بالقضاء والقدر ليس على أساس أنه سحق ألهي قدري طاحن لارادة الانسان بل على أساس أنه إبتلاء ورحمة وتعديل لمسيره بين قضاء كوني ماض لا يتخلف برضى إنسان أو غضبه وبين قضاء إنساني إجتماعي يتنزل ضمن حرية الارادة الانسانية فإن شاء صرفه بقدر أحب إليه منه فعل بإذنه سبحانه وإن شاء غير ذلك فهو مسؤول دوما عن حريته . والقرآن حين يعرض تلك التربية القدرية يحضنها ضمن التاريخ وفي الان نفسه يرشد الانسان إلى النظر في التاريخ الحاضر بين يديه فمن عقل القرآن بعقله ونظر في التاريخ الغابر والحاضر بعقله آمن بالقضاء والقدر عقيدة تحريرية تكريمية للانسان ومن أعرض عن ذلك أو فهم الرسالة الاسلامية مقلوبة فسخط فله السخط جزاء وفاقا .

 

 

 

الدرس الثالث : الشيطان قدر من النوع الاول والانسان هو القدر المضاد فالقدران يعتلجان:

 

الشيطان هو مثال على  الضرب الاول من القدر الذي لا يحسن سوى الايمان به ولا سبيل لدفع أصله ووجوده وتأثيره بالكلية لان ذلك مبطل لقدر آخر وهو قدر الابتلاء ولوشئت مثلت لك الاقدار في السماء تعتلج وتتفاعل في فلك واسع عريض ضمن علاقات معلومة بمثابة جسم حي تعتلج فيه أسباب الحياة مع أسباب الموت أو جسم نفسي حي كذلك فلا سبيل لحياة الجسمين سوى بحياة السببين معا يعتلجان فالظاهر شر وموت وفناء والباطن حياة وخير . وخير مثال على ذلك أنه سبحانه خلق الملك محض خير والشيطان محض شر ولا سبيل لتنزل قدر الابتلاء ولا معنى للدنيا والحياة والانسان والوجود والاخرة سوى بخلق الانسان جامعا بطرف من هذا وطرف من ذاك فكان ذاك وسبحان الحكيم الذي جعل الشيطان قدر شر مطلق يكبح شره بالانسان فهو قدر مضاد له تماما كالدواء والمرض والجهل والعلم والظلم والعدل والقدران يعتلجان في نفس الانسان وفي هذا الحديث يصور عليه السلام كيف أن الشيطان رمز يأس وتثبيط يوسوس للانسان بأن مافاته من خير لن يدركه في يومه ولا في غده ولا يعلم الانسان المحبوس بحواسه وعقله في دائرة صغيرة من الزمان والمكان وسائر أنواع المدى هل ما فاته كان خيرا أم شرا سوى وسوسة شيطان فإن فاته في ذلك جاءه بين يدي يومه سخطا على حاضره وتطيرا من مستقبله ولايعلم الانسان علىوجه اليقين البديل الذي كان سيكون لو لم يكن حاضره على هذا النحو إلا أماني وما أصدق الاثر القائل " لوإطلعتم الغيب لرضيتم بالواقع " .

 

 

 

الدرس الرابع : المقصد الاسنى من عقيدة القضاء والقدر : غسل نهم الناس بندى الرضى.    

 

دعا الباحث المقاصدي الكبير الدكتور أحمد الريسوني منذ سنوات إلى الاهتمام بمقاصد العقيدة إلى جانب ما توفر لمقاصد الشريعة من إهتمام ومازالت الدعوة يتيمة تنتظر كفيلا ولن يؤمن مؤمن بالله سبحانه على النحو الذي يرضيه حتى يتعبأ بمقاصد الايمان أو العقيدة ولعل أولى ما على المؤمن فقهه حق الفقه هو حسن فهم مقاصد عقيدة القضاء والقدر ذلك أنها مازالت تفعل في الناس فعلا عكسيا تماما لما هو مراد منا وأنى لسالك درب في إتجاهه المعاكس أن يصل إلى مبتغاه والمجال هنا ضيق جدا ولكن حسبي أن أشير إلى أن الرضى النفسي بماهو طمأنينة وسكينة وحب ووقار وثبات ويقين وثقة هو المقصد الاسنى من تلك العقيدة وذلك هو بعض معاني قوله " رضي الله عنهم ورضوا عنه " فرضوان الناس عن ربهم هو بما سكب في نفوسهم رغم النكبات والهزائم والاضرار في الانفس والاموال والثمرات من رضى وأنت تعلم أن كل الناس اليوم يشكون من الكآبة واليأس حتى ناهز عدد المصحات النفسية عدد المصحات البدنية والسبب في ذلك كله هو النهم الذي يجعل الناس كالذباب المتهافت على الجيف القذرة وقد ورد في الحديث القدسي " إن من عبادي من لايصلحه إلا الفقر فأفقره وإن منهم من لا يصلحه إلا الغنى فأغنيه.."

 

 

 

الخلاصة : على العلماء الدعاة أن يقولوا  لو إستقبلنا من أمرنا ما إستدبرنا لكتبنا في مقاصد العقيدة عامة والقضاء والقدر خاصة قبل التوسع في مقاصد الشريعة تثبيتا للناس على دينهم وتحريكا لايمانهم لعله يثمر خيرا في حياتهم في زمن يصبح فيه الرجل مؤمنا ويمسي كافرا حقا كما قال الحديث وهجم فيه العدو على العقائد الاساسية الاولى التي لم يضن عليها الانحطاط السالف بزلازل مخيفة وهو جهد كفيل بزرع التوكل والقوة وتغيير الانسان وفق قاعدة " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " .